الخميس، 10 مارس، 2011,8:12 م
خطيئة العالم
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٥٩ الخميس ١٠ آذار ٢٠١١

قبل تنحّيه، خاطب الرئيس المصري المخلوع، حسني مبارك، المصريّين قائلاً إنّه يحزّ في نفسه أن يرى بعض مواطنيه يطالبونه بالرحيل، وإنّه واثق بأنّ أكثريّة الشعب المصري تعرف جيّداً من هو حسني مبارك. زين العابدين بن علي لم يكن بعيداً عن وهم كهذا. فالرئيسان ينتميان إلى ذاك الصنف من الديكتاتوريّين الذين يبلغ بهم الانفصال عن الواقع حدّاً يعتقدون معه أنّ شعوبهم لا يمكن أن تستغني عنهم.
معمّر القذافي يأتي من مدرسة مختلفة. فمنذ اللحظة الأولى، خلط تهريجه بتهديده. بعث ابنه بدايةً، ثمّ ظهر بنفسه ليحذّر من أنّ أيّ تمادٍ في الاعتراض عليه سيقوده إلى حملة «تطهير» تسيل فيها دماء كثيرة. لكنّ القذافي الذي يعرف من أين تؤكَل الكتف، لم يكتفِ بتهديد شعبه، بل ربط ذاك التهديد بتحذيرات رماها في وجه الدول الغربيّة. كأنّ «العقيد» يخاطب القادة الغربيّين على طريقة «دافنينه سوا»: «لندع الحديث عن الشعب والحرية جانباً. بيننا ثلاثة ملفّات رئيسية: منابع النفط، تنظيم «القاعدة»، والمهاجرون، حتّى لا نتحدّث عن إسرائيل. أنا الذي أحمي النفط ومن يعقد معكم الاتفاقات المربحة. أنا الذي أحارب الإرهاب وأمنع تسلّله إليكم. وأنا الذي ألعب معكم لعبة القذارة بالنسبة إلى فقراء المهاجرين إلى أوروبا. وإذا كنتُ أفعل ذلك، فلأنّي ديكتاتور أو مجنون أو ملك ملوك، سمّوني ما شئتم».
معمّر القذافي، إذ يخاطب الغرب على هذا النحو، لا يمارس الابتزاز وحسب. إنّه، في الواقع، يفضح التواطؤ الذي بدأت ترتفع أصوات غربيّة ضدّه. أين النقد الذاتي؟ يسأل روجر كوهين مثلاً في «نيويورك تايمز». «كيف دعمنا، استخدمنا، وشجّعنا عنف الديكتاتوريّين العرب على مدى سنوات؟ إلى أيّ درجة أشعل هذا التشجيع الغضب الجهاديّ الذي تسعى المجتمعات الغربيّة إلى إخماده؟»... ويتابع كوهين قائلاً: «ثمّة أسباب عديدة تجعلني أعارض تدخّلاً عسكرياً غربياً في ليبيا... لكنّ السبب الأعمق هو الإفلاس الأخلاقي للغرب تجاه العالم العربي»...
ليس الغرب وحده من يعاني الإفلاس الأخلاقي في الموضوع الليبي. النقد الذاتي الذي تقاعس عنه الغرب، لم يقم به العرب أيضاً. لم يقم به اليسار العربي خصوصاً، ولا سيّما أنّ مئات من الأحزاب والتنظيمات والمؤسّسات اعتاشت أعواماً من فتات موائد «العقيد». ما يحدث في ليبيا ليس خطيئة القذافي وحده. ليس خطيئة الغرب وحده. إنّها خطيئتنا جميعاً، نحن الذين تفرّجنا أربعين عاماً على أرض تُدعى ليبيا تختفي تحت عباءة أنيقة لنظام قذر.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: