الأحد، 1 أكتوبر، 2006,12:38 ص
وصفة سياسيّة

خالد صاغيّة - ساحة رأي

الأخبار عدد السبت ٣٠ أيلول ٢٠٠٦

منذ اندلاع حرب تمّوز، وخصوصاً منذ انتهائها، بدأ النقاش بين من يركّز على الكلفة الماديّة المرتفعة للحرب، وبين من يرى أنّ هذه الكلفة، على أهميّتها، لا توازي حجم الانتصار المتمثّل بالدفاع عن الأرض وعن الكرامة، وبالوفاء لقيم دينيّة ووطنيّة.وإضافة إلى المعارضين التاريخيّين لأيّ نوع من أنواع المقاومة ضدّ إسرائيل في لبنان، انضمّت إلى الجوقة أصوات بعض خرّيجي مدارس «الماديّة التاريخيّة»، لترفع المادّة إلى مصاف محرّك التاريخ، ولتُتَفِّه القيم الأخرى التي تعدّها منافية للعقلانيّة. والواقع أنّ هذه الردّة إلى العقل برزت منذ الرصاصة الأولى، يوم أطلق «وَرَثة ديكارت» في الربع الخالي صرختهم ضدّ «المغامرات غير المحسوبة». وردّد صدى تلك الصرخة في لبنان أولئك الذين لم يسعفهم «عقلهم» حتّى الآن تعلُّم أساليب النطق.منذ البداية، تصرّف السيّد حسن نصر الله مع تلك «الردّة العقلانيّة» كمن يقدّم له نصراً على طبق من فضّة. فأعلن في رسالته الصوتيّة الأولى خلال الحرب «راهنوا على عقولكم، وسنراهن نحن على مغامرتنا (وقلوبنا)». فالسيّد هو خير من يعلم أنّ ما من عقل يسبح وحيداً في الفضاء، يحلّل ويناقش، بعيداً من العاطفة. وذهب السيّد خطوة أبعد عبر تغيير اسم الضاحية إلى «ضاحية العزّة والكرامة»، وصار يفتتح رسائله لجمهوره بلازمة «يا أكرم الناس وأشرف الناس وأطهر الناس». وبإمكاننا أن نضيف وصفه الدائم لمقاومته بـ«المقاومة العاشقة».وأمام هذه العزّة والكرامة والإباء والشرف والطهارة والكرم والعشق، لن تبقى مكانة رفيعة للبيوت المهدّمة التي يذكّر نصر الله أنّها إنّما هُدمت «من أجل كرامتنا».السيّد نصر الله صادق حتماً في ما يقوله. ومؤمن بالقيم التي ترد في قوله والتي تدفعه إلى قول ما يقوله. وهو يعرف تماماً كيف يقول ما يقوله. وجمهوره يثق به ويثق بما يقوله. لكنّ كلّ ذلك غير كاف لتفسير ظاهرة الالتفاف الشعبيّ حوله. غير كاف بالنسبة للّذين لا يصدِقون في ما يقولون، ولا يؤمنون بالقيم التي يقولون بها، ولا يتمتّعون بثقة جمهورهم، ولا يعرفون تماماً كيف يتواصلون معه. لا بدّ إذاً من إيجاد تفسيرات أخرى.طلع علينا أحدهم بعدما أطال حكّ رأسه في منطقة ما وراء الأذن، بمصطلح «الشموليّة». وأضاف أنّ جمهوره يختلف عن جمهور السيّد لأنّ «الوالد» كان قد أدخل ذاك الجمهور في «الحداثة». لا مجال للدخول هنا في سيرة «الوالد»، ولا في العلاقة بين «الشموليّة» و«الحداثة». يكفي القول، بعكس الاعتقاد السابق، إنّ «الشموليّة» و«الحداثة» ليسا مفهومين متناقضين، لا بل يمكن الادّعاء أنّ الشموليّة ليست إلا بنت الحداثة. لكن، على ما يبدو، بدأت الجلسات مع أركان الإدارة الأميركيّة تتسبّب بعدوى فكريّة. فبالنسبة لتلك الإدارة، يمكننا أن نجمع في سلّة واحدة «الشيوعيّين والأصوليّين والإرهابيّين والمسلمين والعرب والتخلّف والديكتاتوريّة...». فلمَ لا يمكننا أن نجمع هنا في لبنان بين «الشمولية والتخلّف عن ركب الحداثة وحزب الله وأشياء أخرى»؟قام ريتشارد ويرثلن، الذراع اليمنى للرئيس رونالد ريغان، باكتشاف عام 1980 غيّر وجه السياسة الأميركيّة. اكتشف أنّ الناخبين الأميركيّين الذين لا يوافقون ريغان على القضايا التي يطرحها، منحوه، رغم ذلك، أصواتهم. أمّا السبب فهو أنّ ريغان كان يتحدّث عن قيم معيّنة، وعرف كيف يتواصل مع جمهوره حول تلك القيم. بدا صادقاً في ذلك، فشعر الجمهور أنّ بإمكانه أن يمنحه ثقته.يصل جورج لاكوف، أستاذ الألسنيّة في جامعة كاليفورنيا (بيركلي)، إلى الخلاصة الآتية: السياسة تتعلّق بالقيم، بالقدرة على التواصل، بثقة الجمهور بالسياسي، وبالإيمان بالترابط بين أعمال السياسي ورؤيته، حتّى لو لم يوافق الجمهور تماماً على تلك الرؤية.إنّ ذلك لا يسمّى شموليّة. إنّه الوصفة لسياسة ناجحة.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: