الأربعاء، 2 سبتمبر، 2009,7:28 م
سحر الحريريّة الباقي

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢ أيلول ٢٠٠٩


رغم استمرار تداعيات الأزمة الماليّة العالميّة، سرعان ما تراجعت النقاشات بشأن مستقبل النيوليبراليّة والسياسات البديلة منها. حتّى في الولايات المتحدة الأميركية حيث كانت الضربة الأقوى وحيث جاء رئيس جديد على جناح «التغيير»، تأخذ النقاشات بشأن الضمان الصحّي اتّجاهاً كأنّ شيئاً لم يكن. ثمّة من يصرّ على استخراج نتيجة واحدة ممّا حصل: تحويل الأزمة إلى فرصة لمزيد من الحماية لأصحاب الثروات، ومزيد من توزيع الدخل من الفقراء إلى الأغنياء. فالأزمة، في النهاية، ليست إلا حاجة يخترعها رأس المال حين تقفَل أمامه دروب الربح الأخرى.
رغم المآسي التي سبّبتاها، لا يزال للريغانيّة والتاتشريّة سحرهما. ثمّة ما يغري في لعبة رفع يد الدولة، وترك السوق تعمل كما تريد. حتّى حين يكتشف الاقتصاديّون أنّ ما من سوق يعمل، وأنّ الاحتكارات هي التي تقرّر الأسعار في نهاية المطاف، يبقى للسحر مكانه، فيسود الافتراض أنّ هذه الاحتكارات ليست إلا تشوّهات لمثال أصليّ يدعى سوقاً حرّة. وحتّى حين يكتشف الناشطون والمتابعون أنّ عدم تدخّل الدولة ليس إلا كذبة النيوليبرالية، لأنّ هذه الأخيرة تعني بالضبط تدخّل الدولة لمصلحة فئات محدّدة، يصوَّر هذا التدخّل كما لو أنّه التدخّل الأخير، أي تدخّل الدولة كي تنفي نفسها.
للحريريّة في لبنان السحر نفسه. ثمّة معارضة سياسيّة لتيّار المستقبل، ولموقفه من المقاومة ومن المشروع الأميركي في المنطقة. وثمّة معارضة تحاول تعديل المحاصصة الطائفية معه. لكن، رغم مليارات الدولارات من الدَّين، ورغم ارتفاع التفاوت الاجتماعي، ورغم ارتباط المشروع الحريري بمصلحة فئات اقتصادية معروفة ومحدّدة، ورغم تضرّر فئات أخرى هي أيضاً معروفة ومحدّدة، لا تزال الحريريّة تقدّم نفسها باعتبارها حاملة حلم الخلاص الاقتصادي، حلم يتمسّك به المتضرّرون قبل المستفيدين. وغالباً ما يصوَّر تأليف حكومة جديدة اليوم كنقطة لاستئناف المشروع الحريريّ من حيث توقّف.
ليست الطائفيّة وحدها ما يقف خلف الحريريّة كنموذج للحكم. وليس ما يسمّى زوراً الوعي الزائف لدى الفئات الشعبيّة ما يساعدها على الاستمرار. إنّها الجاذبيّة التي يفتقدها اليوم اليسار في لبنان واليسار في العالم. ففي مواجهة النقّ المتواصل، ثمّة من قرّر أن يبني، ولم يسمح للكاميرا بالتقاط صورة لمن قام البنيان على أشلائهم.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: