الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2008,4:51 م
الرأسماليّة في أزمة
خالد صاغية
الأخبار عدد الثلاثاء ١٦ أيلول ٢٠٠٨

قد لا تتوالى الانهيارات في الأسواق العالمية. لكنّ ما يجري في عالم اليوم بدأ يدقّ جرس إنذار حقيقياً بأنّ الرأسمالية، كما عرفناها منذ بداية الثمانينيات، لم تعد قادرة على الاستمرار. ليست هذه المرّة الأولى التي تغيّر الرأسماليّة فيها جلدها. فما شهدناه قبل الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929 كان مختلفاً عن الدور الفاعل الذي اضطلعت به الدولة بعد الحرب العالمية الثانية واعتماد سياسة «النيو ديل» الأميركية. يومها فضّل الرأسماليّون إعطاء العمّال حصّة من رغيف الخبز بدلاً من خسارة الرغيف كلّه، وذلك قبل أن يعاود النيوليبراليّون اكتشاف نعمة السوق ويده الخفيّة، بعد الركود الذي شهدته فترة السبعينيّات.
لقد حملت النيوليبراليّة وعوداً ورديّة جمّة. قالت للعالم (الثالث خصوصاً): افتحوا الأسواق أمام البضائع ورؤوس الأموال، ارفعوا الدعم، كفّوا يد الدولة، وخذوا ما يُدهش العالم. خذوا مزيداً من فرص العمل، وارتفاع معدّلات النموّ، وانتقال المعرفة والتكنولوجيا إلى الدول النامية. وفيما كانت أطروحات «نهاية التاريخ» تقفل المشهد السياسي على انتشار الليبرالية والديموقراطية الغربية، كان الليبراليون الجُدد يعِدون بعالم يتضاءل فيه التفاوت الطبقي بين بلدان الكرة الأرضيّة. سيصبح العالم قرية واحدة ذات نظام سياسي واحد، ونظام اقتصادي واحد.
للأسف، لم يتحقّق الحلم كما رسمه الخبراء وصنّاع السياسات. تراجع النموّ عالمياً عمّا كان عليه قبل هذه الانعطافة، وتقلّصت القيمة الحقيقية للأجور، وارتفعت البطالة ومؤشّرات عدم المساواة، فيما اتّسعت الهوّة بين بلدان العالم الثالث والبلدان المسمّاة صناعيّة والتي بدأت تهجر الصناعة لحساب الأسواق المالية.
لا يمكن إعادة خطر الركود الذي يجتاح العالم اليوم إلى مجرّد أزمة عابرة. إنّه نتيجة أساسية من نتائج التناقضات التي تحملها السياسات النيوليبرالية. فمكافحة رفع الأجور مثلاً لا بدّ من أن تنعكس سلباً على الاستهلاك، وكذلك سياسات خفض الضرائب على الأثرياء التي تقلّص حجم الأموال في خزائن الدول، فتؤثّر سلباً على الإنفاق الحكومي والضمانات الاجتماعية، ما يضاعف من أزمة الركود. ليس إنفاق الأفراد والدول وحده ما يتأثر سلباً، بل إنفاق المستثمرين أيضاً الذين لن يجدوا فرصاً مربحة في الاستثمار المنتج (الصناعة مثلاً) ما دام الطلب منخفضاً، فيتّجهون إلى الأسواق المالية بحثاً عن الربح السريع والسهل.
لقد ترافقت النيوليبرالية مع نموّ ظاهرة انتقال رؤوس الأموال من عالم الإنتاج إلى عالم الأسواق المالية. لم نعُد هنا في دائرة الاقتصاد التقليدي حيث يسير الاقتصاد المنتج والاقتصاد المالي جنباً إلى جنب، فيقوم رأس المال المالي بشراء أوراق (أسهم) تدرّ عليه أرباحاً في آخر السنة، فيما يقوم رأس المال الصناعي باستخدام ما جناه من بيع هذه الأوراق في تطوير بنيته الصناعية. لقد ذهب رأس المال المالي بعيداً في لعبته، فباتت حركة البيع والشراء في الأسواق المالية تخدم المضاربات أكثر ممّا تخدم تطوير الإنتاج، فتضاعفت احتمالات انفجار الفقاعة المالية. فهذه الأوراق، في نهاية المطاف، ليست «فِيَش» بوكر، ولا يمكن للّعب بها أن يستمرّ من دون نموّ وبنية اقتصاد حقيقي.
على الرغم من نموّ ظاهرة تحوّل رؤوس الأموال إلى العالم المالي بدلاً من عالم الإنتاج، لا يرى العديد من المحلّلين الاقتصاديين في هذه الظاهرة طوراً جديداً من أطوار الرأسماليّة. فقد رافقت هذه الظاهرةُ الرأسماليةَ على الدوام، وما نشهده اليوم هو مجرّد انتفاخ في حجمها لا أكثر. وذهب محلّلون آخرون إلى اعتبار نموّ هذه الظاهرة دليلاً على قرب نهاية الأمبراطورية الأميركية باعتبارها القوّة المهيمنة على العالم الرأسمالي اليوم. فتاريخ الرأسمالية عبارة عن عصور متتالية تهيمن على كلّ منها قوّة محدّدة، ما إن تأفل حتّى تحلّ محلّها قوّة أخرى تبسط هيمنتها على طور جديد من الرأسمالية. ووفقاً لهذا التحليل، يتميّز كلّ عصر بسيطرة رأس المال المنتج تليه سيطرة رأس المال المالي. وما إن يأخذ الأخير مجده، حتّى يبدأ مجد القوة المهيمنة بالأفول، مفسحة المجال أمام قوّة أخرى يعود معها رأس المال المنتج إلى الواجهة.
قد يكون من المبكر الحديث عن نهاية الهيمنة الأميركية، وعن القوى التي ستعيد الاعتبار إلى الإنتاج. لقد كثُر الحديث في التسعينيات عن اليابان، ثمّ جاء اليوم دور الصين، وربّما الهند. إلا أنّ شمس الأمبراطوريّة قد لا تغيب قريباً. لكن يبقى أنّ أزمة الأسواق المالية تنذر بالانتقال إلى نوع آخر من الرأسمالية، نوع لا تؤدّي الدولة فيه دور الخادم الأمين للسوق واحتكاراته. أمّا صنّاع سياساتنا اللبنانيّون، فما زالوا يردّدون ببغائيّاً آخر إنتاجات الفنّ النيوليبرالي.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: