الاثنين، 17 مايو، 2010,5:40 م
تعطيل الموازنة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٧ أيار ٢٠١٠


ينتشر هذه الأيام على ألسنة جوقة من السياسيين عنوان «تعطيل الموازنة». والمقصود أنّ بعض الوزراء سيصرّون على مناقشة بنود الموازنة نقاشاً حقيقيّاً، ما يسهم في تأخير إقرارها، وهذا يسمّى، على ما يبدو، تعطيلاً. إذاً، المطلوب، وفقاً لجوقة السياسيّين نفسها، تعطيل النقاش في الموازنة من أجل عدم تعطيلها. بكلام آخر، إنقاذ الموازنة يتطلّب عدم مناقشتها. إنّ هذا، بحدّ ذاته، يعطينا فكرة وافية عمّا تتضمّنه.
لكنّ كلمة تعطيل تبدو ملطّفة. ففي لقاء وزيرة المال ريّا الحسن، الجمعة الفائت، مع رجال أعمال وفاعليات اقتصادية، اقترح أحدهم كلمة «ابتزاز سياسي». ولتكتمل الصورة، أعلنت الحسن أنّه «لا مشاكل بنيويّة في المشروع من الناحية التقنية، وإذا لم تكن ثمّة أسباب سياسيّة معطّلة، فلا أعتقد أنّ في الظاهر ما يعرقل هذه الموازنة». الموازنة، إذاً، وفقاً لوزيرة المال، مجرّد أرقام تقنيّة ما إن تكون حساباتها صحيحة حتّى يمرّ المشروع. وكلّ ما يعرقل هذا المرور هو نوع من الابتزاز أو التعطيل السياسي.
هكذا يصبح الاعتراض على حجم ضريبة البنزين والاتصالات والضريبة على القيمة المضافة (التي تباكت الحسن على عدم زيادتها هذا العام)، نوعاً من «المزايدات». لكن، فجأةً، حين تُسأَل الوزيرة عن «ضريبة الربح الرأسمالي»، تكفّ الموازنة عن كونها مشروعاً تقنياً، ويتسلّل البُعد الاجتماعي إليها، فتقول الوزيرة: «لا يمكننا فرض أي ضريبة من دون توقّع تأثيراتها، وخصوصاً أنّ الضريبة تمسّ كلّ الناس (يا للقلب الرقيق!)، وهذا ما جعلني أنتظر ولا أتسرّع في اعتماد هذه الضريبة».
إذاً، حين تطال الضريبة الجوانب الاستهلاكيّة التي تمسّ كلّ الناس فعلاً، لا مشكلة. أمّا حين تطال الضريبة الربح الرأسمالي، فيجب التمهّل ودرس وقع الضريبة الاجتماعي والاقتصادي. إنّه لَدَرْسٌ في المسؤوليّة!
لكنّ سَلَطَة الأفكار التي قدّمتها الوزيرة في ذاك اللقاء تصل إلى ذروتها لدى تناول النموّ الذي لم يترجم نفسه في توفير فرص عمل. الحلّ إذاً في الخصخصة أو الشراكة مع القطاع الخاص في الكهرباء والمياه والمواصلات والاتصالات، أي في القطاعات المحتكرة من الدولة. لكنّ هذه هي بالضبط وصفة لذبح النموّ وكبح فرص العمل. فحين يوظّف القطاع الخاص أمواله في مشاريع منتجة، يرتفع النموّ (بسبب قيمة المشاريع)، وتزداد فرص العمل (المشاريع بحاجة إلى من يشغّلها). لكنّ القطاع الخاص عندنا لا يريد الدخول في أيّ مغامرات قد لا تدرّ أرباحاً خياليّة. لذلك، تتدخّل الدولة اليوم لتخليصه من فائض السيولة الذي لديه، فتدعوه إلى الاستثمار في قطاعاتها. وهذا يعني أنّ أموال القطاع الخاص ستُستخدَم لشراء ممتلكات من الدولة (الخصخصة)، أو للقيام باستثمارات كانت الدولة تنوي القيام بها (الخصخصة المقنّعة). في الحالة الأولى، لن يرتفع النموّ (فالممتلكات موجودة أصلاً، وكلّ ما جرى هو نقل لملكيّتها). وفي الحالة الثانية، يحلّ القطاع الخاص مكان الدولة في الاستثمار (لا فرص عمل أكثر ممّا كانت الدولة ستوفّره). والجدير بالذكر أنّ الأموال التي تحصل عليها الدولة أو توفّرها لن تذهب هي الأخرى إلى الاستثمار، بل إلى المصارف كفوائد على الدين العام.
إذا كان الحدّ من البطالة والهجرة هدفاً من أهداف هذه الحكومة، فعلى القطاع العام أن يستثمر في القطاعات التي يملكها (وخصوصاً أنّ الدولة تملك الآن فائضاً في حسابات الخزينة، وتستطيع بالتالي القيام بذلك من دون استدانة)، وعلى الدولة إعطاء الحوافز للقطاع الخاص للاستثمار في مشاريع إنتاجيّة مختلفة. هكذا يتحقّق نموّ مرتفع مصحوب بفرص عمل.
لكنّ الواضح أنّ هذا آخر اهتمامات النهج الاقتصادي الذي انتُدبت وزيرة المال لمتابعته. فالأولويّة اليوم هي لتخليص المصارف من فائض أموالها بأسرع وقت ممكن، ولتنفيذ مشاريع احتكاريّة، ربحها مضمون لا تشوبه أيّّ مخاطر. إقرار الموازنة السريع ليس إلا تشجيعاً لذهنيّة الربح السريع.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: