عدد الخميس ١١ كانون الأول ٢٠٠٨
خالد صاغية
الأخبار عدد ١٢ كانون الأول ٢٠٠٨
رغم كلّ شيء، لا يستطيع المرء إلّا أن يبدي إعجابه بالفئة الأكبر من السياسيّين اللبنانيّين. فهم يحاولون، وسط العواصف الإقليمية والدولية، أن يحافظوا على تسيير شؤون البلاد والحفاظ على وحدتها. صحيح أنّ هؤلاء السياسيّين يرتكبون الأخطاء أحياناً، وصحيح أنّه كانت لهم، من دون شك، يد في ما وصلنا ونصل إليه، إلا أنّهم على الأقلّ يعرفون أحجامهم، ولا يدّعون ما ليس لهم. فإذا كانت هناك من صفة جامعة لهم، رغم كلّ الانقسامات، فهي التحلّي بالتواضع.
على سبيل المثال لا الحصر، سُئل الرئيس أمين الجميّل أمس عن رأيه في مطالبة العماد ميشال عون بتعديل الطائف، فأجاب: «مسرورون، فالخطاب الذي ألقيتُه في الفوروم دو بيروت بمناسبة عيد الحزب وذكرى استشهاد نجلي بيار، رفع مستوى النقاش في البلد، وانتقلنا من مرحلة السجالات العقيمة والشتائم، إلى البحث في العمق، في لبّ المشكلة اللبنانية وضرورة تطوير النظام».
درس في التواضع ونكران الذات والاعتراف بالخطأ. لا يسع المرء إلا التوجّه بالشكر إلى ربّ العالمين والملائكة والأولياء والقدّيسين لكون هذا الرجل قد ارتضى أن يكون واحداً من الطاقم السياسي اللبناني. بخطاب واحد، نقل البلاد من حال إلى حال. أنهى السجالات العقيمة. ابتعد عن الشتائم والمهاترات، وأخذنا مباشرةً إلى لبّ المشكلة.
وكيف للّبنانيين أن ينسوا الخطاب الاستثنائي في عمقه الذي ألقاه الرئيس أمين الجميّل. أوَتذكرون تلك الجملة الشعريّة التي شعر بالزهو وهو يلقيها، ونالت إعجاب الحاضرين، حين قارن بين باريس 1 وباريس 2 وباريس 3، وزلزال 1 وزلزال 2 وزلزال 3؟
لنضع جانباً كلّ البثّ العنصري والطائفي والمطالبة بالفدرالية... كلّ ذلك من الكلام المعلوك. ولنفكّر في هذه الجملة العميقة. يا اللّه: باريس 1 مقابل زلزال 1. هل يُعقل كلّ هذا التواضع بعد هذا التجلّي العبقري؟
فعلاً، لا يستطيع المرء إلا أن يبدي إعجابه بالفئة الأكبر من السياسيّين اللبنانيّين. فها هو سياسيّ واحد بخطاب واحد قد غيّر المعادلة. لا عجب إذاً أن نُقصَف كلّ يوم بسيل من الخطابات. فمعادلات كثيرة لا تزال تنتظر التغيير.
التسميات: لبنان
خالد صاغية
عدد الخميس ١١ كانون الأول ٢٠٠٨
من المفهوم أن يثير الحديث عن تعديل الطائف اعتراضات كثيرة، إلا أنّه حديث لا بد من فتح أوسع نقاش حوله، لأنّه يمثّل لُبّ المشكلة اللبنانيّة اليوم، وهي سقوط التوافقات الدولية والإقليمية التي أدّت إلى توقيع الاتفاق وحمايته، وزوال المبرّرات السياسيّة الداخلية للقبول به، وغياب البوليس الإقليمي الذي يقمع الاعتراضات عليه. لكن ثمّة من لا يريد فتح الحديث، يريد الاستمرار في خوض الانتخابات النيابية تحت شعارات عَضَلاتيّة، كنزع سلاح حزب الله. الجميع يعلم أنّ هذا الموضوع مطويّ الآن، منذ السابع من أيار، لا بسبب ما حمله هذا التاريخ من عنف استخدمه حزب الله وحسب، بل لما يحمله هذا التاريخ من إشارة إلى تغيّرات في التوازنات الإقليمية والدولية سمحت للحزب بأن يفعل ما فعله. وحتّى التوافق على استراتيجيّة دفاعيّة يبدو مؤجّلاً حتّى إشعار آخر، وها هي طاولة الحوار تتأجّل بسبب ومن دون سبب كمن يريد أن يبعد كأس الحوار عنه.
لا مكان في عالم السياسة اليوم لمطلب نزع سلاح حزب الله، إلا بانتظار موجة أخرى من المتغيّرات في المنطقة وعمليّة السلام فيها. الاستمرار في توتير الأجواء تحت هذا الشعار يخدم فكرة واحدة: التعمية عن الأزمة الأساسية، عن أزمة النظام اللبناني والعلاقات بين طوائفه في مرحلة ما بعد الانسحاب السوري.
قد لا يكون تعديل الطائف ممكناً اليوم، لكن لا يكفي أن يتغنّى المدافعون عنه بقدسيّته. عليهم أن يدلّونا على حلّ لمشكلة الصلاحيات والثغرات الدستوريّة التي ظهرت في السنوات الثلاث السابقة، وأن يعطوا جواباً للأكثرية المسيحية إن كانت هذه الأكثرية لا تزال ترى الطائف مهمِّشاً لها، وأن يقترحوا بديلاً من تقسيم العمل الشيعي ـــــ السنّي (المقاومة ـــــ الإعمار) الذي كان سائداً خلال الحقبة السوريّة.
لكنّ كلّ ذلك يراد له أن يُغفَل تحت شعار: لا مسّ بالطائف، والحلّ بالالتفاف حول الدولة. لكنّ الدولة عندنا ليست إلا دولة الطوائف التي لم يعد الطائف، مع الأسف، قادراً على صوغ علاقاتها.
التسميات: لبنان
خالد صاغية
الأخبار عدد الجمعة ٥ كانون الأول ٢٠٠٨
ثمّة وقت ضائع في لبنان بانتظار الانتخابات النيابيّة. يعرف الجميع أنّه ليس باستطاعتهم القيام بخطوة كبيرة قبل الاستفتاء الشعبي، العام المقبل. وثمّة وقت ضائع في لبنان بانتظار الإدارة الأميركية الجديدة. يعرف الجميع أنّه ليس باستطاعتهم القيام بخطوة كبيرة قبل تسلّم الرئيس باراك أوباما زمام الأمور، وقبل تحديد الوجهة التي ستتعاطى بها الإدارة مع عملية السلام في الشرق الأوسط، ومع الملف النووي الإيراني، ومع الانفتاح على سوريا. لكن، رغم هذا الوقت الضائع، يقوم فريق المعارضة ـــ سابقاً بمبادرات كثيرة. يستغلّ هذا الوقت الضائع لتحسين مواقعه وقضم مراكز قوى جديدة وتحسين صورته أمام جمهوره، سواء كانت حساباته خاطئة أو لا. يدفع حزب اللّه مثلاً إلى مزيد من المصالحات والتهدئة بعد تحرّك السابع من أيّار. يحاول وزراء التيار الوطني الحر ونوّابه اتّخاذ خطوات لافتة في المجلس النيابي وفي مجلس الوزراء، لتعزيز فكرة الإصلاح والتغيير. يقوم العماد ميشال عون بزيارة دمشق بعد طهران، موسِّعاً دائرة الأرضية المشتركة بين المعارضة اللبنانية ـــ سابقاً وإيران وسوريا، ومظهراً نفسه أمام جمهوره كزعيم قويّ تتّجه إليه الأنظار أينما حلّ، ويُستقبل بحفاوة بالغة في دول فاعلة في المنطقة، وسط زوال القطيعة التي كانت مفروضة عليه من الدول الأخرى.
في المقابل، يبدو فريق 14 آذار فاقداً للمبادرة، وكأنّه مسلّم بهزيمة مقبلة، أو باستحالة فعل أي شيء. جلّ ما يتمخّض عنه هذا الفريق هو التأكيد اليومي، الذي بات يشبه النفي، بأنّ 14 آذار ستخوض الانتخابات موحّدة على لوائح واحدة. لا خطاب جديداً. لا أداء مميّزاً. تفكّك حتّى على مستوى النقاشات في مجلس الوزراء والمجلس النيابي. حتّى مقابلة النائب وليد جنبلاط، أوّل من أمس، التي أريد لها أن تنافس زيارة عون إلى دمشق، جاءت من دون أي جديد. كان يمكنها أن تُبَثّ قبل شهرين مثلاً.
قد يكون ذلك نتيجة الإحساس بأنّنا في الوقت الضائع. لكن من المفيد التذكير بأنّ هذا الوقت الضائع ستطول مدّته، وخصوصاً أنّ الانتخابات قد لا تجري تحوّلات كبرى، وأنّ الإدارة الأميركية قد تتأخّر كثيراً قبل الالتفات مجدّداً إلينا. إنّ ترك الساحة لفريق واحد، على هذا النحو المفضوح، لا يفيد أحداً.
التسميات: لبنان
خالد صاغيةالأخبار عدد الخميس ٤ كانون الأول ٢٠٠٨
التسميات: لبنان
خالد صاغيةالأخبار عدد الاربعاء ٣ كانون الأول ٢٠٠٨
التسميات: لبنان
خالد صاغيةالأخبار عدد الثلاثاء ٢ كانون الأول ٢٠٠٨
التسميات: لبنان
خالد صاغية
الأخبار عدد الاثنين ١ كانون الأول ٢٠٠٨
المشاركون في ماراثون بيروت افتقدوا هذا العام الرئيس فؤاد السنيورة. دولته، بعد تعيينه رئيساً للحكومة للمرّة الأولى، أراد أن يمحو من ذاكرة الناس صورة مدقّق الحسابات الذي يفرض الضرائب، وأن يعطي عن نفسه صورة تقرّبه من الشعب. وهو من دون شك كان يتابع في الصحف صور رؤساء دول وحكومات يقومون بالجوغينغ الصباحي أمام أعين الناس وكاميراتهم، فلم يتأخّر عن ارتداء الشورت والمشاركة في ماراثون بيروت. لكن، هذا العام، لم يتمكّن الرئيس السنيورة من المشاركة. إلا أنّ ذلك لم يمنعه من الركض.
السنيورة ركض فعلاً يوم أمس، لكنه سلك طريقاً غير طريق الماراثون. فهو لا يستطيع التوقّف عن الركض أصلاً. طموحاته لا يمكن أن تتحقّق وفق سرعة سير عاديّة. لا بدّ من الركض، من الجري، من النطنطة، من الهرولة، من الشقلبة، من تسلّق الحبال، والقفز العالي...
فليس سهلاً الاستمرار في السياسات الاقتصادية نفسها بعد الأزمة العالميّة. يحتاج الأمر لبعض الركض قبل أن تأتي مؤسّسة دوليّة وتضربنا على أيدينا وتقول: كفى. لا نيوليبرالية بعد الآن. لا يمكن الاستمرار في إفقار الفقراء إلى ما لا نهاية.
يحتاج الأمر لبعض الركض قبل أن يتوقّف الخليج العربي عن إنكار تأثّره بالأزمة، فيعيد إلينا «الأدمغة» التي شجّعناها، أو شجّعتها السياسات الاقتصادية نفسها، على الهجرة.
يحتاج الأمر لبعض الركض حتّى يتمكّن من حوّلوا أنفسهم بيادق للمشروع الأميركي المتعثّر، أن يستمرّوا على رأس السلطة.
يحتاج الأمر لبعض الركض للهروب من الواقع، حتّى لا يرى المرء الهزيمة على وجوه حكّام إسرائيل بعد تمّوز 2006.
يحتاج الأمر لبعض الركض حتّى يستمرّ في نبذ الطائفيّة وإشعال نارها في الآن نفسه.اركض... اركض... يا دولة الرئيس. ففي نهاية الطريق، لا بدّ من أن تصادف إشارة النهاية.
التسميات: لبنان
خالد صاغيةالأخبار عدد الجمعة ٢٨ تشرين ثاني ٢٠٠٨
التسميات: لبنان
خالد صاغيةالأخبار عدد الاربعاء ١٩ تشرين ثاني ٢٠٠٨
التسميات: لبنان
خالد صاغية
الأخبار عدد الثلاثاء ١٨ تشرين ثاني ٢٠٠٨
لمناسبة إضراب المعلّمين، ابتدعت وزيرة التربية بهيّة الحريري مفهوماً جديداً أطلقت عليه تسمية «الحوار المستدام». فأعلنت أنّها ستلتقي اليوم وفداً من الأساتذة في وزارتها فور انتهاء الاعتصام، «لمتابعة عمليّة الحوار المستدام». ثمّ أضافت على مفهوم «الحوار المستدام» مصطلحاً آخر هو «الحركة المستدامة».
وزير المال محمّد شطح، الذي التقى الوزيرة الحريري، لم يكن على المستوى نفسه من الإبداع، فاكتفى بإبداء استعدادٍ مستمرّ للحوار. وهل للأساتذة والعمّال أن يطمحوا إلى أكثر من ذلك؟ قبل هذه الابتكارات الحريريّة، ساد مفهوم التنمية المستدامة، وقد تلقّفه كلّ الذين كانوا يهيّئون أنفسهم آنذاك للانتقال من اليسار إلى اليمين. فميّزوا أنفسهم عن دعاة التنمية، وطالبوا بالتنمية المستدامة، أي تلك التي «تلبّي احتياجات الحاضر من دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على الوفاء باحتياجاتها»، أي إنّها تنمية تتيح للأجيال المقبلة وراثة موارد طبيعيّة وبيئة تمكّنها هي أيضاً من استخدامها للتنمية. التنمية المستدامة هي تلك التي تجعل من التنمية عمليّة مستمرّة، تنتقل من جيل إلى جيل.
من حيث لا تقصد، نجحت الوزيرة الحريري في حلّ معضلة إنسانيّة تاريخيّة تدعى الصراع الطبقي. فلا جدوى لهذا الصراع ما دام طرفاه يتمكّنان من عقد حوار مستدام، أي حوار في الحاضر لا يعطّل الحوار في المستقبل، فنحوّل الحوار إلى عمليّة مستمرّة، تنتقل من جيل إلى جيل. هكذا يخرج العمّال من الحوار سعداء لأنّهم سيتمكّنون هم وأبناؤهم من بعدهم من الحصول على فرصة الحوار مع الدولة ومع أرباب العمل، ويخرج هؤلاء الأخيرون سعداء أيضاً لأنّهم لم يقدّموا أيّ تنازل للعمّال.
تخيّلوا لو أنّ حواراً مستداماً يجري اليوم بين الشركات المعرّضة للإفلاس والدولة الأميركيّة. لا حاجة لمساهمة الدولة بمئات مليارات الدولارات لإنقاذها. يكفي أن تقنعها بالدخول في مسار من الحوار المستدام. لكن، لا يبدو أنّنا في عصر السرعة... وحدهم العمّال بإمكانهم أن ينتظروا!
التسميات: لبنان
خالد صاغيةالأخبار عدد الاثنين ١٧ تشرين ثاني ٢٠٠٨
التسميات: لبنان
خالد صاغيةالأخبار عدد الجمعة ١٤ تشرين ثاني ٢٠٠٨
التسميات: لبنان
خالد صاغية
الأخبار عدد الخميس ١٣ تشرين ثاني ٢٠٠٨
يدور سجال سخيف بين القوّات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ بشأن مكافحة الفساد. فقد عاد الجنرال ميشال عون إلى أدبيّات توحي كأنّ الدين العام وإفقار اللبنانيّين قد تمّ بعدما وضع سياسيّو الحقبة السوريّة عصبة سوداء على رؤوسهم، وفتحوا خزائن الوزارات وأفرغوها. أمّا «الحكيم» فيفيض كالعادة حكمةً، ويتّهم حلفاء الجنرال بالفساد، فيما حلفاؤه يطفحون نزاهةً وبراءة.لكن، بصرف النظر عن ردّ الفعل القوّاتي، وما دمنا على أبواب انتخابات، وما دام الجنرال من أنصار الدولة المدنيّة والترشّح وفقاً لبرامج انتخابيّة، من المفيد أن يعدّ لنا التيّار رؤيةً اقتصاديّة تجيبنا عن الأسئلة الآتية:
1ـــــ إذا كانت السياسات الحريريّة قد رهنت البلاد للمصارف الكبرى، وأجبرت اللبنانيين على العمل لتسديد خدمة الدين لحيتان المال، فهل سيجرؤ التيار على فضح عملية النهب هذه والوقوف في وجه تلك الحيتان والقول: كفى!
2ـــــ إذا كان التيّار معترضاً على سياسة الجنّة الضريبيّة التي اتّبعتها حكومات ما بعد الطائف، فهل يؤيّد التيّار رفع الضريبة على الشركات تصاعديّاً والتخفيف من أعباء الرسوم التي تطال شرائح المواطنين كافة؟
3ــــ ما هو موقف التيّار من مشاريع الخصخصة، وخصوصاً أنّ القطاعين المرشّحين للبيع هما الآن في عهدة وزيرين من التيار الوطني الحر؟
4ـــــ قيل سابقاً إنّ محاربة الاحتكارات ممنوعة لأنّ ذلك سيسحب الوكالات الحصريّة من يد البورجوازيّة المسيحيّة أساساً. فهل التيار مستعد للوقوف في وجه هذه البورجوازيّة المحتكرة؟
5ـــــ هل لدى التيّار خطّة لإنقاذ صندوق الضمان الاجتماعي، وهل يمكن أن يؤيّد إعادة رفع الاشتراكات التي ينبغي للمؤسّسات تسديدها لهذا الصندوق؟
6ـــــ ما هو موقف التيّار من نهب التراث الوطني عبر جرف آثار بيروت لتسريع المشاريع العقاريّة. وهل سيخوض التيّار معركة في وجهة آلة الإعمار المدمّرة؟
هذه نماذج من أسئلة لا بدّ من الإجابة عنها في معرض نقد السياسات الاقتصاديّة الحريرو ــ سنيوريّة. أمّا الهروب منها تحت ستار مكافحة الفساد، فما عاد ينطلي على أحد.
التسميات: لبنان
خالد صاغيةالأخبار عدد الأربعاء ١٢ تشرين ثاني ٢٠٠٨
التسميات: لبنان
خالد صاغية
الأخبار عدد الثلاثاء ١١ تشرين ثاني ٢٠٠٨
ينبئنا وزير المال محمّد شطح، كمن يزفّ بشرى سارّة، أنّ موازنة عام 2009 «تتّسم بالشفافية»، فـ«لا إخفاء للأمور في الموازنة أو في تعاطي وزارة المال مع المشكلات الماليّة والاقتصاديّة التي يواجهها لبنان». والواقع أنّ النقص في الشفافية ليس أخطر ما نعاني منه. نحن نعاني من زيادة في الشفافية، وفي الإكثار من إطلاع المواطنين على كيف (لا) تتعاطى وزارة المال مع المشكلات الماليّة والاقتصاديّة. المشكلة في مكان آخر. المشكلة في شفافية ارتفاع معدّلات الاستغلال بشكل لا يخفى على أحد، وفي شفافية نهب المال العام بشكل لا يخفى على أحد، وفي اتباع سياسات متحيّزة طبقياً بشكل لا يخفى على أحد، وفي شفافية تسخير مقدّرات البلاد لتسديد فوائد الدين العام بشكل لا يخفى على أحد، وفي شفافية خرق القوانين الذي لا يخفى على أحد، وفي شفافية الاتّباع الأعمى لوصفات دولية تلائم بعض الطبقات الرأسمالية في هذه البلاد، وفي شفافية التعامي عن متغيّرات اقتصاديّة في العالم حين لا تلائم بعض الطبقات الرأسمالية في البلاد...
الواقع أنّ النقص في الشفافية ليس أخطر ما نعاني منه. نحن نعاني من فائض في الشفافية. نحن نعاني من شفافية تواطؤ الأطراف السياسية جمعاء على الاستمرار في هذه السياسات الاقتصادية المدمّرة. نحن نعاني من شفافية استخدام الأمور المعيشية في البازار السياسي والابتعاد عنها حين يقفل هذا البازار. نحن نعاني من شفافية تقاسم الجبنة بين زعماء الطوائف من دون أن يرفّ لهم جفن. نحن نعاني من شفافية استخدام أموال الدولة لتثبيت سلطة محتكري الزعامة ومحتكري الطوائف.
الواقع أنّ النقص في الشفافية ليس أخطر ما نعاني منه. نحن نعاني من مشكلة مختلفة. فأمام هذا الفائض من الشفافية، لا يريد أحد أن يعترض. الكلّ مسلّم بنصيبه، ما دام زعيم الطائفة راضياً، وما دام الراشي راضياً، وما دام «أبو الفقير» راضياً، وما دام «طال عمره» راضياً.وحدها المجتمعات الحديثة بحاجة إلى أساليب مقنّعة للنهب المنظّم. أمّا في مجتمعنا اللبناني، فالنهب شفّاف وما أحلاه. فليستعدّ فؤاد السنيورة لولاية ثالثة.
التسميات: لبنان
خالد صاغية
الأخبار عدد الاثنين ١٠ تشرين ثاني ٢٠٠٨
صور حريق «الهوليداي إن» تملأ الطرقات مذيّلة بعبارات النشوة بالانتصار. وكأنّ حرب السنتين التي افتتحت حروبنا الأهلية الطويلة لا تزال موضع فخر حزب الكتائب اللبنانيّة. لقد كانت جزءاً من «الواجب الوطني» الذي عبّر عنه سمير جعجع، وجزءاً من البطولات التي تغنّى بها أمين الجميّل عند ترشّحه للانتخابات الفرعيّة في قضاء المتن. أمّا خلاصة هذه الانتصارات، فهي القضاء على فكرة التوطين. فعلى ما يبدو، خاض الفدائيّون الفلسطينيّون حرباً لفرض توطينهم في لبنان، فوقف معهم قسم من اللبنانيين، وحارب ضدّهم قسم آخر. أمّا النتيجة، فانتصار فريق «لا للتوطين» على الفريق «المتآمر» مع الفلسطينيّين.
الواضح أنّ الكتائب ترفع اليوم شعار محاربة التوطين لأسباب انتخابية في مواجهة التيار الوطني الحر الذي يرفع الشعار نفسه. وإذا كان التيار يخبرنا يومياً عن الخطر الداهم للتوطين، موحياً بأنّ محاربته تقضي بالالتحاق بركب الجنرال ميشال عون، فإنّ الكتائب تذكّر بأنّها هي من حارب التوطين، وبالسلاح، وأنّ هذه مسألة منتهية منذ زمن، منذ حرب السنتين.
لماذا تحتاج المعركة الانتخابية اللبنانية إلى التركيز على خطر خارجيّ يجسّده الفلسطينيّون غالباً؟ هل أنهى الأطراف اللبنانيون المتنازعون، وخصوصاً أولئك الذين يتقاتلون على المقاعد النيابيّة المسيحيّة، النقاش بشأن قضايا البلاد الخلافيّة، وما عاد أمامهم إلا التسابق على منع التوطين؟
هل يخبرنا حزب الكتائب اللبنانية، الحريص على «التوازن الديموغرافي»، ما الذي يفعله للحدّ من الهجرة؟ وهل يخبرنا ما هي السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي يدعمها لكي توفّر بديلاً من تحويلات المهاجرين؟
من المفهوم ألا تكون الانتخابات النيابية محطّة ثانوية في حياة حزب ما. فالوصول إلى البرلمان هدف أساسي لكلّ حزب، يستخدم في سبيله وسائل شتّى. لكن يفترض بالموسم الانتخابي أن يمثّل مناسبة لمناقشة أحوال البلاد، ولتظهير المشاكل التي نشأت في الفترة السابقة، وللتنافس على تقديم الحلول. إنّه موسم إنتاج الأفكار الجديدة للحكم، للنظرة إلى البلاد ووحدتها، لتنظيم شؤونها، لرفع المستوى المعيشي لأبنائها. إنّه موسم اجتراح الحلول لتخطّي النقاط السوداء في الماضي، ورسم النقاط المضيئة للمستقبل.
لكنّ أحزابنا المفلسة التي لا تملك أي تصوّر للمستقبل تتنافس على إعادة تبييض صورتها الماضية، وهي صورة غير مشرّفة على أيّ حال. هكذا يفخر البعض بتاريخه الدموي، ويفخر بعض آخر بتاريخه العنصري، ويزايد بعض ثالث بنهب المال العام، وبعض رابع بنهب المال الخاص، وبعض خامس بتصفية الأحزاب المناوئة...
ليست المرّة الأولى التي تجري فيها المتاجرة بالحرب الأهلية، وأسبابها ونتائجها، في سبيل الفوز الانتخابي. وحتّى نوفّر على الأحزاب التفكير في حملاتها الإعلانيّة، وما دام الفلسطينيون هم كبش المحرقة المتّفق عليه، نقترح مجاناً هذه السلسلة من «البانوهات»:
- القوات اللبنانية تعرض صوراً لاجتماعات بشير الجميل مع القادة الإسرائيليين قبيل التحضير للاجتياح الإسرائيلي.
- حزب الوطنيين الأحرار يعرض صوراً للحليّ المصنوعة من الأعضاء البشرية للفلسطينيين، التي كان الرئيس كميل شمعون يفاخر بها أمام زوّاره الإسرائيليين.
- حركة أمل تعرض صوراً لحرب المخيّمات التي عرّضت الفلسطينيّين للعطش والجوع.
- الرئيس ميشال سليمان، إذا قرّر خوض الانتخابات وتأليف كتلته الخاصّة، يعرض صوراً من حرب تدمير نهر البارد.
- حزب اللّه يعرض صوراً للكوادر اليساريّين المتّهم باغتيالهم، الذين كانوا قريبين من المقاومة الفلسطينيّة.
- الحزب التقدّمي الاشتراكي يعرض صور قادته وهم ينسّقون مع الجيش الإسرائيلي خلال اجتياح بيروت وطردهم للمقاومة الفلسطينية منها.
- الجنرال ميشال عون يعرض صور مجزرة تل الزعتر.
- تيار المستقبل ينشر صوراً تظهر حماسة فؤاد السنيورة لتدمير مخيّم البارد وحماسة مماثلة لعدم إعماره.
سيحار عندئذ المواطن اللبناني أمام صندوق الاقتراع. فالسجل الوطني الأنتي ــ فلسطيني حافل لدى جميع الأحزاب والقوى. كلّ لبنان ضدّ التوطين. لكن، كلّ لبنان أيضاً ضدّ الحقوق المدنيّة الفلسطينية. كلّ لبنان وقف مع تدمير مخيّم نهر البارد. كلّ لبنان يتواطأ ضدّ إعادة إعماره.
المائدة عامرة، فاختر ما شئت أيّها الناخب.
التسميات: لبنان
خالد صاغيةالأخبار عدد الجمعة ٧ تشرين ثاني ٢٠٠٨
التسميات: لبنان
خالد صاغية
الأخبار عدد الجمعة ٣١ تشرين أول ٢٠٠٨
طرح سمير جعجع مسألةً بليغةً للغاية. قال إنّ ثمّة اختلافاً أيديولوجيّاً بينه وبين العماد عون. وحين أُلِحّ عليه لشرح الاختلاف بين التوجّهين الأيديولوجيّين، أعلن أنّ العماد عون سافر إلى إيران. أمّا هو، فقد سافر إلى مصر. هل اختلط الأمر على «الحكيم» بين الجغرافيا والأيديولوجيا؟ الأرجح أنّ ذلك لم يحصل. فسرعان ما عرف السيّد جعجع أنّ إجابته لم تكن موفّقة، وجرّب أمراً آخر. قال: العماد عون يرى أنّ التدخّل الأميركي في لبنان ليس من مصلحة المسيحيّين. يمكننا أن نحزر أنّ جعجع يرى، بعكس عون، أنّ التدخّل الأميركي في لبنان هو لمصلحة المسيحيّين. لكن، مرّة أخرى، ما علاقة الأيديولوجيا بالأمر؟
الواقع أنّ «مصلحة المسيحيّين» باتت القاسم المشترك في خطابَي جعجع وعون. عفواً، باتت هي خطاب جعجع، وهي، في الوقت نفسه، خطاب عون. لقد تحوّل التيّاران/ الحزبان إلى تيّار واحد في الحقيقة، يحمل شعاراً واحداً وهمّاً واحداً، وإن اختلفا في التحالفات والتكتيك السياسي. إذا كان لهذا الخطاب المسيحي الطائفي أن يُسمّى أيديولوجيا، فلا بأس. لكن الحريّ بالسيّد جعجع أن يعترف في هذه الحالة بأنّه يحمل وعون أيديولوجيا واحدة.
فنحن لا نعرف ماذا بقي من «علمانيّة» التيار الوطني الحر، أو من رؤيته لبناء الدولة، أو للمساواة بين المواطنين. لقد بات دفاع جبران باسيل عن عطلة الجمعة العظيمة أعلى شأناً في أدبيّات التيّار من أيّ شيء آخر. وجعجع مقهور من دون شك. مقهور لأنّه يريد أن يدافع هو عن الجمعة العظيمة، وأن يتباهى هو بالعنصريّة تجاه الفلسطينيّين، وأن يأخذ هو «الحصّة» المسيحيّة ممّا بقي من الدولة.
الاختلاف الأيديولوجي عنوان لا يليق بترّهات الزواريب. سيكون صعباً إقناع الناخب البتروني مثلاً بانتخاب أنطوان زهرا بدلاً من جبران باسيل، أو انتخاب جبران باسيل بدلاً من أنطوان زهرا، بسبب الاختلاف في العقيدة. إنّها الجمعة العظيمة، يا غبي!
التسميات: لبنان
خالد صاغية
الأخبار عدد الخميس ٣٠ تشرين أول ٢٠٠٨
للّه يا مُحسنين... كتلة نيابيّة! كتلة وطنيّة وحياديّة ونظيفة.
كتلة تقف على الحياد. كتلة الشاورما وكرنفالات مرعي أبو مرعي.
كتلة وطنيّة، لكن لا مانع من أن يكون عرّابها من فتح قلبه للجيش الإسرائيلي، ثمّ أعاد فتح ذراعيه للاستخبارات السوريّة، قبل أن يُكافَأ بنقل وزارات الدولة إلى دارته.
كتلة نظيفة يرعاها ملوك المحسوبيّات وسوء استخدام النفوذ وتسخير موارد الدولة للمشاريع الخاصّة.
كتلة العائلة المرّة. تلك التي «دَمّع» ابنها المدلّل ذات يوم حين أعلن نتيجة انتخابات فرعيّة لم ترُق شخصه الكريم، وذلك قبل أن يعاود لعب دور «رامبو» في وجه «عبدة الشيطان».
كتلة تصفّق لتدمير المخيّمات الفلسطينيّة، ثمّ تعاود التصفيق لجرفها.
كتلة من لون طائفيّ واحد. لكنّ طائفيّتها لا تؤثّر على وطنيّتها.
كتلة تعتمد الخطاب المبتذل نفسه الذي استخدمه رئيس جمهورية سابق: «لا أريد شيئاً لنفسي». لكنّ النفس أحياناً أمّارة بالسوء.
كتلة القصر وهَيبة القصر.
كتلة «أهلاً وسهلاً بك في نادي السياسيّين».
توضيح: كتلة لا تعني وطنيّتها أنّ الكتل الأخرى غير وطنيّة. لكنّها، على ما يبدو، أكثر وطنيّة من الآخرين، أو أنّها «وطنيّة سبيسيال»، إذ لا مشروع لديها إلا دفن الإصلاحات، والانصراف إلى حملة تنظيفات كشفيّة.
التسميات: لبنان
خالد صاغية
الأخبار عدد الاربعاء ٢٩ تشرين أول ٢٠٠٨
ليس سرّاً الحديث عن الفساد الذي يضرب العمل الصحافي في لبنان. بين الصحافيّين من هُم أصحاب «نفوس خضراء»، وبين أصحاب المواقع السياسيّة والاقتصاديّة من يستغلّ غياب قواعد الشفافية عن تداول أبسط المعلومات. فبات الحصول على أي خبر يتطلّب كميّةً هائلةً من العلاقات الشخصيّة التي سرعان ما تتحوّل إلى علاقات تزلّف يحصّل الصحافي منها راتباً إضافياً يُشرك به أحياناً ربّ عمله، ويحصّل السياسي ولاءً كاملاً من أصحاب «القلم الحرّ». الاستقطاب السياسي الحاصل في البلاد ساعد في تغذية هذا الجوّ. فحين «فلت الملق»، قام القادة السياسيون بإعلاء شأن صحافيّين وباحثين من الدرجة الرابعة (وهذه درجة لا علاقة لها بالكفاءة أو بالخبرة، بل بالقيم التي لا يحملونها). بعض هؤلاء أصبحوا ناطقين إعلاميين أو مستشارين إعلاميين، ومنهم من ترقّى ليصبح مستشاراً سياسياً أيضاً.
بات بإمكان من يحمل حقيبة زعيمه أن ينهر صحافياً بسبب رأيه المخالف. وبات بإمكان «مسّيح الجوخ» أن يرفض التحدّث إلى صحيفة لا يناسبه رأيها السياسي. وبات بإمكان زُوَيْعم أن يحدّد طبيعة الأسئلة التي تستهويه الإجابة عنها، وإلا فإنّه سيقفل الخطّ.
ربّما كان من الأجدى أن تتحوّل الصحافة إلى نوع من «الصحافة الكْلَاس»، أي تلك التي لا تركض وراء الخبر. صحافة تكره الأحداث مثلاً. صحافة تقوم من وقت إلى آخر بأبحاث عبر الإنترنت، أو بتحقيقات لا تتطلّب جهداً كثيراً. ورغم ما يحمله هذا الحلّ من دعوة إلى الكسل، وربّما الفناء، فإنّ نتيجته مضمونة. الصحف، حتّى مع كسل كهذا، ستكون أجمل.
حلّ آخر: بدلاً من الصحافة «الكلاس»، يمكن اعتماد صحافة «الهامش». فإذا كان همّ الصحف الإضاءة على ما يجري في المجتمع، فإنّ الأساس في ما يجري ليس حتماً ما يدور بين الرئيسين فؤاد السنيورة وميشال سليمان مثلاً، بل في ما يحدث في الهوامش، تلك المساحات التي لا يحتاج الصحافي إلى إذن رسمي للدخول إليها. تلك المساحات التي يتطلّب الوصول إليها جرأةً وصدقاً، لا تزلّفاً ووضاعة.
أمّا حاملو الشُنط وراء زعمائهم، فبإمكانهم الاستمرار بممارسة ذلّهم اليومي.
التسميات: لبنان