الاثنين، 28 فبراير، 2011,12:28 ص
انكسار العنف
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٥٠ الاثنين ٢٨ شباط ٢٠١١

فيما تسيل الدماء في ليبيا، يستمرّ المديح لثورتَيْ تونس ومصر لأنهما نجحتا في إعادة الاعتبار للثورة من دون عنف ثوري. وقد دفع الانبهار بهذه الوصفة الجديدة صحيفة «نيويورك تايمز» إلى نشر مقالات عن التعاليم الغربيّة التي تشرّبها الثوّار العرب كي يقوموا بثورتهم. فالعقل الاستشراقي لا بدّ له من أن يردّ أيّ صحوة للعرب إلى أساس غربي. إن لم تكن الجيوش الأطلسيّة أو الأميركيّة هي التي نجحت في تحرير الشعوب العربيّة، فلا بدّ من التفتيش عن كتيّبات قامت بالمهمّة.
والواقع أنّ الباهر في ثورتَيْ النيل والكرامة ليس عدم استخدام العنف، بل تعريتهما لعنف السلطة. فقد كشفت الثورتان عن لحظة شديدة الروعة. وهي لحظة تبيّن فيها لاجدوى مئات الآلاف من رجال الشرطة، ومئات الآلاف من البنادق والهراوات. فجأة يتبخّر جهاز أُنفقت ملايين الدولارات من أجل بنائه، وأمضت السلطات أعواماً طوالاً في تعزيز قوّته.
اللحظة نفسها كنّا قد اختبرناها في حرب تمّوز 2006. يومها، لم تكن المفاجأة في صمود المقاومة في لبنان وحسب، بل أيضاً في اكتشاف المواطنين العاديّين الجاهلين في الأمور العسكريّة مثلي، أنّ الجبروت العسكري الإسرائيلي وغير الإسرائيلي له حدود، وأنّ قصف الطائرات للمناطق الآمنة يحتاج إلى ذخيرة سرعان ما تنفد من مخازن الأسلحة للجيوش الكبرى.
حدود العنف نفسها ظهرت في العراق، وهذه المرّة من الأبواب الاقتصاديّة. فرغم لجوء الإمبراطوريّة إلى القوّة العسكريّة تعويضاً عن وهنها الاقتصادي، عاد هذا الوهن نفسه ليُسهم في استحالة تنفيذ المهمّة حتّى النهاية.
لم يكن ما حدث في منطقتنا لحظة تمجيد للنضال السلمي، بقدر ما كان انكساراً لشوكة العنف حتّى حين قابله عنف مضادّ. انكسار لأجهزة القمع، وانكسار لأقبية التعذيب، وانكسار لهيبة النظام البوليسي.
كأنّ هذه اللحظة قد فاتت معمّر القذافي. كأنّ ما يجري في ليبيا ينتمي إلى ما قبل تونس وما قبل مصر. كأنّ العنف ما زال يحتفظ بهيبته.
في عيد القيامة، يهتف المصلّون المسيحيّون: «أين غلبتك يا موت؟ أين شوكتك يا جحيم؟». هي هذه الغلبة التي اندثرت، وهذه الشوكة التي انكسرت.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: