الجمعة، 17 أبريل، 2009,12:53 م
طقوس الانتخابات والتحولات

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ١٧ نيسان ٢٠٠٩


في الجمعيات الكشفيّة أو الدينيّة المسيحيّة، يتسابق الأولاد عادةً على حمل «نعش» المسيح في يوم الجمعة العظيمة. يدفع أحدهم الآخر، يمدّ يده بعيداً، ويمارس كل أشكال «البلف» و«الزعبرة» كي يصل إلى النعش أوّلاً، فيطوف به أمام جمهور المصلّين. هذه السنة، كفّ الأولاد عن هذه العادة السيّئة. أخذ مكانهم المرشّحون للانتخابات والمسؤولون السياسيّون. إنّهم يتبارون في الظهور خلال الطقوس الكنسيّة، يحملون النعوش، ويتلون القراءات الدينيّة. فيوم الجمعة الفائت مثلاً، كان ميشال فرعون ونقولا صحناوي، كلّ من جهة، يحملان نعش المسيح في إحدى كنائس الأشرفية. وفي الوقت نفسه، كان وزراء ونوّاب يتبارون على تلاوة قراءات دينيّة في احتفال كنسيّ. قسم يقوم بذلك ليقول إنّ موقفه السياسي متطابق مع موقف الكنيسة وإيمانه، وقسم آخر يقول إنّ اختلافه مع رأس الكنيسة لا يطال إيمانه المسيحي المتشدّد. وفي كلتا الحالتين، المهمّ تأكيد الولاء للوطن والطائفة.
قد يكون مستحبّاً إقبال السياسيين على الصلاة وممارسة الطقوس الدينيّة، لعلّ في ذلك ما يهدّئ من شَرَرهم. لكنّ هذا الوحي المفاجئ، والإصرار على الظهور الاستعراضي والمتلفز أحياناً خلال الاحتفالات الكنسيّة، يشير إلى أنّ الالتصاق بالدين بات أحد الأعمال التي تقرّب من الناس وتستدرّ أصواتهم.
لسنا هنا أمام حالة طائفية كعادة اللبنانيين. نحن أمام تمدّد الدين نفسه، لا الولاء الطائفي وحسب، إلى السياسة. وإذا كان ذلك سائداً لدى الأحزاب الدينية، فإنّه بدأ يتسلّل إلى التنظيمات الأخرى. فالتنافس على الزعامة يتحوّل تنافساً على قيادة الطائفة، والتنافس على قيادة الطائفة يتحوّل تنافساً على الالتزام الديني.
ليست العلاقة مع الدين وحدها ما تغيّر. فقد ترافقت هذه الظاهرة مع تغيّر في العلاقة مع المال. والتباري جارٍ على قدم وساق بين المرشّحين بشأن ما ينفقونه على الحملات الانتخابية، ينفقونه من جيوبهم الخاصّة في كثير من الأحيان، ويتباهون بذلك. لم يعد الثراء حالة تمارَس وراء جدران القصور لعدم استفزاز الفقراء، بل أصبحت «نعمةً» يجري التباهي بها أمام الفقراء، لا بل تستخدم لإغوائهم وشراء ولائهم.
المؤلم حقاً أنّه غالباً ما تكون هذه الأموال هي أموال الفقراء أنفسهم، سُحبت منهم بآليات طبقية معقّدة، لتعاد إليهم فتاتاً في الموسم الانتخابي. وكلّ ذلك بانتظار سبت النور طبعاً.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: