الأحد، 30 أغسطس، 2009,10:40 م
الفانتازم اللبناني

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٣١ آب ٢٠٠٩


مغامرة الدولة اللبنانية، ممثّلة بوزير المال محمّد شطح، في بلدة عين عرب البقاعيّة، تستحقّ التوقّف عندها. فالمسألة ليست في خمسة عشر رجلاً يبحثون عن صندوق، أو عن كنوز من الذهب. إنّها مغامرة تخفي وراءها رؤيةً إلى الاقتصاد، وإلى دور وزير المال، وحتّى إلى لبنان نفسه كوطن وكيان.
فمنذ قيام الجمهوريّة الثانية، واللبنانيّون ينتظرون الفَرَج الاقتصادي، من دون أن يربطوا هذا الفرج ولا مرّة بأيّ جهد يقومون به. تعلّقوا أوّلاً بسياسة الاستدانة. كان لسان حالهم يقول آنذاك: نحن بحاجة إلى كلّ شيء. من أين نأتي بالمال؟ بسيطة، نتديّن. وكيف نسدّد الفوائد وأصول الدين؟ لا تهتمّوا. غداً، تأتي الاستثمارات الأجنبيّة، وترشّ فلوسها في البلاد. وحين تأخّرت الاستثمارات، أو ضلّت طريقها، قيل «اتّكلوا على السيّاح. أنسيتم أنّ بلادكم بحرٌ وجبل؟»، من دون أن ننسى طبعاً تحويلات المغتربين.
وإذا لم ينفع كلّ ذلك، فسيتحرّك العالم كلّه لإنقاذنا. سيُعقَد باريس 1 وباريس 2 وباريس 3. وإذا تطلّب الأمر، يجتمع مجلس الأمن ويصدر قرارات. ثمّة دول تملك الثروات، ومستعدّة للمساعدة. هكذا تحوّلت البلاد، منذ سقوطها في فخّ الاستدانة، إلى سياسة التسوّل. العبارات التي نسمعها في الشارع كـ«حبيبنا إنت»، «شو بيطلع من خاطرك»، «إنت كريم ونحنا منستاهل»... باتت كلّها أسانيد نظريّة معتمدة في كتابة البيانات الرسميّة.
بُنيت سياسات اقتصادية كاملة على هذه التصوّرات الوهميّة. وسادت السخرية من كلّ من يطرح وجهة نظر معاكسة. حتّى إنّ وزيراً للاقتصاد لم يتورّع عن إسداء نصيحة للصناعيّين بإغلاق مصانعهم في لبنان ونقلها إلى الخارج.
ما فعله محمّد شطح في عين عرب ليس جديداً. إنّه الفانتازم اللبناني نفسه، وقد أخذته حكومة تصريف الأعمال إلى حدوده القصوى. هذه المرّة، لا سيّاح ولا دين ولا مساعدات ولا تحويلات. سيشمّر وزير المال عن ساعديه، ويبحش في الرمال. ثمّة كنز ينتظر اللبنانيّين في مكان ما. لا يمكن أن تتركنا العناية الإلهية عُزَّلاً مع 50 مليار دولار من الدين العام. فلنحفر جيّداً. ففي نهاية النفق، سيلمع شيء ما، وسيظنّ اليائسون أنّه ذهب.
بالمناسبة، هل سمع أحد منكم صوت مديريّة الآثار؟


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: