الاثنين، 19 أكتوبر، 2009,8:52 ص
Kill Bill III

خالد صاغية

الاخبار عدد الاثنين ١٩ تشرين الأول ٢٠٠٩


في فيلم «اقتل بيل» (Kill Bill) لكوانتن تارانتينو، تقف إيما ثورمان بعد نجاحها في القضاء على عصابة «المجانين الـ88» التي تقودها أورين إيشي، وتصرخ وسط بحر من الدماء: «من لم يزل منكم حيّاً، فليفرّ إلى بيته. أمّا أشلاء أعضائكم التي خسرتموها، فاتركوها هنا. لقد باتت ملكاً لي». قد يكون هذا المشهد معبّراً عن دعوات التفاؤل والمحبّة التي بدأت تنهال على اللبنانيين من كل حدب وصوب، داخلياً وخارجياً. لقد أذن لنا السفّاح بالعودة إلى ممارسة حياتنا الطبيعيّة، وربّما إلى تأليف حكومة تدير شؤوننا. حتّى الانقسامات الحادّة بدا أصحابها كأنّهم يعتذرون عنها. فهي لا تليق، كما يقال، بأبناء الشعب الواحد.
الحمد للّه على سلامتنا إذاً. لقد عدنا شعباً واحداً تحت رعاية حكومة وحدة وطنيّة. وعاد الوئام إلى العلاقات السوريّة ـــــ السعوديّة، وأعطت الدولتان الراعيتان لاتفاق الطائف مباركتهما لتأليف حكومة تجمع الموالاة والمعارضة. وعاد التحذير من الخروق الإسرائيلية والخطر الإسرائيلي لازمةً في بيانات الجميع، وكذلك التغنّي بإنجازات «سوليدير» في إعادة إحياء أسواق بيروت القديمة. حفلات سمر بين سعد الحريري وميشال عون في «بيت الوسط»، وحسن نصر اللّه يعطي بركته لتيمور جنبلاط، بحضور أكرم شهيّب لا غير.
لا تنقصنا سوى حبّة الكرز على قالب الحلوى: زيارة سعد الحريري إلى سوريا، لتكرّ من بعدها زيارات الآخرين، فيعود مديح العلاقات الأخويّة والمميّزة بين الشعبين الشقيقين ليملأ أفواه الجميع.
لكنّنا نحن أنفسنا لم نعُد أنفسَنا تماماً. سقطت منّا أشلاء كثيرة لم تعد ملكاً لنا. سيخبّئها السفّاح في مكان ما، ليعود ويقودنا بها، بعد زمن، إلى دورة عنف جديدة. مَن بقي منّا حيّاً، وسليماً ذهنيّاً، ولم يملأ الحقد قلبه وعقله، يستطيع أن يجلس أمام التلفزيون، ويدخّن سيجارة على مهل. لكنّه في لحظة التأمّل تلك، سيكتشف أنّه فقد أجزاءً من نفسه.
ليست إيما ثورمان مجرّد جلاد، بل شخصية يتعاطف معها مشاهدو الفيلم. وليس «المجانين الـ88» مجرّد ضحايا. إنّهم متعالون يرتكبون المعاصي بحق مواطنيهم، وبيادق ينتظرون إشارة من القائد، مجرّد حركة يد، كي ينطلقوا سعداء إلى حفل تقطيع رؤوس لم يسلم منه أحد.
إلى اللقاء في 2014، موعد إطلاق الجزء الثالث من «اقتل بيل». لن يخيّب تارانتينو آمال جمهوره. لن يفعل اللبنانيّون ذلك أيضاً.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: