الخميس، 21 يناير، 2010,9:52 ص
وطن أبو موسى

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٢١ كانون الثاني ٢٠١٠


لو لم يأتِ أبو موسى إلى لبنان، كان يجب إحضاره.
فمنذ فترة غير قصيرة، والنوّاب والوزراء والقادة يتحدّثون كأنّ في فمهم ماءً. يبدأون جملة ولا يكملونها. يُسألون عن موضوع، فيجيبون عن آخر. ومنهم من أصيب بازدواج الشخصية، فوضع واحدة على جنب، وأطلق العنان لشخصيّته الأخرى. فمع تأليف حكومة الوحدة الوطنيّة، ثمّ زيارة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق، طويت المواضيع الخلافيّة. من كان يتحدّث عن خطر سلاح حزب الله، بات يحذّر من الحرب الإسرائيلية. من كان يريد رأس النظام السوري، بات ينظّر للعلاقات المميّزة بين لبنان وسوريا. من كان يحفر الخنادق بين اللبنانيّين، بات يتغزّل بالوحدة الوطنيّة.
كان لا بدّ من ملء الفراغ. وكالعادة، وجد الرئيس نبيه برّي ما يسلّي به القوم. فاستفاق على تطبيق الدستور، وإنشاء هيئة وطنية للبحث في إلغاء الطائفية السياسية. أصاب أكثر من عصفور بحجر واحد. أقفل أسطوانة تطبيق اتفاق الطائف. دغدغ مشاعر العلمانيين واليساريين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في الخندق نفسه مع «الأستاذ» الذي بدا كمن باعهم ورقة لوتو. وفيما هم يترقّبون يوم السحب، عادت الحيويّة إلى السجالات. حماسة من هنا، خوف من هناك. استعادة لمحاسن الطائفية، فدعوة إلى تعديل الدستور، فاستنفار جديد للتراصّ الطائفي، فتحذير من اللعب بتوازنات البلاد... وكي تزيد القاعة التهاباً، أضيف إلى السجال خفض سنّ الاقتراع. مطلب تقدّمي آخر وضعه برّي على الطاولة. مزيد من الحماسة. عاد كلّ زعيم إلى آلته الحاسبة، وبدأ جمع الأرقام.
الحياة السياسية تنتعش من جديد، من دون سوريا ومن دون حزب اللّه ومن دون 14 آذار... لكن بقي أمر ناقص. فهذه الحيويّة الجديدة سقطت هي الأخرى في فخ السجالات. لا بدّ من رافعة وطنية تعيد اللحمة إلى المشهد السياسي. أهلاً وسهلاً بأبي موسى. أهلاً وسهلاً بفلسطين والفلسطينيين. أهلاً وسهلاً بالمخيّمات وسلاح المخيّمات... فكالعادة، لا تستنفر الوحدة الوطنيّة اللبنانية إلا بوجه «الفلسطيني». فما بالك إن كان هذا الفلسطيني آتياً من زمن الحرب الأهليّة، وقد بلغ من العمر ما يسمح له بإطلاق الكلام على عواهنه؟
جاء أبو موسى، و«اللّه جابو». ها هم اللبنانيون يتكلّمون لغةً واحدة، ويتسلّحون بموقف واحد. موقف كانوا قد اتّخذوه بالإجماع على طاولة حوار.




 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: