الأربعاء، 30 يوليو، 2008,2:42 م
حلاق المدينة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٣٠ تموز ٢٠٠٨

في ذاك الحيّ الطرابلسي في منطقة الزاهريّة، صالون حلاقة. لسنوات طويلة خلال الحرب الأهليّة، كان الصالون مقفلاً، وبابه الحديديّ منتفخاً كما لو أنّ انفجاراً قد وقع داخله. لقد وقع الانفجار فعلاً بداية الثمانينيّات. إلا أنّه، حتّى بعد انتهاء المعارك، وعودة الأمور إلى طبيعتها، بقي الباب منتفخاً. تغيّرت أمور كثيرة في الحيّ. توفّي مصلّح الشنط والجزادين الجلديّة، بائع التوابيت بات يشكو قلّة الحركة في السوق، وتحوّلت مكتبة الحيّ إلى سوبر ماركت بعدما نُهبت تعاونيّة المعلّمين أثناء الاشتباكات... إلا أنّ الصالون بقي مقفلاً، كشاهد ربّما على أنّ الحياة لم تعد إلى طبيعتها تماماً، وأنّ المدينة التي لملمت جراحها لم تعد كما كانت بالضبط. كأنّها ارتكبت خطيئة كبرى ستظلّ آثارها بادية على الجبين.

حين أُخبِرنا أنّنا دخلنا مرحلة السلم الأهلي، وأنّ الميليشيات قد سلّمت أسلحتها، عاد الصالون ليفتح أبوابه. لكنّ صاحبه تبدّل. الأرجح أنّ الحلّاق الأصليّ قد قتلته الحسرة، فورث أحد أنسبائه مهنته. اختفى فجأة ذاك الباب الحديديّ الشاهد على حرب مرّت من هنا. وعاد الموسى والمقصّ إلى العمل، جنباً إلى جنب بيع المسابح للكهول القادمين لنزع الشعيرات البيضاء من لحاهم.

الصالون أقفِل من جديد قبل أيّام. لقد أُحرق وسُلبت محتوياته بالتزامن مع الحروب المشتعلة بين منطقتي باب التبانة وبعل محسن. ورغم أنّ حيّ الزاهرية بعيد نسبيّاً عن خطوط النار، إلا أنّ حسابات أخرى غير الجغرافيا جعلت الصالون هدفاً للاعتداء.

الآن فقط توضّحت أسباب ذاك الباب الحديديّ المنتفخ. لقد ارتكب صاحبه، على ما يبدو، خطأً فادحاً وفقاً للمعايير اللبنانية. لقد تجرّأ الحلاق العلويّ على فتح صالون للحلاقة في قلب المدينة السنّيّة!

بعد حرب أهليّة استمرّت قرابة خمسة عشر عاماً، بات من المحرّمات أن يسكن سنّي في الضاحية، أو شيعيّ في الطريق الجديدة، أو علويّ في الزاهريّة، أو فلسطينيّ أو سوريّ بين لبنانيّين... «التطهير» آخذ بالتمدّد في بلاد يقال إنّها مقبلة على انتخابات. لقد بدأ الفقراء يدفعون بدمائهم ثمن ورقة الاقتراع.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: