الأحد، 5 نوفمبر، 2006,1:19 ص
82

خالد صاغيّة - ساحة رأي

الأخبار عدد السبت ٤ تشرين الثاني ٢٠٠٦

بالتأكيد، لا يبدو الحزب الشيوعي اللبناني، في عيده الثاني والثمانين، بخير. لكن، بالتأكيد أيضاً، أنّ الانتقادات والتعليقات التي انهالت عليه بعد مهرجانه الأخير لا تصبّ في خانة نقل هذا الحزب من حال «اللاخير» إلى «العافية». إنّها من النوع الذي يطالب، ويتمنّى، أن يتولّى الحزب دفن نفسه.ومن البديهي، في ظلّ الظرف السياسي الحالي، أن تنصبّ الانتقادات هذا العام على مسألة تحالف الحزب الشيوعي مع حزب الله. وأحياناً يترفّع البعض عن تناول هذا الحلف من زاويته السياسية البحتة، ليطرحوا أسئلة ذات طابع فكريّ. ويمكن اختصار تلك الأسئلة بصرخة استهجان مسعورة: «وَلوْ... هل يجوز أن يتحالف الشيوعيّون، أحفاد كارل ماركس، مع تيّار دينيّ «ظلاميّ»، «معادٍ» للحداثة والتقدّم؟».السواد الأعظم من مطلقي هذه الصيحات هم من الماركسيين أو الشيوعيين السابقين. وهم ممّن لم يعلق في أذهانهم من الماركسية إلّا وجهها المبتذل الذي لا ينتمي إلى ماركس، بقدر ما ينتمي إلى القرن التاسع عشر. فهذا القرن الذي افتُتِح مفتوناً بالثورة الفرنسية، أَوْهَمَ مفكّريه أنّ التاريخ يسير بخط تصاعديّ نحو خاتمة سعيدة تمثّل كلّ مرحلة فيها محطّة متقدّمة عمّا قبلها. الأخيار، وفقاً لهذه الخرافة، هي القوى الداعمة لمسار التاريخ، ولذلك يُدعون «قوى تقدّمية». أمّا «الأشرار»، فهي القوى التي تحاول عرقلة هذا الخطّ البيانيّ المتصاعد، ويُطلق عليها اسم «قوى التخلّف». العالم، إذاً، فسطاطان.الفكرة «سكسي» لدرجة أنّ القرن العشرين انطوى قبل أن يتخلّص من ذيولها. وها هم مفكّرونا اليوم يردّدونها بشكل ببغائيّ، كأنّهم يقومون بفتح عظيم. إضافة لـ«سكسيّتها»، تحمل هذه الفكرة شعوراً عظيماً بالراحة. ففي نهاية المطاف، ثمّة «مسيح» تقدّميّ سيخلّصنا، ويقودنا إلى جنّة خاتمة التاريخ السعيدة.ولأنّ الجنّة، كما يقول الماغوط، «للعدّائين وراكبي الدرّاجات»، بدأ البعض يعدو ليصل إلى شرق أوسط جديد، فيما استقلّ آخرون درّاجة الديموقراطية النارية. فهل يُعقل أن يكون الحزب الشيوعي في عداد واضعي العصي في الدواليب، بدلاً من أن يحجز مكاناً له في الجنّة الموعودة؟الإجابة بسيطة، وقد حملها إلينا منذ زمن أحد أبرز مفكّري القرن العشرين الذي قُتل، مثل آلاف الآلاف من الشيوعيّين الآخرين، على يد أنظمة التحديث التي ظنّت التاريخ شجرة فحاولت تسلّقه. يقول من طحنتْه التكنولوجيا النازيّة: «إنّ الطبقة المقموعة، بالنسبة إلى ماركس، هي أولاً طبقة مُستعبَدة تسعى لتحرير نفسها بدافع من صورة أجدادها المستعبَدين، لا بدافع من صورة أحفادها المحرَّرين».ما من جنّة، وما من خلاص في الماركسيّة. ثمّة «مستعبَدون» ينتفضون على واقعهم الآن، وهنا. لذا، على الراغبين في دعوة الحزب الشيوعي إلى التجديد والمراجعة، أن يدعوه إلى إعادة الحفر والتنقيب من أجل فهم أفضل، ونضال أكثر فاعليّة، في مسألتين لا يمكن تخيّلهما خارج رأس أولويات أيّ حزب شيوعي في العالم: المسألة الطبقية ومقاومة المدّ الإمبريالي.وبالتالي، إنّ ما يستدعي التفسير والاستهجان هو وجود حزب شيوعي محايد في منطقة لا تشهد هجمة امبريالية وحسب، بل اتّخذت هذه الهجمة فيها شكل استعمار مباشر. وما يستدعي التفسير والاستهجان أيضاً، هو وجود حزب شيوعي محايد في بلاد تحكمها سلطة أمعنت، وما زالت تمعن، في تهميش الطبقات الكادحة وإفقارها.التجديد الذي يطالَب به الشيوعيّون اليوم لا يتعدّى كونه دعوة إلى اعتبار هاتين المسألتين من مخلّفات اللغة الخشبية، والتفرّغ لمديح ظلّ الليبرالية العالي.حسناً. لكن، ويا للصدفة، ينتهي هذا المديح دائماً باعتماد سياسات لا يستطيع أي عاقل إغفال طبيعتها الطبقية المنحازة. للصدفة أيضاً، الشيوعيّون، تعريفاً، منحازون... لكن في الاتّجاه الآخر.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: