الجمعة، 29 أغسطس، 2008,4:23 م
مآتم جماعيّة
خالد صاغية
الأخبار عدد الجمعة ٢٩ آب ٢٠٠٨
غالباً ما تُقدَّم كوريا الجنوبيّة على أنّها النموذج «الناجح» لأدبيّات التنمية، وتُستخدم المؤشّرات الاقتصاديّة الكوريّة في وجه المعترضين على تلك الأدبيّات، الذين يرون في طبيعة النظام الرأسمالي العالمي عوائق أمام تنمية بلدان العالم الثالث. ولا يولي المتشدّقون بـ«النجاح» الكوريّ أيّ اعتبار للظروف الجيوسياسيّة التي فرضت على المراكز الصناعيّة تقديم دعمها الخارجي لكوريا، استثنائياً. كما يتناسون الإشارة إلى عدم التلازم بين الديموقراطية السياسية والتنمية الاقتصادية التي طبعت التجربة الكوريّة.
بعد سنوات على تحقيق «المعجزة» الشرق آسيويّة، بدأت تظهر معدّلات مرتفعة للانتحار، الطلاق، والسرطان. وهي ثلاثة عوارض يقول الخبراء إنّها ناجمة عن التصنيع السريع الذي اجتاح البلاد، ما أوجد حالة من المنافسة القاتلة والظروف المادية الصعبة. فمَن لم تقتله الظروف غير الصحية للعمل، فضّل إنهاء حياته غير السعيدة في بلاد تُعَدّ ساعات العمل فيها من الأكثر ارتفاعاً في العالم. وقد تضاعفت حالات الانتحار في السنوات الخمس الأخيرة.
مناسبة التذكير بهذه الوقائع هو ما تناقلته بعض وسائل الإعلام الغربيّة عن الوسائل التي تستخدمها الشركات الكوريّة الكبرى لتواجه معضلة إقدام عمّالها على الانتحار. فظروف المنافسة التي يواجهها البلد لا تفسح مجالاً أمام تحسين أوضاع العمّال، لناحية الأجور، ساعات العمل، أو حتّى البيئة الصحيّة. لذلك، ابتكر الكوريّون وسيلة رائدة في التخفيف من حالات الاكتئاب والانتحار. فأُنشئَت شركة تنظّم مآتم وهميّة كي تشجّع «الزبائن» على حبّ الحياة. وقد استخدمت الشركات الكوريّة الصناعية الكبرى (سامسونغ وهيونداي مثلاً) هذه التقنيّة، فبدأت بإرسال عمّالها إلى صالات خاصّة حيث تقام مراسم وداعيّة لهم، يتلون فيها وصاياهم، قبل أن يدخلوا إلى تابوت يُغلَق عليهم ويمضون في داخله قرابة خمس دقائق، بعد تغطيته بالتراب. ولدى إخراج العامل من التابوت، يفترَض أن يصبح محبّاً للحياة (وعمله) من جديد بعدما اختبر تجربة الموت.
إنّه العلاج الحديث للإنسان الحديث. ادفِنْ نفسك لتحبّ الحياة أكثر.
ربّما كان الوضع الذي نعيشه في لبنان تطبيقاً لهذا الشعار. فأقصر الطرق إلى إعلان انتمائنا لحبّ الحياة، هو أن نباشر بدفن أنفسنا. وثمّة من يجهّز لنا المآتم.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: