الجمعة، 12 ديسمبر، 2008,11:59 م
بخطاب واحد

خالد صاغية

الأخبار عدد ١٢ كانون الأول ٢٠٠٨


رغم كلّ شيء، لا يستطيع المرء إلّا أن يبدي إعجابه بالفئة الأكبر من السياسيّين اللبنانيّين. فهم يحاولون، وسط العواصف الإقليمية والدولية، أن يحافظوا على تسيير شؤون البلاد والحفاظ على وحدتها. صحيح أنّ هؤلاء السياسيّين يرتكبون الأخطاء أحياناً، وصحيح أنّه كانت لهم، من دون شك، يد في ما وصلنا ونصل إليه، إلا أنّهم على الأقلّ يعرفون أحجامهم، ولا يدّعون ما ليس لهم. فإذا كانت هناك من صفة جامعة لهم، رغم كلّ الانقسامات، فهي التحلّي بالتواضع.
على سبيل المثال لا الحصر، سُئل الرئيس أمين الجميّل أمس عن رأيه في مطالبة العماد ميشال عون بتعديل الطائف، فأجاب: «مسرورون، فالخطاب الذي ألقيتُه في الفوروم دو بيروت بمناسبة عيد الحزب وذكرى استشهاد نجلي بيار، رفع مستوى النقاش في البلد، وانتقلنا من مرحلة السجالات العقيمة والشتائم، إلى البحث في العمق، في لبّ المشكلة اللبنانية وضرورة تطوير النظام».
درس في التواضع ونكران الذات والاعتراف بالخطأ. لا يسع المرء إلا التوجّه بالشكر إلى ربّ العالمين والملائكة والأولياء والقدّيسين لكون هذا الرجل قد ارتضى أن يكون واحداً من الطاقم السياسي اللبناني. بخطاب واحد، نقل البلاد من حال إلى حال. أنهى السجالات العقيمة. ابتعد عن الشتائم والمهاترات، وأخذنا مباشرةً إلى لبّ المشكلة.
وكيف للّبنانيين أن ينسوا الخطاب الاستثنائي في عمقه الذي ألقاه الرئيس أمين الجميّل. أوَتذكرون تلك الجملة الشعريّة التي شعر بالزهو وهو يلقيها، ونالت إعجاب الحاضرين، حين قارن بين باريس 1 وباريس 2 وباريس 3، وزلزال 1 وزلزال 2 وزلزال 3؟
لنضع جانباً كلّ البثّ العنصري والطائفي والمطالبة بالفدرالية... كلّ ذلك من الكلام المعلوك. ولنفكّر في هذه الجملة العميقة. يا اللّه: باريس 1 مقابل زلزال 1. هل يُعقل كلّ هذا التواضع بعد هذا التجلّي العبقري؟
فعلاً، لا يستطيع المرء إلا أن يبدي إعجابه بالفئة الأكبر من السياسيّين اللبنانيّين. فها هو سياسيّ واحد بخطاب واحد قد غيّر المعادلة. لا عجب إذاً أن نُقصَف كلّ يوم بسيل من الخطابات. فمعادلات كثيرة لا تزال تنتظر التغيير.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: