الأربعاء، 29 يوليو، 2009,7:29 م
التاريخ حين لا يعيد نفسه

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٩ تموز ٢٠٠٩


أمام تشظّي تجمّع 14 آذار، وعودة مكوّناته كلٌّ إلى مكانه الطبيعي، وتحوُّل أمانته العامّة إلى ما يشبه الأمانات العامّة للأحزاب المفلسة، بدأت تظهر بعض المراجعات في ما يخصّ تكوّن هذه الظاهرة وحضورها السياسي على امتداد الأعوام الأربعة الفائتة.
لكنّ بعض محازبي 14 آذار المستقلين، أي المنظّرين والأفراد الذين لا ينتمون إلى الأحزاب والتيارات السياسية المشاركة في التجمّع، يصرّون في مراجعاتهم على تنزيه حدث 14 آذار، وخطاب 14 آذار، عن أيّ نقد. وكأن ما من شائبة شابت التجمّع نفسه الذي كان عفوياً ووطنياً وغير طائفي، يؤسّس في مطالبته بالحرية والسيادة والاستقلال لحال انصهار وطني. وكأن ما من شائبة شابت خطاب السنوات الأربع الماضية الذي كان هو الآخر وطنياً وغير طائفي، لا بل صائباً سياسياً ويتّصف بالواقعيّة الشديدة.
ما الذي حصل إذاً وفقاً لهذه المراجعات المبتورة؟ إنّه الطاقم السياسي أو الطبقة السياسية، على ما هو رائج في استخدام غير مفهوم وغير موفّق لمصطلح الطبقة. لا بل راجت مناشدات لوليد جنبلاط على قاعدة «لا تتركنا»! وكأنّ تقلّبات البيك الشخصية هي التي تحدّد موقعه. وهذه أدبيّات تذكّر بما جرى مع جورج بوش حين بدأ يتراجع عن مشروعه «الثوري» في الشرق الأوسط، بعدما حصد فشلاً إثر فشل. عندها، قيل أيضاً «أرجوكِ أميركا لا تتركينا» أو «ها هي أميركا تخذلنا مرّة أخرى».
عام 1968، هزّت ثورات طلابية شوارع باريس، ووصل صداها إلى العالم كلّه. في لبنان، تحمّس شباب للفكرة. تجاهلوا التعقيدات الداخليّة، والظروف الإقليميّة، وبدأوا بالهتاف في الشوارع. وكانت الثورة الفلسطينيّة وشعاراتها جاهزة لشدّ عصب المتظاهرين.
عام 2005، هزّت ثورات ملوّنة شوارع أوروبا الشرقيّة، ووصل صداها إلى العالم كلّه. في لبنان، تحمّس شباب للفكرة. تجاهلوا التعقيدات الداخليّة، والظروف الإقليميّة، وبدأوا بالهتاف في الشوارع. وكان اغتيال الرئيس رفيق الحريري والضيق من الوجود السوري جاهزين لشدّ عصب المتظاهرين.
أيتام اليسار الذين لا يزالون يصرّون على صوابيّة مواقفهم السابقة، بات بإمكانهم ملاقاة أيتام «الحرية والسيادة والاستقلال». لكنّ الأغرب من ذلك هو أنّه، في حالات كثيرة، يبدو أيتام المشروعين هم أنفسهم. قطعوا مع «وهم» الصراع الطبقي، ليلتحقوا بـ«وهم» الديموقراطيّة. التاريخ لا يعيد نفسه، لكنّه حين يفعل، يقول كارل ماركس، يعيد نفسه مرّةً كمأساة، ومرّةً كمهزلة.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: