الأربعاء، 23 ديسمبر، 2009,10:06 ص
ليس مسرحاً إغريقيّاً

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٣ كانون الأول ٢٠٠٩


استبق سياسيّون من تيّار المستقبل زيارة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق بالتأكيد أنّ الاتّهام السياسي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري لا يزال هو نفسه، وأن الزيارة لا تعني تراجعاً عن هذا الاتّهام. وقد أراد أولئك السياسيّون أن ينقذوا ماء وجه الحريري أمام مناصريه. فالإصرار على الاتّهام يعني أنّ صراخ الساحات لم يذهب سدى بمجرّد حصول الزيارة، وأنّ الحريري لم يكن مخطئاً في ما فعله خلال السنوات الخمس الفائتة، وأنّه لم يضلّل جمهوره، ويطلب منه تضحيات سرعان ما بدّدها.
لكن ما لم ينتبه إليه أولئك السياسيّون المخلصون هو أنّ إصرارهم على عدم تنازل الحريري عن اتّهام سوريا والرئيس بشار الأسد لا يعدّ خدمة لرئيس الحكومة الشاب، بقدر ما يمثّل إحراجاً إضافياً له. فلو كان الحريري تراجع عن اتهامه بانتظار صدور قرار المحكمة الدولية، بدلاً من التمسّك باتهامه بانتظار ذاك القرار، لكان مفهوماً أن يزور سوريا ويصافح الرئيس بشار الأسد، ويبيت في منزله. أمّا من دون التراجع عن ذاك الاتهام، فقد وضع المدافعون عن الحريري زعيمَهم في قفص اتهام أخلاقيّ. فأيّ أمر في الدنيا يستدعي أن يصافح رجل قاتل أبيه؟ أتراه الحفاظ على إرث «سوليدير» التي تدخّل العالم لحمايتها خلال حرب تمّوز، فيما كان الأطفال يُقتلون بدم بارد؟ أم النزول عند رغبة «خادم الحرمين الشريفين» الذي لا يزال يفضّل أن تتولّى عائلة الحريري تمثيل نفوذ مملكته في لبنان؟
يحاول السياسيون المخلصون أنفسهم إخراج الحريري من هذا المأزق الأخلاقي عبر تصوير زيارته كتضحية يقوم بها الرئيس الشاب من أجل وطنه. فقد عضّ على الجرح، وصافح من يفترضه قاتل أبيه، للمساهمة في إرساء علاقات لبنانية ـــــ سورية طبيعيّة، لا يمكن البلاد أن تسيّر أمورها من دونها. لكن ما يسهو عن بال هؤلاء أنّه ما من قدر يفرض على الحريري الابن أن يكون لاعباً سياسياً. والمقارنة لا تجوز مع وليد جنبلاط الذي زار دمشق بعد اغتيال والده. فلا الزمن زمن حرب أهليّة، ولا الحريري سليل زعامة إقطاعيّة التصق تاريخها بتاريخ طائفة أقلّويّة.
ثمّة من يحاول تصوير سعد الحريري اليوم بطل تراجيديا إغريقيّة. أمّا الواقع، فهو أنّنا في مسرح الدمى.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: