الثلاثاء، 10 يونيو، 2008,9:38 م
درس بودولسكي

خالد صاغيّة

الأخبار عدد الثلاثاء ١٠ حزيران ٢٠٠٨

لم تكن المباراة الأخيرة بين المنتخبين الألماني والبولوني اعتياديّة. ففي كرة القدم، حين لا يُحتفل بتسجيل الأهداف، تفقد اللعبة بعض بريقها. اللاعب الألماني لوكاس بودولسكي الذي سجّل هدفين في المرمى البولوني في أولى مباريات فريقه في كأس أوروبا، رفض أن يحتفل وفقاً للطريقة المعتادة. اكتفى بفرح خجول، قبل أن يستدير نحو الجمهور البولوني كمن يطلب التفهّم. فبودولسكي، اللاعب ذو الثلاثة والعشرين عاماً، الذي كبر وترعرع في ألمانيا، هو بولوني الأصل. ولا يزال جزء من عائلة مقيماً هناك، وجمهور بلده الأمّ الجالس على المدرّجات يعرف هذه الحقيقة.

لم يكن بوسع بودولسكي أن يخون منتخبه، وألّا يسجّل الأهداف. ولم يكن بوسعه أن يؤجّل إنجازاته الفرديّة: «لديّ دم بولوني، لكنّي كبرت كلاعب في ألمانيا. لذلك، لديّ هدف واحد: أن يربح فريقي». إلا أنّ مضيّه في تحقيق هدفه لم يترافق مع استخفاف بمشاعر الجماهير، ولا مع تجاهل للقواعد والتقاليد.

تختصر قصّة بودولسكي الكثير من مسائل الهجرة والعمل والهويّة في زمن العولمة. لكنّها تحكي أيضاً عن الطموحات الخاصّة في مواجهة المجتمع. لقد احترم بودولسكي مشاعر البولونيّين، وطلب منهم، في المقابل، أن يتفهّموه. لم يتنازل عن طموحه. ولم يزدرِ مشاعرهم.

الجميع في لبنان يملك طموحات خاصّة. لكنّه لا يطلب تفهّماً من أحد، ولا يحترم مشاعر أحد. هل من يخبر الباحثين عن أمجادهم وسط الحقائب الوزاريّة أنّ ثمّة شعباً بأكمله يعيش منذ ثلاث سنوات في ظروف غير طبيعيّة، وأنّه آن لهذا الفصل المسرحي أن ينتهي؟

بات كلاماً ممجوجاً أن يُطلب من القوى السياسية التخلّي عن مشاريع خاصّة لا تتلاءم ومصلحة المجتمع. لكن، هل من بودولسكي واحد على امتداد مساحة هذا الوطن، يحترم ــــ على الأقلّ ــــ مشاعر الناس الذين وُلد وإيّاهم على الأرض نفسها؟

هل من بودولسكي واحد يضحّي، ولو بالاحتفال بفوزٍ أو بتسجيل هدف، احتراماً لمشاعر الخاسرين؟

هل من بودولسكي واحد يعترف بأنّ أهدافه النبيلة والشريفة قد سبّبت الأسى لشعب بات يمضي حياته متفرّجاً على المدرّجات؟ه

ل من بودولسكي واحد يعتذر من أهالي الضحايا الذين سقطوا في اشتباكات متفرّقة، بعضها عبثيّ وبعضها الآخر ممعن في العبثيّة؟

هل من بودولسكي واحد يعتذر من أولئك المواطنين الذين يبحثون في القمامة عن لقمة عيش، أم أنّ الفقر قدر لا علاقة له بما يفعله صنّاع السياسات وراء مكاتبهم؟

هل من بودولسكي واحد يعتذر من الذين نزلوا إلى الساحات، رافعين أحلام التغيير، فلم يحصدوا إلا الخيبة؟

لا تطرح قضيّة لوكاس بودولسكي سؤالاً على القوى السياسيّة اللبنانية وحسب. إنّها قضية تطال المجتمع برمّته. مجتمع يُطلَق فيه الرصاص ابتهاجاً، فيما الحزن يلفّ الطرقات...

لم تكن المباراة الأخيرة بين المنتخبين الألماني والبولوني اعتياديّة. كانت أكثر من لعبة، وكان بودولسكي أكثر من لاعب. لقد سجّل هدفين في مرمى الخصم، وأكثر من هدف في مرمى العالم.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: