الثلاثاء، 20 مايو، 2008,1:08 ص
الوجه الآخر
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الاثنين ١٩ أيار ٢٠٠٨
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن السلفيّة والسلفيّين في لبنان، وكأنّ ثمّة مارداً نائماً أيقظته فجأةً الأعمال العسكريّة التي قام بها حزب اللّه وحلفاؤه في بيروت والجبل. وبدأ ارتفاع منسوب التحذير من أنّ انهيار الحريريّة لن يخلّف وراءه إلا نموّ التيّار السلفي. هذا الكلام الذي يقال في بيروت، يرتفع مثيل له في أماكن أخرى من العالم العربي، حيث ينبري مثقّفون تنويريّون في الدفاع عن نظام وهّابي أو العمل في خدمته، بحجّة أنّ بديله لن يكون إلا تنظيم «القاعدة».يفترض مثل هذا المنطق أنّ ازدهار النظام الوهابي كان منفصلاً تماماً عن نشوء القاعدة، وأنّ صعود الحريريّة في لبنان تزامن مع ضمور التيّار السلفي. أمّا خلفية هذا المنطق، فتستند إلى ازدراء كامل لأبناء المناطق والحارات المحرومة (في البقاع والشمال أساساً) التي نمت السلفيّة في ربوعها. فليذهبوا إلى الجحيم، ما دامت السلطة في بيروت والزعامة السنّية معقوداً لواؤها لسلالة الحريري «المودِرْن».
والواقع أنّ صعود الحريريّة في لبنان قد ترافق مع نموّ التيّار السلفي. وبقدر ما كانت السياسات الإنمائية والإعمارية تهمل المناطق المحرومة، كانت السلفية تنمو في هذه المناطق تحديداً. وليست الصدفة وحدها ما جعل السلفيّة تزدهر في أكثر مناطق لبنان فقراً، وليست الصدفة وحدها أن يصبح مفتي عكار من دون سائر المناطق هو نجم المرحلة الصاعد.
لقد تعامل الحريري الأب مع أبناء هذه المناطق كفائض سكاني لا مكان له في النظام الاقتصادي الناشئ، ليس بإمكانه إلا متابعة نشاط ريفي لا يدخل حتّى في حسابات الدخل القومي. إنّه فائض قد يجري ضمّه في أي لحظة إلى صفوف الجيش الاحتياطي للعاطلين عن العمل. لكن، حتّى الدخول إلى جيش الاحتياط هذا، تأخّر بفعل العمالة الوافدة من الخارج، وبفعل استهداف القطاعات المنتجة.
كان الحريري الابن أكثر تسامحاً مع هؤلاء المنسيّين. فأذِن لهم بالدخول إلى جيش الاحتياط، لكن ليس احتياط العاطلين عن العمل، بل احتياط الطائفة. فتعامل معهم على أنّهم الوجه الآخر لتيار المستقبل، الوجه الذي لم تصل إليه منح مؤسسة الحريري التعليميّة، ولم تطأ قراه بعثات الإنماء والإعمار. الوجه الذي تتفاداه كاميرات ثورة الأرز المنهمكة في البحث عن فتاة جميلة تصدح بصيحات الحرية والسيادة والاستقلال في وجه ديكتاتوريّات الشرق الأوسط وأنظمته الأمنيّة.
وإذا كان رفيق الحريري قد اختار نوعاً من الرأسماليّة حوّلت هؤلاء إلى فائض سكاني كامن، فإنّ سعد الحريري اختار نوعاً من العلاقات السنيّة ـــــ الشيعيّة حوّلت أولئك أنفسهم إلى فائض سنّي كامن. صحيح أنّ الحريري الابن لم يشأ للفتنة السنّية ـــــ الشيعيّة أن تتحقّق نزاعاً مسلّحاً على الأرض، لكنّ التعبئة الطائفيّة التي تبنّاها «المستقبل» وأذْرعُه المتعدّدة كانت تتوسّل دائماً فتنة سنّية ـــــ شيعيّة أريد لها أن تبقى كامنةً هي الأخرى. لقد كان غريباً حقّاً كيف يتبسّم نوّاب ووزراء من المستقبل، وهم يحذّرون حزب اللّه من الفتنة السنيّة ـــــ الشيعيّة.لقد حدث أن استخدم سعد جيش الاحتياط. استخدمه تحديداً في اللحظات التي أراد فيها للمواجهة السياسيّة أن تتّخذ طابعاً سنّياً ـــــ شيعياً. فتماماً كما أدّى مفتي الجمهورية الصلاة في السرايا الحكومية المحاصرة، جيء بالمناصرين السلفيّين من طرابلس وعكار، وألقوا خطباً ناريّةً على مرأى ومسمع من «رجال الدولة» والساعين ليلَ نهار إلى بنائها.
لم تكن تلك المرّة الأولى التي وفد فيها هؤلاء إلى شوارع العاصمة التي جاؤوها بالباصات في الرابع عشر من آذار. فقد سبق لبعضهم أن شارك في حرق السفارة الدنماركيّة في الأشرفيّة. كلّفَتْ نزهتهم تلك عزلَ وزير الداخليّة، وجاء من لقّنهم الدرس: أنتم لستم جيش المستقبل. إنّكم فرقة الاحتياط!

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: