الخميس، 19 يونيو، 2008,7:26 ص
اتّفاق لم «يُبلَع»
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الاربعاء ١٨ حزيران ٢٠٠٨
من البقاع إلى الشمال، تدور حوادث واشتباكات تثبت أنّ اتفاق الدوحة، حتّى لو «بلعته» القوى السياسية، فإنّ الأنصار على المستوى الشعبي ما زالوا رافضين له، فما بالك إن كان شدّ الحبال لا يزال قائماً بين أهل السياسة؟
فلنتخيّل مناصراً لتيار المستقبل. قيل له طيلة ثلاث سنوات إنّ حزب اللّه هو حزب فارسي ينفّذ طموحات النظامين السوري والإيراني على حساب لبنان. إنّه يدافع عن القتلة ومرتكبي الاغتيالات. أدخل البلاد في حرب ضروس مع إسرائيل خدمة للمشروع النووي الإيراني، ولإسقاط المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. أمّا التيار الوطني الحرّ، فمجموعة من الصبية المتحلّقين حول طامح لرئاسة الجمهورية مستعدّ لإحراق البلاد من أجل تحقيق طموحه. صدّق هذا المناصر أنّه يخوض معركة الاستقلال في وجه التابعين، ولم يمانع في سبيل النصر الانتساب إلى شركات أمنية، وحمل السلاح. وحين دقّت الساعة الصفر، تُرك وحيداً في الميدان، وما كاد يستعدّ للثأر، حتّى كان الاتفاق يوقَّع في الدوحة بين أبناء الوطن الواحد.
لنتخيّل، في المقابل، مناصراً لحزب اللّه. قيل له طيلة الفترة الأخيرة إنّ قوى 14 آذار غارقة حتى أذنيها بالعمالة لمشروع أميركي ـــــ سعودي ـــــ إسرائيلي، وإنّ السنيورة وفريق حكومته عمل جهده خلال حرب تمّوز من أجل فرض نزع سلاح حزب الله بالقوّة، بدلاً من السعي لوقف إطلاق النار. وأطلِقت أمامه أبشع النعوت بحق وليد جنبلاط. العالم كلّه يتآمر على المقاومة، وما فريق 14 آذار إلا الأداة المحلية لهذه المؤامرة. وحين دقّت الساعة الصفر، نزل هذا المناصر مع شبّان آخرين كثيرين وشنّوا حملة عسكريّة فرضت سيطرتها على بيروت، ودبّت الذعر في الجبل، وأجبرت الحكومة على التراجع. وما كاد هذا المناصر يعلن نصره على «الخونة»، حتّى كان الاتفاق يوقَّع في الدوحة بين أبناء الوطن الواحد.
وعلى الرغم من نص الاتفاق الذي يفرض هدنة إعلامية، لم تكفّ وسائل الإعلام التابعة للطرفين عن التحريض، مؤجّجة حالة الغضب الشعبي، ومحتفلة بزيادة عدد المشاهدين.
لندع الإشكالات الأمنية جانباً. ولنتمعّن في رسالتين وزّعهما «المجتمع الأهلي» عبر البريد الإلكتروني ومواقع الإنترنت.
الرسالة الأولى تكبّد أصحابها عناء القيام بإحصاء عدد الشركات والمحال التجارية المملوكة من أبناء الطائفة الشيعيّة، داعين إلى مقاطعة هذه المحال. وأرفقت الدعوة طبعاً بعبارات نابية بحق الشيعة، في صورة صافية لخلاصة الصراع بين الطوائف المقفلة على جمهورها. وقد جرى تبادل هذه الرسالة بغبطة فائقة على منتديات شبابيّة تابعة للقوى «السياديّة».
الرسالة الثانية اتّجه أصحابها نحو ما يعتبرونه، على ما يبدو، فكاهة. فألّفوا نصاً يُفترض أنّه مرسل من «فهود طريق الجديدة» إلى قائدهم النائب سعد الدين الحريري. تتحدّث الرسالة، بلسان «الفهود»، عن تمضية الوقت بالأركلة، والاختباء في «الكوريدورات» أثناء حوادث بيروت الأخيرة، فيما الأسلحة متروكة لتحرس وحدها المكاتب الحزبية. رسالة مليئة بتمجيد قيم الذكورة والقوّة الجسديّة. ولم ينسَ أصحاب الرسالة المقارنة بينها وبين الرسالة التي بعث بها المقاومون إلى الأمين العام لحزب الله خلال حرب تمّوز، مفترضين أنّ مقارنة كهذه تعلي من شأن المقاومين...
يدأب بعض اللبنانيّين في أوقات فراغهم على السخرية من الزعماء، واتّهامهم بإنزال المصائب على رؤوس المواطنين. وقد استمتع البعض بالاستماع إلى أغنية «فلّوا الزعما من لبنان» خلال مؤتمر الدوحة. أمّا الواقع فهو أنّ نزق الزعماء يتحوّل حكمةً حين يقارَن بالحماسة التي يبديها المناصرون لخوض حروب الطوائف التي لا تنتهي.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: