الأحد، 29 نوفمبر، 2009,11:11 م
العلمانيّة آخر مراحل الطائفيّة!

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٠٩


الداخل إلى مدينة طرابلس سيلحظ إعادة التأهيل التي أصابت النصب المتربّع على مدخل المدينة، الذي يجسّد كلمة «اللّه» مكتوباً تحتها عبارة «طرابلس قلعة المسلمين». إعادة التأهيل هذه، وإن كانت روتينيّة، لم تمرّ هذا العام مرور الكرام. فالنصب الذي أنشئ مكان تمثال عبد الحميد كرامي إبان سيطرة حركة التوحيد الإسلامي على المدينة أوائل الثمانينيات، دخل حلبة المنافسة السياسية بين تيار المستقبل وحركة التوحيد في طرابلس. هكذا، اعترض «المستقبل» على إعادة تأهيل النصب، محتجّاً على عبارة «طرابلس قلعة المسلمين»، ذلك أنّ طرابلس، بحسب حجّته، «قلعة اللبنانيّين» جميعاً.
وقد تزامن هذا الموقف الرافض للتمييز بين أبناء طوائف الوطن الواحد والمدينة الواحدة، مع موقف آخر أعلنه هذه المرّة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، إذ طالب بتطبيق اتفاق الطائف، ولا سيّما بند تأليف هيئة للبحث في إلغاء الطائفيّة السياسيّة.
بغضّ النظر عن التباين السياسي بين برّي و«المستقبل»، فإنّ سلوكهما ـــــ على اختلاف وقعه ـــــ ينبع من المنبع نفسه. فالمساحة الطائفيّة التي تمدّدت خلال الأعوام الأربعة الماضية، بات باستطاعتها أن تمدّ يدها حتّى على «الخطاب العلماني» لتطيّفه.
هكذا يمكن بناءَ الدولة والمساواةَ بين المواطنين أن يصبحا شعارَي طائفة، ما دامت هي التي تمسك بمفاصل هذه الدولة الأساسيّة، لأسباب داخليّة وبمباركة وضمانات خارجيّة. ويمكن ألغاءَ الطائفية السياسية أن يصبح مطلب الحارس الأمين لحصّة طائفته من النظام، ما دام مطمئنّاًَ إلى التفوّق العددي لطائفته. ولتصبح صناديق الاقتراع التعبير السياسي عن خصوبة أرحام الأمّهات.
الغريب فعلاً أن يكون ثمّة علمانيّون قد سحرهم تصريح رئيس المجلس النيابي، تماماً كما سحر خطابُ «المستقبل» عن بناء الدولة بعضَ الليبراليّين.
فقد باتت الدولة الحديثة في لبنان ضعيفة إلى درجة أصبحت مقوّماتها مطايا بيد زعماء الطوائف. وإن كان هؤلاء يسهمون في التقديمات الاجتماعيّة، وفي التربية والتعليم، وفي تكوين الهويّة السياسيّة للمواطنين، فلمَ لا يُسهمون أيضاً في مساحات إضافيّة كانت محرّمة عليهم سابقاً؟ مساحات كانت تُعدّ آخر معاقل العمل المدني في لبنان، وإذا بالغول الطائفي يبتلعها أيضاً.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: