02 فبراير, 2010,06:59 م
في قصر العدل

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢ شباط ٢٠١٠


بعد عودتي أمس من قصر العدل، وخضوعي لاستجواب القاضي في دعوى شخصيّة أقامها المدير العام للأمن العام ضدّي، فكّرت بعض الشيء، وخصوصاً أنّ جلسة الاستجواب كانت مرهقة واستغرقت ساعة ونصف ساعة، تخلّلها سؤالي عن قصدي في كلّ جملة كتبتها في مقال سابق. بعد التفكير، تبيّن لي أنّ هذه الزاوية، بسبب طابعها الساخر أحياناً، ستسبّب لي إزعاجاً مستمرّاً. فمع أجواء الوحدة الوطنيّة، وقرب موسم التعيينات، يزداد توتّر الطاقم السياسي وموظّفي الدولة. لذلك، لا بدّ من بعض التوضيحات للمستقبل القريب:
أوّلاً، سأظلّ أحاول قدر الإمكان أن لا يكون لثقل الدم العام والخاص مكان في هذه الزاوية. لذلك، يرجى من هواة الرصانة الابتعاد عنها.
ثانياً، إنّي مستعدّ لتحمّل مسؤوليّة كلّ ما أكتبه. لكن يرجى من مقدّمي الشكاوى ورافعي الدعاوى أن يطلبوا استدعائي في وقت متأخّر، أي بعد الظهر. فأنا أعمل حتّى ساعة متأخّرة، وأكره النهوض باكراً. وأصلاً، لا يمكنني أن أدلي بإفادات قبل شرب القهوة على مهل. يمكن إدراج وقت الاستدعاء كملاحظة في أسفل الشكوى، وخصوصاً أنّ المرء يضطرّ أمام القضاء للتفوّه بعبارات كبيرة من نوع «فصل السلطات» و«أسس الجمهوريّة» و«مبادئ الديموقراطيّة»... إلى ما هنالك. وهذا ما لا يتلاءم مع أجواء الصباح الباكر.
ثالثاً، أنا مستاء سلفاً من كلّّ المنخرطين في السلطة، سواء فعلوا ذلك عن حسن نيّة أو سوء نيّة. مستاء لدرجة فقدان الأمل. وأمام شعور كهذا، يبدو حصر التُّهم بالقدح والذمّ كأنّه يحمل شيئاً من الخفّة لا أرضاه لمشاعري الحقيقيّة تجاه المسؤولين في هذه الدولة.
رابعاً، منعاً لأيّ التباس، أنا لستُ مع «بناء الدولة»، وخصوصاً حين يُربط بالتقدّم. واستيائي من المسؤولين لا ينبع من عدم عزمهم على بناء الدولة، بل من الطريقة التي يبنون بها أحياناً ما يسمّونه الدولة.
خامساً، هذه الزاوية موجّهة إلى القرّاء لا المسؤولين. القرّاء الذين لا يحتلّون أيّ موقع رسميّ. أمّا الآخرون، فأرجو ألّا يقرأوا ما أكتبه حتّى لا يزعجوني ولا يزعجوا أنفسهم. فأنا، ببساطة، أريد أن أنام.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
01 فبراير, 2010,10:21 ص
ذكرى جامعة
خالد صاغية
الأخبار عدد الاثنين ١ شباط ٢٠١٠
تحاول بعض القوى السياسيّة في لبنان الترويج لإحياء ذكرى الرئيس رفيق الحريري هذه السنة كذكرى وطنيّة جامعة، انسجاماً مع أجواء «الوحدة الوطنيّة».قد يكون المقصود من هذا الكلام الضغط لصياغة خطاب هادئ في الذكرى، لا يشبه الخطابات المتهوّرة للأعوام السابقة، والتي دفعت البلاد ثمناً باهظاً لها. أمّا إذا كان المروّجون للذكرى الجامعة يعتقدون بما يقولونه حقاً، فينبغي لفت انتباههم إلى استحالة هذا الأمر لأسباب كثيرة:1ـــــ لقد عمد القيّمون على الذكرى السنويّة إلى تحويلها، دوريّاً، إلى مناسبة لتحقيق مكاسب لطوائف وقوى سياسية لبنانية على حساب طوائف وقوى أخرى. وبقدر ما كانت النبرة السياديّة تعلو، كانت الفئويّة تتضخّم.2ـــــ القيّمون أنفسهم جعلوا من الذكرى مناسبة لتغيير موقع لبنان الإقليمي، ونقله من جهة إلى جهة تحت شعار تحييد لبنان الذي تحوّل لاحقاً إلى «لبنان أوّلاً»، قبل أن يصبح عنوان الكتلة النيابيّة التي ينضوي تحتها معظم المشاركين في لقاء البريستول أمس.3ـــــ القيّمون أنفسهم، وإن رفعوا شعار التحييد في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، فإنّهم ربطوا الذكرى بتأكيد الانضمام إلى محور ضدّ محور في العالم العربي، مع ما يعنيه ذلك من تلقّي الدعم من أنظمة والدعوة إلى إسقاط أخرى.4ـــــ بغضّ النظر عمّا حفلت به الذكرى في الأعوام الفائتة، والسلوك السياسي لورثة الحريري وحلفائهم الذين بكوه صدقاً أو زوراً، فإنّ من الصعب اعتبار الحريري نفسه شخصيّة إجماعيّة. فسياساته الاقتصادية والاجتماعية وحدها كفيلة بفضح التحيّز لقسم من اللبنانيّين على حساب قسم آخر. والتحيّز الاقتصادي هنا لا يقلّ حدّة عن التحيّز السياسي الذي ميّز رئيساً لبنانياً آخر، قضى هو أيضاً اغتيالاً من دون أن يتمكّن من تحقيق إجماع حوله.سمير جعجع على حقّ في هذه المسألة. فـ14 شباط ليست مناسبة اجتماعيّة، بل سياسيّة. وقد أكّد لقاء البريستول، أمس، هذا التوجّه، إذ عقد لقاءه تحت شعار «مستمرّون» في محاولة لاستغلال الذكرى من أجل إحياء تجمّع 14 آذار، لا من أجل تقبّل التعازي. وهو تجمّع، كما يعلم الجميع، لم يكن في لحظةٍ إجماعيّاً. وهنا تكمن علّة وجوده وعلّة نهايته.
 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
29 يناير, 2010,10:22 ص
الدولة تتلقّى الشكر
خالد صاغية
الأخبار عدد الجمعة ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٠
بعد حادثة الطائرة الإثيوبية، انبرى عدد من زعماء الطوائف للظهور على الشاشات وتقديم شكرهم للدولة وأركانها على تعاطفهم مع أهالي الضحايا، وعلى جهودهم في سبيل تسريع عمليّات الإنقاذ والبحث عن الصندوق الأسود، والتعرّف على هويّة أصحاب الجثامين. مشهد وُضع في خانة الوحدة الوطنية التي ازدادت رسوخاً تحت وطأة هول المأساة. إلا أنّه، في الواقع، مشهد محزن ومخزٍ حين تتحوّل الدولة إلى جهاز تطوّعي كالصليب الأحمر مثلاً، يستدعى للقيام بعمليّات إغاثة لا يمكن أجهزة الطوائف القيام بها. ثمّ يُقدَّم الشكر له باعتباره قد مدّ يد العون لأبناء الطوائف. فالضحايا اللبنانيون وأهلهم هم من رعايا هذه الطائفة أو تلك. والمسؤول عنهم هو زعيم الطائفة الذي يشكر الدولة على تقديمها خدمة لأبناء رعيّته. وما أداء المسؤولين إلا محاولة لنيل الإعجاب والرضى.لقد بذل بعض أركان الدولة جهداً، وإن من غير مردود مباشر. إلا أنّ ذلك لم يمنع التصفيق للتأثّر الصادق والنيّات الحسنة. وجرى الفصل بين النيّات والإمكانات. فالكلّ تصرّف بمسؤوليّة، لكنّ الدولة لا تملك تقنيات متطوّرة تؤهّلها للتعاطي مع كارثة بهذا الحجم. هذا الفصل هو فصل اصطناعيّ يضع ورقة التوت على المشهد الفاضح للدولة العاجزة، وهي عاجزة بالضبط لأنّ هناك من منعها من تطوير قدراتها. لأنّ هناك من لا يزال متمسّكاً بمنطق المحاصصة في التعيينات الإداريّة. لأنّ هناك من يحمي الفساد داخل الوزارات. وهذا «الذي هناك» ليس غريباً عن أركان الدولة أنفسهم الذين حاولوا الظهور بمظهر من يتحمّل المسؤوليّة. فإن كانت إمكانات الدولة ضعيفة، فهذا ليس نتيجة كارثة طبيعيّة، بل نتيجة كارثة من صنع البشر أنفسهم الذين يقفون اليوم عاجزين أمام سقوط الطائرة.مشهد أخير لا بدّ منه: نشرت الوكالة الوطنية للإعلام الخبر الآتي: «أعلن وزير الصحة محمد جواد خليفة إنجاز الخريطة الجينيّة لضحايا الطائرة الإثيوبية المنكوبة...». يتابع الخبر: «وبالنسبة إلى الضحايا الإثيوبيّين، أوضح وزير الصحة أنّ فريقاً سيذهب من لبنان إلى إثيوبيا لتحديد خريطة جينيّة للضحايا».
 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
27 يناير, 2010,08:36 ص
قاموس الطائرة
خالد صاغية
الأخبار عدد الاربعاء ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٠
وجد اللبنانيون في الطائرة الإثيوبية المنكوبة مناسبة لتجديد مفردات قاموسهم. راجت فجأة تعابير وكلمات تستحق التوقّف عندها.الطيّار: ما إن شاع خبر تحطّم الطائرة، حتّى بدأت الألسن تتحدّث عن مخالفة قبطان الطائرة للتعليمات التي وُجِّهت إليه. وهو أمر قد يكون صحيحاً أو غير صحيح. لكنّ السرعة في تبنّي هذه الرواية، وتنقّلها بخفّة من شاشة إلى أخرى، وتقدّمها على سواها من الروايات، لا يمكن فصلها عن كون الطيّار إثيوبيّاً. فاجتمعت هنا رغبة تبرئة الذات مع تحويل الطيّار إلى كائن تُكثَّف فيه كلّ مشاعر التمييز ضدّ الشعب الإثيوبي، وهو ما برع فيه اللبنانيّون منذ زمن. وقد زاد الطين بلّةً الحديث عن ركّاب لبنانيّين و«كَمْ إثيوبي»، أو عن جنسيّات مختلفة إضافة إلى «أفريقي».الخطّ المباشر: حادثة تحطّم الطائرة الإثيوبية ليست فريدة في تاريخ الطيران. خطوط جويّة كبرى، ومطارات عريقة، تعرّضت لحوادث من هذا النوع. إلا أنّ عقدة التفوّق اللبناني تأبى الاعتراف بذلك. ارتفعت الأصوات المطالبة بخط مباشر، وكأنّ وجود خطّ كهذا سيمنع حصول كوارث مماثلة. إلا أنّ الخط المباشر غير مرتبط بالنظرة إلى النفس وحسب، بل سرعان ما تحوّل إلى جزء من المحاصصة الطائفية في البلاد. بات علينا إعداد إحصاءات عن وجهات سفر أبناء الطوائف اللبنانية، وتخصيص كلّ طائفة بعدد معيّن من الرحلات. ولم يتوانَ أحدهم عن الحديث عن «مؤامرة» نتيجة غياب خط كهذا.الضحايا: استخدمت هكذا بالجمع. إلا أنّ الجميع تعامل مع نوعين من الضحايا. الأوّل لبنانيّ وغربيّ يستحقّ متابعة أخباره وسرد حكاياته. أمّا النوع الثاني، فهو الإثيوبيّات اللواتي لا حكاية لهنّ. حتّى الموت لم يتمكّن من إزالة الفوارق.المغتربون: استغلّ حرّاس النظام المناسبة لتأبيد النظام الاقتصادي السائد في البلاد. فبدلاً من ذمّ النظام الذي لا يقدّم لمواطنيه إلا أبواب الهجرة، والذي يعتاش من فتات التحويلات الخارجيّة، بات المغتربون أبطالاً مثاليّين وجنوداً مجهولين في ضمان ديمومة نظام عصيّ على الأزمات. تحوّل الحزن على أفراد من لحم ودم قضوا في حادث مؤسف، إلى مديح لنظام يأكل أبناءه.القاموس يتّسع. لكنّ هول المأساة يستدعي وقف التصفّح هنا.
 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
25 يناير, 2010,08:38 ص
ليس تماماً عن هايتي
الأخبار عدد الاثنين ٢٥ كانون الثاني ٢٠١٠
خالد صاغية
مثّل زلزال هايتي حدثاً مغرياً للتعليق والتحليل. فنادراً ما تُخلِّف كارثة طبيعيّة هذا العدد الهائل من الضحايا. وقد التفت كثيرون منذ البداية إلى أنّ ما جرى لا يمكن ردّه إلى غضب الطبيعة وحسب. فالزلزال نفسه ما كان ليخلّف كلّ هذا الموت، لو حدث في منطقة أخرى.إلا أنّ التوافق انتهى عند هذه النقطة ليبدأ بعد ذلك التنوّع والاختلاف في التفسيرات. ففيما ركّز البعض على التاريخ الاستعماري في هايتي، والنهب الأوّلي الذي تعرّضت له منذ قرون، وصولاً إلى السياسات الأميركيّة غير البعيدة، فضّل آخرون التركيز على تفاسير أخرى. ولعلّ الأكثر رواجاً كان انتقاد شكل الحكم الذي نشأ بعد الاستعمار، وخصوصاً غياب الديموقراطية وانتشار الفساد. وإذا كان يساريّون وليبراليّون ويمينيّون قد اشتركوا في هذا التفسير الأخير، فإنّ اليمين خرج من زلزال هايتي رافعاً حجّة جديدة لمصلحة الاستعمار وعدم قدرة الشعوب «المتخلّفة» على حكم نفسها بنفسها.إلا أنّ استخدام مأساة هايتي لكيل المدائح للاستعمار، والتغافل عن دوره في صنع المأساة، لم يمثّل أقصى التطرّف اليميني. فهذا الموقف الأخير تولّاه من طاب له ردّ المأساة إلى ثقافة سائدة في تلك الجزيرة، ثقافة سمّيت مضادّة أو معادية للتقدّم. فالماضي الاستعماري والفساد والديكتاتورية أمور مشتركة بين دول العالم الثالث. أمّا العداء المتأصّل والمتجذّر للتقدّم، فهذا ما يميّز هايتي، وما يتحمّل مسؤوليّة الكارثة التي حصلت.والحال أنّ هذا الموقف الثقافوي الذي روّج له «مبشّرون» غربيّون وردّده تلامذة نجباء لهم في سائر أنحاء العالم، ليس جديداً، ولا خاصاً بالشعب الهايتي. فلا يزال العرب والمسلمون يعانون الموقف نفسه في تفسير حال بلدانهم. فهناك، كما في هايتي، تقول الرواية نفسها، لم يكن الاستقلال خطوة حكيمة، إذ فتح الباب أمام سيادة ثقافة معادية للتقدّم، وأوصد الباب على رياح الغرب التقدّمية.وهناك، كما في هايتي، لا يمكن وصف هذا الموقف بالعنصريّة. لكنّه البديل التمييزي الذي ابتدعه الغرب حين باتت العنصريّة أمراً محرّماً. وحتّى لا يلتبس الأمر على أحد، لم يُلقَ الحرم على العنصريّة فعليّاً إلا حين ارتدّت على أهلها، أي حين جاء شخص يدعى أدولف هتلر واستخدم الخطاب العنصريّ، لكن هذه المرّة ضدّ بشر غربيّين، ميّز بين أعراقهم ودياناتهم.فما دام إعلان التفوّق العرقيّ ممنوعاً، كيف يعلن الرجل الأبيض تفوّقه؟ ابحثوا عن الثقافة.
 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
21 يناير, 2010,09:52 ص
وطن أبو موسى

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٢١ كانون الثاني ٢٠١٠


لو لم يأتِ أبو موسى إلى لبنان، كان يجب إحضاره.
فمنذ فترة غير قصيرة، والنوّاب والوزراء والقادة يتحدّثون كأنّ في فمهم ماءً. يبدأون جملة ولا يكملونها. يُسألون عن موضوع، فيجيبون عن آخر. ومنهم من أصيب بازدواج الشخصية، فوضع واحدة على جنب، وأطلق العنان لشخصيّته الأخرى. فمع تأليف حكومة الوحدة الوطنيّة، ثمّ زيارة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق، طويت المواضيع الخلافيّة. من كان يتحدّث عن خطر سلاح حزب الله، بات يحذّر من الحرب الإسرائيلية. من كان يريد رأس النظام السوري، بات ينظّر للعلاقات المميّزة بين لبنان وسوريا. من كان يحفر الخنادق بين اللبنانيّين، بات يتغزّل بالوحدة الوطنيّة.
كان لا بدّ من ملء الفراغ. وكالعادة، وجد الرئيس نبيه برّي ما يسلّي به القوم. فاستفاق على تطبيق الدستور، وإنشاء هيئة وطنية للبحث في إلغاء الطائفية السياسية. أصاب أكثر من عصفور بحجر واحد. أقفل أسطوانة تطبيق اتفاق الطائف. دغدغ مشاعر العلمانيين واليساريين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في الخندق نفسه مع «الأستاذ» الذي بدا كمن باعهم ورقة لوتو. وفيما هم يترقّبون يوم السحب، عادت الحيويّة إلى السجالات. حماسة من هنا، خوف من هناك. استعادة لمحاسن الطائفية، فدعوة إلى تعديل الدستور، فاستنفار جديد للتراصّ الطائفي، فتحذير من اللعب بتوازنات البلاد... وكي تزيد القاعة التهاباً، أضيف إلى السجال خفض سنّ الاقتراع. مطلب تقدّمي آخر وضعه برّي على الطاولة. مزيد من الحماسة. عاد كلّ زعيم إلى آلته الحاسبة، وبدأ جمع الأرقام.
الحياة السياسية تنتعش من جديد، من دون سوريا ومن دون حزب اللّه ومن دون 14 آذار... لكن بقي أمر ناقص. فهذه الحيويّة الجديدة سقطت هي الأخرى في فخ السجالات. لا بدّ من رافعة وطنية تعيد اللحمة إلى المشهد السياسي. أهلاً وسهلاً بأبي موسى. أهلاً وسهلاً بفلسطين والفلسطينيين. أهلاً وسهلاً بالمخيّمات وسلاح المخيّمات... فكالعادة، لا تستنفر الوحدة الوطنيّة اللبنانية إلا بوجه «الفلسطيني». فما بالك إن كان هذا الفلسطيني آتياً من زمن الحرب الأهليّة، وقد بلغ من العمر ما يسمح له بإطلاق الكلام على عواهنه؟
جاء أبو موسى، و«اللّه جابو». ها هم اللبنانيون يتكلّمون لغةً واحدة، ويتسلّحون بموقف واحد. موقف كانوا قد اتّخذوه بالإجماع على طاولة حوار.




 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
20 يناير, 2010,09:50 ص
ليسانس

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٠ كانون الثاني ٢٠١٠


إلى جميع أهالي القرى،
مَن منكم رفض الانضمام إلى جيش النازحين إلى المدن، وفضّل البقاء في أرضه والاهتمام بزراعتها، وفضّل البقاء في قريته للتركيز على حرفة محليّة، وفضّل البقاء في بلدته وفتح فيها دكاناً ليساعد أهلها على الاكتفاء الذاتي... يريدون حرمانكم من الترشّح لرئاسة بلديّتكم.
إلى جميع أهالي القرى،
مَن منكم لم يملك المال الكافي لدخول الجامعات، ولا مَلَك والداه قطعة أرض باعاها ليدفعا نفقات تعليمه، ولا هاجر أخوه البكر إلى الخليج أو أفريقيا ليرسل له المال... يريدون حرمانكم من الترشّح لرئاسة بلديّتكم.
إلى جميع أهالي القرى،
لا يكفي أنّ الدولة تعاقبكم فتحرمكم من خدماتها الأساسية، من صحة وتعليم، بل إنّها تريد أن تعاقبكم مرّة ثانية، فتحرمكم من حقّكم في تمثيل أنفسكم لكونكم لا تملكون شهادات عليا.
فوفقاً لرزمة من «الإصلاحات» المتعلّقة بالانتخابات البلديّة، يجري التداول باقتراح يشترط على رئيس البلدية ونائبه أن يكونا حائزين شهادة جامعية معترفاً بها.
يؤكّد اقتراح كهذا مرّة أخرى حجم المسافة التي تفصل بين المسؤولين والناس، وقلّة درايتهم بأحوال القرى والبلدات النائية، عدا عن نظرة التعالي التي تجعل من الشهادة الجامعية شرطاً يفوق أهمية الخبرة العملية ومتابعة شؤون المواطنين. فأيّ منطق ذاك الذي يفترض أنّ أصحاب الشهادات هم أكثر دراية بحاجات الناس، وخصوصاً أنّ عدداً كبيراً من متخرّجي الجامعات يضطرّون إلى السكن خارج قراهم بحثاً عن فرصة عمل؟ يكاد الأمر يكون إلغاءً مقنّعاً للانتخابات البلدية، إذ يعيد للمراكز حقّ التحكّم بالأطراف.
المسألة ليست مسألة حقوق أو مساواة وحسب. فالشعب اللبناني إجمالاً من محبّذي الوجاهة، وغالباً ما تربط الوجاهة بالعلم. ووفقاً لذلك، انتُخب كثيرون من حملة الشهادات وقاطني المدن رؤساء بلديات في قراهم. فكانت النتيجة في كثير من الأحيان اعتبار أولئك أنّ آخر إنتاجات الفن هو محاولة محاكاة المدن، أو «تمدين» القرى، و«خُود على باطون». إشارات سير من هنا، مستديرات من هناك... وكلّ ذلك في طرقات هي أشبه بالأزقّة. وكلّ ذلك بحجّة التمدين والتنمية. لقد بات العمل البلدي في أحيان كثيرة مضاداً للتنمية المحلية، والبركة بـ«المتعلّمين».
الغريب أنّ الحكومة التي تبحث في فرض شرط الشهادة الجامعية على رئيس البلدية، هي نفسها التي تلعثم رئيسها وتأتأ مرّات كثيرة قبل أن ينهي بصعوبة تلاوة بيانها الوزاري!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments