الأربعاء، 25 فبراير، 2009,10:15 م
رحل الطفل المشاغب

خالد صاغية

الأخبارعدد الاربعاء ٢٥ شباط ٢٠٠٩


هرب جوزف سماحة كعادته. لكنّه، هذه المرّة، كان هروباً نهائيّاً. «نام وما فاق». في أيّامه الأخيرة، كان يمسك رأسه بيديه، ويقول: «وجع راس، وجع راس».
كان الجميع يعرف من أين يأتي وجع الرأس. لكنّ أحداً لم يربط بين آلام الرأس وانسداد شرايين القلب. هل توقّف قلب جوزف أوّلاً، أم رأسه هو الذي انفجر قبل ذلك؟ السؤال ليس طبيّاً. إنّه سؤال يختصر حياة جوزف.
هرب جوزف سماحة كعادته. لكنّه، هذه المرّة، لم يهرب إلى مكان يمكننا اللحاق به إليه. هرب وحيداً، وحَكَم علينا بالبقاء حيث نحن، هنا في مكاتب جريدة «الأخبار» التي وهبها عقله وقلبه. أراد، هو الذي لم يمتلك شيئاً في حياته، أن يورث أحبّاءه وقرّاءه شيئاً ما، فكرةً أو حلماً أو مشروع صحيفة. لكنّ جوزف، أو صبحي الجيز كما تقول الأغنية، ترك إرثاً ثقيلاً، «إشيا كتيره... حجار، وغبره، وصناديق... وملايين المساكين».
هل باتت الصحيفة اليوم تشبه جوزف أكثر، أم هي تبتعد عنه؟ سؤال يوميّ يواكب عجلة الإنتاج في الجريدة. وكلّما ساد شعور عام بقرب الجريدة من جوزف، أحسسنا أنّنا على الطريق الصحيح. فهو الذي كان يستطيع في كتاباته أن يحلّ التناقضات بدلاً من أن يوفّق بينها. وحين صاغ التوجّه الأساسي للجريدة، في الافتتاحيّة الأولى التي كتبها، كان كمن يمشي بثقة لكن على خطّ رفيع لا يحسن حياكته سواه.
هرب جوزف سماحة كعادته. أشياء كثيرة تركها خلفه.
ترك كتابات لا تُسقِط الأيديولوجيا على الواقع، ولا تنظر إلى الواقع مجرّداً من الأيديولوجيا، أو من النظارتين اللتين تتيحان لنا رؤية الأشياء من زاوية مصلحة فئات محدّدة. هكذا كان صاحب الأفكار المشتعلة لا يملّ من متابعة أدقّ تفاصيل السياسة اللبنانيّة، لكنّه لم يغرق يوماً في هذه التفاصيل ليبتعد عن الرؤية العامّة.
ترك كتابات تستمع إلى ما يقوله الخصم السياسي، ولا تحاول تسفيه ما يقوله مهما بدا تافهاً، بل تبذل جهداً في تفكيك خطاب الخصم وفضح تناقضاته.
ترك كتابات لا تخجل من إعلان انحيازها إلى مشروع سياسي، وتجادل في أنّ وظيفة المثقّف ليست في ادّعاء بطولة البقاء على الحياد. لكنّه، في الوقت نفسه، عرف كيف يميّز بين الانحياز إلى مشروع وبين البروباغندا الرخيصة والانقياد الأعمى. هكذا كان الحسّ النقديّ ملازماً لأكثر كتابات سماحة تحزّباً.
ترك كتابات تربط بين فرادة بلادنا واستحالة فهم هذه الفرادة من دون تحليل ما يدور في العالم.
ترك كتابات ضدّ الانغلاق والتقوقع وضدّ الكولونياليّة. كتابات بالغت أحياناً في الإعجاب بالحداثة، لكنّها لم تحمل يوماً نظرة فوقيّة إلى «المتخلّفين».
ترك صلابةً في الدفاع عن مواقفه، حتّى حين كانت غير متوافقة مع المزاج العام. لقد تطلّب الأمر ذكاءً حادّاً وعناداً شديداً ليتمكّن المرء من رؤية تناقضات ثورة الأرز وهشاشتها، واستحالة نجاحها، حين كانت البلاد تشهد للمرّة الأولى تظاهرات ضخمة غير مسبوقة في 14 آذار 2005. كان يشعر سماحة بأنّ البلاد تتغيّر في وجهة لا يتمنّاها لها، لكنّه لم يشأ أن يماشي هذا التغيير، وأثبتت الأيّام صحّة رهاناته ومخاوفه.
ترك سماحة أشياء كثيرة. ترك القلق الأبديّ في الكتابة. وترك مرارةً طبقيّة دفينة لا تتحوّل حقداً، بل رغبةً عارمةً في التغيير، وأملاً كبيراً في إمكان تحقيقه، وقدرةً استثنائيّة على العمل البطيء والمضني.
ترك سماحة أشياء كثيرة. ترك أخيراً جريدة «الأخبار» التي لا يعرف أحد كيف تصنع سحرها، كيف تخبو ثمّ تنهض، كيف يزيد عدد قرّائها على امتداد العالم العربيّ، كيف يقاوم العاملون فيها الظروف الصعبة ويصبرون، كيف تنتج الفوضى داخل مكاتبها نظامَ عمل، كيف تتراكم المشاكل وتقترب من لحظة الانفجار ثمّ تختفي فجأة، كيف تحاول أن تفاجئ قرّاءها كلّ يوم، كيف تخطئ ولا تخجل من الاعتراف بالخطأ، كيف تهزأ بنفسها، كيف تُكرَه ويُحقَد عليها، كيف تتحوّل بين أيدي القرّاء إلى حزب وخبز يوميّ، كيف تنتفض على محاولات تأطيرها، كيف تتصرّف كالتلميذ المشاغب، كيف تطرق أحلاماً مستحيلة، كيف تنتابها رغبات ممنوعة، كيف تخجل، وكيف تحبّ، وكيف تحاسب، كيف لا تصدّق أنّها موجودة فعلاً، كيف تزهو بنفسها، كيف تتطرّف، كيف تقدّم تنازلات، كيف تولد كلّ يوم.
هل هذه «أخبار» جوزف سماحة؟ هل هي جوزف سماحة؟ لا جواب عندي. ما أعرفه هو أنّ ذاك الرجل الذي جسّد في شخصه حزباً، لم يكن في الواقع إلا طفلاً مشاغباً.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: