الأربعاء، 8 أبريل، 2009,9:02 ص
لوائح العار

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٨ نيسان ٢٠٠٩


بدأت البرامج الانتخابيّة تتدفّق أفكاراً ورؤىً متّقدة.
النائب سعد الدين الحريري قرّر مخاطبة أنصاره بصراحة تامّة خلال احتفال إطلاق تيّار المستقبل في «البيال» يوم الأحد الماضي. قال لهم: «أخطر ما يعانيه لبنان، بكل صراحة، هو العلّة الطائفيّة»، قبل أن يتساءل تساؤل العارف: «أيُعقل في هذا الزمن (زمن أحمد فتفت؟) أن ينقلب الخلاف السياسي إلى خلاف طائفي، وأن يصبح الموقف وجهة نظر طائفية بدل أن يكون تعبيراً عن رأي سياسي؟».
وقد حذا حذو الحريري ابن عمّته أحمد الذي يبذل جهداً فائقاً ليشبه مظهر ابن خاله، ويبذل جهداً شبيهاً ليتقرّب أيضاً من علمانيّة الشيخ سعد، فأضاف هو الآخر في الاحتفال الحزبي ـــــ العائلي أنّ «المستقبل هو المواطن اللبناني الذي يدرك أنّ الإصلاح الحقيقي لن يكتمل من خلال تسويات طائفية».
في اليوم التالي على احتفال «البيال»، أعلن حزب الله برنامجاً انتخابياً تكبّد عناء طبعه على كتيّب بالألوان. وفي باب الإصلاح السياسي الذي يتبنّاه البرنامج، يمثّل إلغاء الطائفية السياسية البند الأوّل الذي يبدي الحزب حماسة له وللإجراءات العملية التي تنص عليها وثيقة الوفاق الوطني في هذا الشأن.
وكان وليد جنبلاط قد سبق هذين الحزبين بإعلانه أن لا خلاص للبلاد إلا بانتخاب مجلس نيابي لا يراعي التوزيع الطائفي للمقاعد، والاستعجال في إنشاء مجلس للشيوخ. أمّا العماد ميشال عون، فهو يترأس طبعاً تياراً أصيلاً في علمانيّته.
ليس نبذ الطائفيّة وحده القاسم المشترك بين القوى السياسيّة الفاعلة. فالعدالة الاجتماعيّة هي الأخرى، كلسان الضاد، تجمعنا. وقد أبدت وثيقة «المستقبل» الاقتصادية حرصها على العدالة، والإنماء المتوازن، وتشجيع القطاعات الإنتاجيّة! وانبرى لكتابة هذه الوثيقة، كما فهمنا، فريق من الاختصاصيين والأكاديميين الذين حلّوا معضلة عمرها قرون، إذ ابتدعوا برنامجاً ينصر الفقراء، يدافع عن الطبقة الوسطى، ويزيل العوائق من أمام رجال الأعمال!
الإصلاح الاقتصادي يؤرّق أيضاً حزب الله الذي يريد إصلاحاً اقتصادياً ومالياً يحقّق التنمية والعدالة. تلك العدالة التي لا تغيب عن اهتمامات الجنرال عون الذي لا يقبل بأقلّ من محاكمة المسؤولين عن السياسات الاقتصادية في المرحلة السابقة. أمّا وليد زيوغانوف جنبلاط، فلا يرى خلاصاً إلا بالتأميمات والاشتراكية (الإنسانية).
وكلّ هذه التيّارات التي تقود المحادل الانتخابيّة، وتدافع عن الزعامة الواحدة الموحّدة للطوائف، واقعة في غرام «النسبية». تزعجهم هيمنتهم على طوائفهم، يريدون أن تظهر قوى أخرى بديلة. ودلالةً على هذا الأمر، انظروا ماذا يجري للمرشّحين المستقلّين أو اللاطائفيّين أو المنتمين إلى أحزاب صغيرة ومتوسّطة. انظروا إلى عبد اللّه فرحات، وألبير منصور، ومرشّحي الحزب الشيوعي اللبناني...
يُعاقَب هؤلاء لأنّهم لم يظهِروا ما يكفي من «الشنفرة الطائفيّة»... لأنّهم لم يهدّدوا بالفتنة... أو ربّما لأنّهم لم يسلّحوا شباباً ليرسلوهم إلى الشارع في السابع من أيّار يقيمون حاجزاً هنا، ويدهمون شقّة هناك. ربّما كان عيبهم بعض النقص في علمانيّتهم، أو ربّما كان نقصاً في الإسفاف الذي انحدر إليه الخطاب السياسي. أو ربّما لم يتّبعوا المثل القائل: «إن لم تستحِ، فافعل ما تشاء»، كما يفعل ذاك الزعيم المتنيّ الذي يطلب من أنصاره ألا يطرحوا أسئلة عليه لأنّ برنامجه غير قابل للنقاش، وذلك بعدما نفى أن تكون معركته الانتخابية سياسية، فهي مجرّد معركة أحجام كما سمّاها. عفواً، لم يسمِّها، بل عرّفها كذلك. وهو الزعيم نفسه الذي ما زال يفاخر بمقولته الشهيرة بأنّ أهالي المتن لا يشاركون في تظاهرات لأنّهم «حضاريّون».
لا يملك المرء إلا أن يرفع قبّعته احتراماً لأبو الياس. فهو واحد من قلائل لا يخجلون من تسخيف الحياة السياسية وتسطيحها ومصارحة الناس بذلك. هذا أفضل بكثير من نسخ الأدبيّات البليدة للأمم المتّحدة حول حقوق الإنسان وتمكين المرأة وتحفيز النموّ ومشاركة الشباب... بْلا بْلا بْلا. وهو أفضل من شتم الطائفيّة والنفخ في نارها. وهو أفضل من اتّباع أحقر السياسات الاقتصاديّة تحيّزاً، أو السكوت عنها، ثمّ المناداة بالعدالة الاجتماعية.
لمَ التبرّؤ من الآثام؟ ما الحاجة إلى البرامج؟ هل من أحد يحاسب الزعيم، وهل من محاسبة أصلاً في النظام الطائفي؟ ألم تستمعوا إلى ذاك المواطن المتحمّس الذي صرخ مهدّداً خلال المؤتمر الصحافي لأبو الياس، «ما حدا بيحاسبك!». قالها من أعمق أعماقه. نطق بها بكلّ جوارحه. هذا هو المواطن العادي الذي يستحقّ نوّابنا القادمين على لوائح العار.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: