الاثنين، 18 أغسطس، 2008,3:55 م
أضحياتنا الجديدة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٨ آب ٢٠٠٨

في الأزمات السياسيّة الكبرى، حين تبلغ صراعات الكبار حدّاً معيّناً من توازن القوى، يصبح التفتيش عن الضحايا السهلة أساسيّاً. يحدث ذلك لاستكمال الصراع نفسه بأدوات أخرى، أو للتعبير عن القوّة في وجه الحلقة الأضعف ما دام استخدامها في وجه الحلقة الأقوى متعذّراً. ولاستسهال مهاجمة الضعفاء عناوين كثيرة في لبنان.

الفلسطينيّون مثلاً: منذ انتهاء الحرب الأهليّة، وفرض السلم الأهلي بالقوّة السوريّة، عوّض اللبنانيّون عن عدم قدرتهم على مقاتلة بعضهم بعضاً، أو على مقاتلة الجيش السوري بعد إخراج العماد ميشال عون من قصر بعبدا، عوّضوا عن ذلك كلّه بلصق كل أنواع التهم بمن سمّوه «الفلسطيني». صحيح أنّ حرب المخيّمات الجديدة تأخّرت إلى ما بعد الخروج السوري من لبنان، إلا أنّ حرب التهميش والعزل والأحقاد العنصريّة كانت كلّها تلقى في وجه الفلسطينيّين. وما إن ضعفت سوريا وأُجبرت على الخروج من لبنان، حتّى اختفى الموضوع الفلسطيني لبعض الوقت، ليعود ويظهر مجدّداً تحت اسم «محاربة التوطين». وهو شعار لا يخفى أنّه يعني، وفقاً لقاموس حامليه، «هجّروهم مرّة أخرى إلى أي مكان من العالم خارج لبنان».

العلويّون مثلاً: درءاً للفتنة السنّية ـــــ الشيعيّة، وبعد استعراض القوّة الذي مارسه حزب اللّه في شوارع بيروت، «تضبضبت» بعض قوى الأكثرية النيابية. إلا أنّ عنفوانها كان لا بدّ له من البحث عن ضحيّة أكثر ضعفاً من حزب اللّه. فاستُفرد جبل محسن، وبدأت النعرات ضدّ الطائفة العلويّة الصغيرة بالبروز في بعض الأوساط السنّية العاجزة عن استكمال تجييشها الطائفي في وجه الشيعة. وقد انساق كثيرون من أهل مدينة طرابلس، مهلّلين للحرب ضدّ «الكفرة الجدد».

السلفيّون مثلاً: في الحقبة الماضية، كانوا يُقدَّمون أضحيات للسيّد الأميركي. وكان «رامبو» الحكومات المتعاقبة يفخر بمحاربة لبنان للإرهاب عبر اضطهاد بعض المجموعات السلفيّة. والآن، ثمّة من يريد أن يلقي كلّ قاذورات البلاد على عاتقهم. ثمّة من يشتمهم تعويضاً عن رغبته في شتم الطائفة السنّية بأكملها، وثمّة من يريدهم في السجون ليبرّئ نفسه، وثمّة من يرغب في تكبير حجمهم ليخيف الآخرين بهم...

يمكن الاسترسال في جمع الأمثلة. فالحروب الأهليّة الباردة غالباً ما تكون أشدّ حقارةً.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: