الثلاثاء، 15 يونيو، 2010,3:00 م
مارادونا

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٤ حزيران ٢٠١٠


مساء السبت، شهد ملعب إيليس بارك الجنوب أفريقي مباراتين في الوقت نفسه. الأولى جرت داخل المستطيل الأخضر. أمّا الثانية، فدارت أحداثها على أطرافه. في الأولى، تنافس فريقان يتألّف كلّ منهما من أحد عشر لاعباً. أمّا في الثانية، فكان هناك فرد واحد يلعب وحده.
الكاميرا تنقّلت باستمرار بين المباراتين. فلا سحر الكرة عموماً، ولا سحر ليونيل ميسي خصوصاً، استطاعا أن يُنسيا الجمهور أنّ النجومية تقبع في مكان آخر. هناك، حيث يقف رجل مربوع القامة داخل بذلة رمادية لمّاعة يبدو فيها كطفل في ثياب أبيه.
هناك كان الرجل الذي أرخى ذقنه أخيراً، يتابع المباراة واقفاً، يلتقط الكرات التي تخرج من الملعب كمن يريد للّعب ألّا يتوقّف. يصلّي تارةً بسُبحته التي لم تغادر يده، ويشتم تارةً أخرى. اجتاز خط الملعب مرّة، وقفز فوق اللوحات الإعلانية مرةً أخرى. وكلّما استبدَل لاعباً، همّ بتقبيله وتربيت رأسه. فهو لا يرى في لاعبيه إلّا صورة عن نفسه. كأنّه في صراع مستمر مع لعنة العمر التي أخرجته من اللعبة. ألم يفعل مع ميسي تماماً كما فعل معه بيلاردو قبيل مونديال 1986؟ آنذاك، قام بيلاردو برحلة إلى أوروبا كي يسأل مارادونا عن بنية الفريق التي تناسبه. وبعد 14 عاماً، قام مارادونا بالرحلة نفسها ليطرح على ميسي السؤال نفسه.
لكنّ مارادونا ليس وحده من يتعاطى مع لاعبيه بعاطفة كبيرة. يبدو أنّ اللاعبين أيضاً يعاملونه بالطريقة نفسها. كأنّهم لا يريدون الفوز لأنفسهم وحسب، بل من أجل مارادونا أيضاً. بعد المباراة مع نيجيريا، قال فيرون إنّ مارادونا هو العقل المخطّط الذي يقف وراء الهدف الذي سجّلته الأرجنتين. فيرون الذي مرّر الكرة من ضربة ركنية لزميله هاينتزه الذي سجّل الهدف، قال: «دييغو حضّر الحركة، ونحن تمرّنّا عليها بضع ساعات». كأنّ ثمة إصراراً للقول إنّ مارادونا، لا مهاراتنا الفردية، هي التي تقف وراء الهدف.
سحر مارادونا لا يأتي من كونه بطلاً، بل من كونه واحداً من أولئك الأبطال الذين لا يخفون ضعفهم. بكى بسخاء أمام العالم كلّه حين خسر فريقه في نهائي 1990. طُرد من نهائيات 1994 لاتهامه بتعاطي المنشّطات. وكان على وشك الموت بسبب إدمان المخدّرات. وحين أنهى علاجه، أعلن ندمه أمام الملأ. وهو يعلم أنّ الناس سيسامحونه، تماماً كما سامحوه يوم سجّل هدفاً بيده، قبل أن يُتبِعه في المباراة نفسها بأجمل هدف في تاريخ كأس العالم. يومها، عنونت الصحف الأرجنتينيّة: «إنّها يد اللّه».
كثيرون شكّكوا وما زالوا يشكّكون في قدرات مارادونا كمدرّب. أمّا هو، فاكتفى بجملة واحدة: «أنا أعلم كيف أفوز بكأس العالم».


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: