الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2009,11:55 م
الرئيس بعد مئة عام من العزلة

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٨ أيلول ٢٠٠٩


حين يذهب الرئيس لقضاء عطلة صيفيّة في بيت الدين، ويتوجّه النائب وليد جنبلاط لاستقباله، ويرحّب به قائلاً: «أهلاً وسهلاً بك في منطقتك. نتمنّى أن تطيل الفترة عندنا»، لا يمكن اعتبار الزيارة مجرّد ترحيب ودّي يندرج ضمن زيارة فعاليات المنطقة للترحيب بالرئيس. فرغم النيّة الصافية والصادقة، شيء ما في التركيبة اللبنانيّة يوحي أنّ ما شهدناه هو زيارة أمير المنطقة وحاكمها ليعلن أنّه لا يمانع إقامة الرئيس في بيت الدين. ولولا العيب والحياء، لكان على الرئيس أن يزور جنبلاط لاستئذانه في الإقامة في الشوف. كان الأمر نفسه سيحدث لو انتقل الرئيس إلى أيّ منطقة خارج قصر بعبدا وبلدة عمشيت. فالبلاد مقسّمة إلى إقطاعات، ولا يكاد الرئيس يجد ما يترأّس عليه.
يمكن إحصاء مئات التصريحات التي توحي يومياً باحترام الرئيس وموقع الرئاسة، لكنّها حقيقةً تريد كلّها تحويل الرئيس إلى لزوم ما لا يلزم. وكلّما ازدادت آيات المديح لرئيس الجمهورية، استبطنت تهميشاً لدوره. وقد درج الرئيس المكلّف سعد الحريري على صوغ مثل هذه الآيات، تماماً مثلما اعتادت المعارضة إغداق صفات «العاقل» و«الحكيم» على الرئيس، للإيحاء بأنّ مخالفة مطالبها ليست إلا مخالفة للعقل والحكمة، وهو ما لا يجدر بأيّ رئيس أن يفعله.
مَن مِن القوى السياسية بحاجة إلى الرئيس؟ ولأيّة أغراض؟ مَن مِن أبناء هذه الجمهوريّة يلتفت إلى ما يصدر عن الرئاسة، فيما الأرض تهتزّ تحت أقدام زعماء الطوائف؟
يجد الرئيس نفسه في هذا المأزق، من دون أن يتمكّن من الاستناد إلى تأييد أيّ طائفة أو أيّ كتلة شعبيّة كبيرة، وهو الذي انتُخِب أصلاً بعد توافق المتنافسين عليه. وفي لحظة كهذه، يضع الحريري تشكيلة حكوميّة بين يَدَي الرئيس ليصبح مصير الحكومة رهناً بقرار قصر بعبدا.
لكن، عن أيّ رئاسة نتحدّث؟ لقد تحوّلت الرئاسة الثالثة على يد فؤاد السنيورة إلى حصن للطائفة، ثمّ آلت إلى من حسم خياره في تقديم نفسه زعيماً لطائفته. أمّا الرئاسة الثانية، فيشغلها مَن ساهمَتْ حركته مساهمة فاعلة في 7 أيّار «المجيد». تبقى الرئاسة الأولى متروكةً من دون صلاحيّات كبرى، يحتلّها رئيس يُتوقَّع منه ألا يتّخذ موقفاً يغضب أيّاً من الأطراف المتنافسة، وإلا فقدَ صفته التوافقيّة!
تشكيلة الحكومة جاهزة بين يدَي الرئيس. هل يقبلها أم يرفضها أم يجد مخرجاً للتخلّص منها؟ صورة تشبه طيف الدولة الذي يزداد ابتعاداً، بعدما أُريدَ تحويل الرئاسة إلى مصدر لتلاوة الأمثال الشعبيّة، وبعدما اعتُمدت كتب سلام الراسي بديلاً للدستور.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: