السبت، 14 فبراير، 2009,10:19 م
دفاعاً عن المال الانتخابي

خالد صاغية

الأخبارعدد السبت ١٤ شباط ٢٠٠٩


تعلو الشتائم من كلّ حدب وصوب ضدّ المال السياسي الذي يوزَّع يمنة ويسرة خلال الموسم الانتخابي. كأنّنا أمام مشهد ديموقراطيّ صافٍ لا يعكّره إلا بعض المتموّلين العاملين في الشأن العام. نحن، للأسف، أمام واقع مختلف. نحن أمام قانون انتخابيّ أكثريّ يشوّه أيّ تمثيل متوازن للمواطنين، وأمام تقسيمات انتخابيّة أُقرّت خارج لبنان بعد حملة عسكريّة شنّها طرف ضدّ آخر، وأمام سياسة محليّة محكومة إلى حدّ بعيد بتوازنات لا علاقة للشعب اللبناني بها، وأمام انقسام حادّ يصعب أن تُحكَم البلاد في ظلّه من جانب فريق دون آخر، ونحن أخيراً أمام ضائقة اقتصاديّة مرشّحة للاتّساع، قد يمثّل الإنفاق الانتخابي أحد عناصر التخفيف من وطأتها، ولو إلى حين.
أمّا المتخوّفون من تأثير المال الانتخابي على حسن سير العمليّة الديموقراطيّة، فيعيشون داخل أوهامهم وأحلامهم أكثر ممّا يعيشون على أرض الواقع، وذلك لأسباب عديدة:
أوّلاً، نحن أمام مال وفير بأيدي الكتلتين المتنازعتين، فلا أحد يستطيع أن يتّهم الآخر بتوزيع الأموال وحده. لقد ولّى اليوم الذي كان يسهل فيه اتّهام تيّار المستقبل دون غيره بإغداق النِّعَم الانتخابية على المواطنين. فالمرشّحون ورؤساء الكتل يضمّون بين صفوفهم عدداً كبيراً من رجال المال والأعمال، وكذلك دخلت دول ثريّة عدّة على خطّ الانتخابات اللبنانيّة، ولن تبخل في دعم المعسكر القريب منها.
ثانياً، صحيح أنّ الإنفاق المالي الكبير بين الكتلتين يحدّ من حظوظ المرشّحين المستقلّين، لكن يجب أن يعلم هؤلاء الأخيرون، إن وُجدوا، أن لا حظّ لهم في الانتخابات أصلاً لأنّهم لا يعبّرون عن حالة شعبيّة. فالمرشّح المستقلّ بحاجة إلى كتلة ناخبة مستقلّة، وهذه غير متوافرة مع الأسف.
ثالثاً، لن يكون المال الذي يوزَّع مباشرةً قبل الانتخابات ذا تأثير كبير على الناخبين، وخصوصاً أنّ غالبيّتهم خاضعة أصلاً لمنّة هذا الزعيم أو ذاك، وهذا التيّار أو ذاك، لأنّ الدولة غير معنيّة بالمستوى المعيشي للمواطنين. ثمّة أحياء تعتاش من سعادة النائب، وبيوت وظّف أبناءها حضرة الزعيم، وأبناء طَبّبهم معالي الوزير... لا يمثّل المال الانتخابي إلّا نزراً يسيراً من العطايا التي يتحنّن بها الزعماء السياسيون وملوك الطوائف على رعاياهم المتروكين من دون رعاية الدولة.
رابعاً، بإمكان المتضرّرين من المال الانتخابي أن يحاربوا تأثيراته دائماً عبر رفع «الدوز» الطائفي، وهذا ما يحسن الجميع القيام به. وقد بات السُّعار الطائفي مرافقاً لأيّ انتخابات عندنا.
خامساً، بما أنّه لا قيود على الخطابات السياسية والحملات الدعائيّة، يبقى دفع الأموال أفضل بما لا يقاس من اعتماد خطاب انتخابات 2005 حين اتُّهم نصف اللبنانيين باغتيال نصفهم الآخر. ثمّة إشارات لاجترار الخطاب نفسه، وإعادة رفع الشعارات الحمقاء نفسها التي سادت قبل أربع سنوات.
سادساً، إنّ التأثير السياسي لهذه الانتخابات هو فوق درجة الصفر بقليل أو تحت هذه الدرجة بقليل. فالجميع يعلم أنّ تبدّلاً ما في العلاقات الأميركية ـــــ السورية أو العلاقات السورية ـــــ السعودية هو ما سيلقي بظلّه علينا أكثر من ترقُّب حسم ترشيح جورج عدوان أو غطّاس خوري، أو وصول النجم الصاعد نديم الجميّل إلى الندوة البرلمانيّة ليتحفنا بآخر ابتكارات العنصريّة، أو نجاح ثكنة مرجعيون في الضنيّة، أو عودة طلال أرسلان إلى الندوة البرلمانية. فما بالك إن كان الفوز أو الخسارة محصوراً بعدد قليل من المقاعد؟
سابعاً،  يقترن الهجوم على المال الانتخابي بثقافة دونيّة تدعو إلى تلميع الصورة، مهما كانت بشعة، حفاظاً على المظهر الخارجي. اللبنانيون يجيدون هذا الأمر، فعقدهم لإثبات تفوّقهم على محيطهم ومحاولاتهم المستمرّة للتماهي السطحي مع الغرب، كلّها تصبّ في هذا الاتّجاه. هكذا يريد اللبنانيون أن يحاربوا الفساد والرشى، لكن أن تستمرّ السياسات الظالمة التي تفقر اللبنانيين وتجعلهم من أنصار الفساد والرشى. يريد اللبنانيون أن يشاركوا في الانتخابات واستطلاعات الرأي كأفراد لهم أصواتهم المستقلّة، ويريدون في الوقت نفسه المضيّ في تأكيد الانتماء إلى تجمّعاتهم القبليّة. يريدون أن يشتموا الطائفيّة، وأن يعانقوها في الآن نفسه. يريدون أن يقبّلوا يد الزعيم، وأن يدعوا عليها بالكسر.
في الأساس، ابتُكرت صناديق الاقتراع للحدّ من الحروب الأهليّة. أمّا نحن، فنصرّ على ممارسة الحرب الأهليّة فوق صناديق الاقتراع. أمام مشهد كهذا، يبدو المال الانتخابي النقطة المضيئة الوحيدة في العمليّة كلّها.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: