الأربعاء، 10 يونيو، 2009,12:17 م
الهروب من المراجعة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٠ حزيران ٢٠٠٩


صناديق لم تُفرَز... خلل في تنظيم اليوم الانتخابي... إنفاق مالي سياسي ضخم... أعداد هائلة من المغتربين... تدخّل الدول الغربيّة تدخلاً سافراً لدعم فريق معيّن... هذه عيّنة من التفسيرات التي أعطتها المعارضة لفشلها في الانتخابات النيابيّة. ثمّة من أضاف أيضاً: دور رجال الدين... تدخّل رئيس الجمهوريّة... ولم يغفل البعض عن إلقاء اللوم على الإقطاع! كأنّ هذه المكوّنات لا يحقّ لها العمل في السياسة، أو أنّ تأثيرها الانتخابي ما كان ينبغي أخذه بعين الاعتبار قبل بدء المعركة.
لعلّ أسوأ ما يمكن أن تقدّمه المعارضة بعد هزيمتها الانتخابيّة هو هذا النوع من التسويغات التي لا تعني إلا هروباً من المراجعة المطلوبة لخطابها السياسي. ورغم أنّ من واجب المعارضة رفع معنويّات جمهورها، فإنّ ذلك لا يمكن أن يجري عبر التمييز بين الأكثريّة الشعبيّة والأكثريّة النيابيّة، لأنّ ذلك من نوافل الديموقراطيّة. فما بالك إن كانت الانتخابات قد جرت وفقاً لقانون حاربت المعارضة من أجله، ووافق عليه الآخرون على مضض؟
ينبغي التوقّف عند مجموعة من الأمور:
أوّلاً، في المذهبيّة: صحيح أنّ الانقسام السنّي الشيعي في البلاد ليس إلا فرعاً من انقسام مذهبي على صعيد المنطقة ككلّ، وصحيح أيضاً أنّ الموالاة كانت تخيّر المعارضة بين الفتنة والانصياع، وصحيح أنّ حزب اللّه كان يعرف أنّ مقاومته هي الخاسر الأكبر من مسألة الفتنة، إلا أنّ الصحيح أيضاً أنّ من السهل تفكيك «كودات» الخطاب السياسي للمعارضة لينفضح طابعه الطائفي. أضف إلى ذلك أنّ حزب اللّه بدا في سلوكه يائساً من استمالة شرائح واسعة من الجمهور السنّي (راقبْ معاملته لرموز المعارضة السنّية)، وفضّل خوض التحدّي عبر الرهان على الحصان المسيحي، مع ما يعنيه ذلك من حصار للطائفة السنّية، بدلاً من البحث عن أرضيّة مشتركة معها.
ثانياً، في اليوم المجيد: صحيح أنّ الموالاة خاضت حملة شنيعة ضدّ جزء من الشعب اللبناني وحاولت عزل واحدة من كبريات طوائفه، إلا أنّ السلوك الأرعن في السابع من أيّار لم يكن ردّاً موفّقاً. فما حدث بقي راسخاً في الذاكرة الجماعيّة لجماهير وجدت في صندوق الاقتراع فرصتها للانتقام. ولعلّ أحد أبرز الوجوه الإيجابيّة لنتائج الانتخابات هو تنفيسها للاحتقان الذي كان سائداً لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، وخصوصاً لا حصراً لدى أبناء الطائفة السنّية.
ثالثاً، في قانون الانتخابات: رغم اعتراض بعض أجنحة المعارضة، قرّرت هذه الأخيرة دعم خيار فصيلها المسيحي في اعتماد قانون انتخابات 1960 الذي يعتمد على النظام الأكثري والدائرة الصغرى (القضاء). وقد تصوّرت أنّ قانوناً كهذا يحمي «الصوت المسيحي»، وأنّ إقراره يزيد من شعبيّة العماد ميشال عون لدى المسيحيّين باعتباره هو من «أعاد الشراكة للوطن». وأهملت المعارضة كلّ التحذيرات من العودة إلى قانون كهذا في ظلّ الانقسام المذهبي الحادّ. لا بل عمد التيار الوطني الحر إلى النفخ في النار الطائفية عبر التشديد خلال حملاته الانتخابية على «تحرير» الأشرفيّة وسائر المناطق ذات الثقل المسيحي. وحرب التحرير هنا موجّهة طبعاً ضدّ أبناء البلد من الطوائف الأخرى.
رابعاً، في وثيقة التفاهم: لم تحسن المعارضة تسويق مضمون وثيقة التفاهم لدى الجمهور المسيحي. ورغم الجهد الهائل الذي بُذِل لكسر الجليد بين الجمهورين المسيحي والشيعي، فإنّ هذا التقارب بقي مبنيّاً على «تحالف» في وجه الآخرين أكثر منه «تفاهماً» على نقاط سياسية ووطنية مشتركة. هكذا اكتشف العونيّون في حملاتهم الانتخابية أنّ جمهورهم لم يستوعب بالضرورة مسألة سلاح المقاومة، وأنّ نقاط التفاهم ليست إلا حبراً على ورق.
خامساً، في الاقتصاد: رغم فداحة السياسات الاقتصادية التي اتّبعها تيار المستقبل منذ انتهاء الحرب الأهليّة، جاء خطاب المعارضة مائعاً في هذا المجال، وكاد يُختصَر بأناشيد مكافحة الفساد التي كان يطلقها العماد عون كلّما سنحت له الفرصة، مهدّداً بفتح الملفّات، كأننّا أمام حرب بوليسيّة. وإن كان ذلك يدغدغ مشاعر بعض أبناء الطبقة الوسطى، فإنّه لا يمثّل مطلباً لدى الفئات الشعبية المستفيدة مباشرة من قنوات الفساد والهدر.
سادساً، في بناء الدولة: رفعت المعارضة شعار «بناء الدولة القوية والقادرة والعادلة». إلا أنّ سلوكها في معظم وزاراتها، وطريقة اختيارها لمرشّحيها، وفقر برامجها، جعلت من هذا الشعار كلاماً في الهواء. أضف إلى ذلك أنّ الدولة لا يمكن أن تبنى مع إحساس طائفة كبرى بالقهر، وقد كرّرت المعارضة في هذا المجال خطيئة الموالاة. وما توزُّع الأصوات السنّية في الانتخابات إلا دليل على أنّ المعارضة، في حال فوزها، لم تكن مؤهّلة لبناء دولة جامعة. أمس، أعلن الأمين العام لحزب اللّه أنّ فرصة بناء الدولة لا تزال موجودة. لندع شعار بناء الدولة الفضفاض جانباً. ما يمكن قوله في هذا السياق هو أنّ العودة إلى الحدّ الأدنى من الاستقرار الذي كان موجوداً قبل أربع سنوات، باتت ممكنة. فالمقاومة خرجت أكثر تواضعاً، والموالاة فازت في ظلّ سياق دوليّ يجعل فوزها غير قابل للصرف في سوق إلغاء الآخرين.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: