الثلاثاء، 8 يونيو، 2010,2:57 م
تقييد وتحرير

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٨ حزيران ٢٠١٠


يبدو للوهلة الأولى أنّ ما تقوم به وزيرة المال ومَن وراءها، خارجٌ عن إطار المعقول. فالدين العام وصل إلى قرابة 60 مليار دولار، ووزيرة المال تفتعل المشاكل كي تحصل على حق مطلق بمزيد من الاستدانة بلا سقف ولا حدود! وتوصف المحاولات للحدّ من هذا الإفراط بالاستدانة بأنها «تقييد» لمعالي الوزيرة.
لكنّ التعمّق قليلاً في المسألة يكشف منطق وزارة المال. فالذي يعاني التقييد ليس الوزيرة أساساً، بل حلقة من المستفيدين الذين يدور معظمهم في فلك التيّار الذي انتدب السيّدة ريّا الحسن على رأس الوزارة. فالمئة ليرة التي تستدينها الدولة اليوم، تحصل عليها من المصارف وكبار المودعين الذين يشترون سندات الخزينة. وفي المقابل، يحصل هؤلاء على فائدة دوريّة لا تلبث أن تتجدّد. وبعد فترة قصيرة، تصبح المئة ليرة في يد أصحاب رؤوس الأموال مئتين أو أكثر. بكلام آخر، إنّ من يطالب بالحدّ من الاستدانة، يقفل باباً للرزق. وكما يقول المثل الشعبي، قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.
وفي الواقع، ليس قطع الأرزاق هواية لأحد. لكنّ للدين العام وجهاً آخر. فلا بدّ أن يسأل المرء من أين تأتي هذه الفوائد التي تتكدّس كي تصبح المئة ليرة، بسحر ساحر، مئتين أو أكثر؟ هنا، لا بدّ للعودة إلى ما يسمّى «المواطن العادي». هذا الفرد الذي ينهض باكراً ويملأ خزّان سيّارته بالبنزين ذات الثمن المرتفع اصطناعياً، ويسدّد فاتورة الخلوي التي يتكوّن ثلثاها من الضرائب والرسوم، قبل أن يلمح في أسفل كلّ فاتورة يدفعها في المقهى أو في السوبرماركت رقم «10%» ضريبةً على القيمة المضافة.
بالطبع، ليس صدفة أن يكون المتحمّسون لمزيد من الديون هم أنفسهم المتحمّسين لرفع ضريبة الـTVA. فهؤلاء يعرفون أكثر من غيرهم أنّ ما سيضعونه في جيوب الأغنياء يجب أن ينهبوه من جيوب عامّة المواطنين. وإذا لم يُتَح لهم المجال لفعل ذلك، يسمّى ذلك «تقييداً».
ليس صدفة أيضاً أنّ المعترضين على «التقييد» هم أنفسهم الذين يرفعون شعار «التحرير». والمقصود بالتحرير هنا، بيع ممتلكات الدولة المدرّة للأرباح، كقطاع الاتصالات مثلاً، بالمزاد العلني. واحزروا من هو المشتري! إنّه صاحب المئة ليرة أعلاه نفسه. لقد وفّقه اللّه مرّتين، مرّة حين «دَوْبلت» ثروته، ومرّة حين استولى على قطاعات تحقّق له أرباحاً طائلة. وكما يقول مثل شعبي آخر، «المال بيجرّ المال».


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: