الجمعة، 25 يوليو، 2008,2:26 م
وطنٌ متخيَّل

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ٢٥ تموز ٢٠٠٨

لقد تعبت بعض قيادات 14 آذار، لكنّ الأمانة العامّة لهذه الحركة المجيدة لم تتعب. فها هي تنظّم ورش العمل، وتعدّ لها وثائق للنقاش من أجل الوصول إلى «خلاصات مشتركة بين جميع مكوّنات 14 آذار». كأنّ مصير هذه الحركة مرتبط بتلك الخلاصات المشتركة، لا بقادة طوائف بدأت الحركة تقيّد مصالحهم. لكن، في جميع الأحوال، لا مانع من التسلية ما دامت الحاجة لم تنتفِ كليّاً بعد لإرث «ثورة الأرز». إلا أنّ ملل بعض قادة الصفّ الثاني يبدو أنّه قد ضرب أطنابه، ما شجّعهم على دفع السياسة إلى حافّة الهذيان، وهو ـــــ على أيّة حال ـــــ هواية مفضّلة لدى الأمناء العامّين في أحزاب كثيرة، على امتداد سنين طويلة.

بدأ أول ملامح هذا الهذيان مع البحث عن «سرّ هذه الحركة» الذي أعاده المجتمعون إلى بروز رأي عام «يناقش ولا يتبع». نعم، يقال هذا الكلام عن الرأي العام الذي «لا يتبع» في لحظة سياسيّة لم يعرف لبنان مثيلاً لها لجهة قوّة الاستقطاب الطائفي والتبعيّة المطلقة لقادة الطوائف. طبعاً ينطبق هذا الأمر على حركتَي الثامن والرابع عشر من آذار. إلا أنّ الأخيرة وحدها تملك وقاحة ادّعاء مخاطبتها لرأي عام مكوّن من مواطنين أفراد، لأنّها تدرك أنّ هذا جزء من دعايتها السياسيّة (الموجّهة للغرب كما لخداع الذات). أليست هي من يملك مفاتيح الحداثة في وجه التخلّف القادم من بلاد فارس؟

ليس المجال هنا لمناقشة الموضوع الأساسي لورشة عمل البريستول، أي «السلم الأهلي» و«المساكنة بين السلاح غير الشرعي (اقرأ سلاح المقاومة) والدولة». إلا أنّه يكفي ملاحظة منطلق التحليل الذي يرى أنّ المقاومة قد انكفأت نحو الداخل بعد اندلاع حرب تموز 2006 لتعطيل قيام الدولة، في مزج فاضح بين الدولة والسلطة المهيمَن عليها من قبل أكثريّة نيابيّة رفضت مشاركة الآخرين فيها، كما رفضت اللجوء إلى انتخابات مبكرة بعد زلزال حرب تمّوز وتبدّل موازين القوى. الآن فقط عرفنا مغزى رفض الانتخابات المبكرة، فالابتكار في ورقة 14 آذار يكمن في إيحائها باستحالة الاحتكام إلى الانتخابات النيابية لبتّ الخلافات في ظلّ سلاح المقاومة. وكأنّ السلاح هو ما عطّل حكم الأكثريّة، وليس إصرار هذه الأكثريّة على تهميش ممثّلي طائفتين كبيرتين في ظلّ النظام الطائفي اللبناني، تارةً بحجّة انقلاب «الرأي العام» المسيحي على التيار الوطني الحر، وطوراً بحجّة استمطار «التنوير الشيعي» الذي لن يترك لحزب الله موطئ قدم بين أبناء الطائفة الشيعيّة.

رغم ذلك، يمكننا أن نزفّ البشرى إلى أهل لبنان، والجنوبيين منهم خصوصاً. فصحيح أنّ ورقة 14 آذار قد رفضت التعايش مع سلاح حزب الله الذي تراه تعايشاً مستحيلاً، فإنّها واعية لضرورة حماية لبنان. أمّا كيف تتأمّن هذه الحماية؟ فـ«من خلال توكيد انتمائه (أي لبنان) إلى نظام إقليمي عربي جديد، حديث ومنفتح على العالم، على غرار التجربة الأوروبية المعاصرة، تعيّنت أهم مبادئه في إعلان الرياض»! لقد باتت حماية الجنوبيّين مؤمّنة إذاً شرط انتمائهم إلى عروبة حديثة أرسيت دعائمها ـــــ ويا لسخرية القدر ـــــ في الرياض، عاصمة الحداثة والتنوير وحرية المرأة وحقوق الإنسان. وسيتولّى المجتمع الدولي إقناع إسرائيل بوقف اعتداءاتها على لبنان لأنّ هذا البلد بات حديثاً، وهي حجّة مقنعة، وخصوصاً أنّ كلّ ما تطلبه وتطمح إليه إسرائيل هو اقتداء العالم العربي بالتجربة الأوروبية الحديثة.

هنا يأخذ الهذيان مداه، لم تعد الحداثة شعاراً تواجَه به أيديولوجيّة حزب الله الدينيّة وحسب، بل أصبحت طلسماً تنجلي معه كلّ الأمور المستعصية.

يستمرّ العرض المشوّق طويلاً، وسط التعامي في تحليل الواقع اللبناني عن المسألة الطائفية التي تغيب تماماً، باستثناء الإشارة ربّما إلى الاحتقان المذهبي الذي يتحمّل مسؤوليته طرف لبناني واحد، على ما يبدو. آه... نسينا. من يحتاج إلى أخذ الطائفية بعين الاعتبار بعدما تحوّل اللبنانيون إلى «رأي عام سياسي يحاسب، يتراجع، ويتقدّم، يناقش ولا يتبع». هكذا لم يتّسع التحليل المعمّق إلا لتكرار شعارات «تحييد لبنان» و«حق الدولة في احتكار السلاح» و«ثقافة الوصل»، وصولاً إلى تمجيد «القيم اللبنانية» التي تعرّضت لـ«انتهاكات بالغة جراء الحرب والوصاية السورية والفساد المتوطن في مؤسسات الدولة»! وكأنّ هذا الفساد وتلك الحرب لا علاقة لهما بقيم لبنانية أصيلة يحملها شعب متخيّل يُدعى شعب 14 آذار.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: