الجمعة، 18 أغسطس، 2006,11:52 م
بحثاً عن الشيعة
خالد صاغية - ساحة رأي
الأخبار عدد الجمعة ١٨ آب

توقّفت العمليات الحربية. انطلق النقاش السياسي، بعناوينه المعروفة سلفاً. الانقسام حادّ، وبإمكان كلّ طرف أن يحدس مسبقاً بما سيقوله الطرف الآخر. حتّى يبدو أحياناً أنّ لا حاجة لحضور المؤتمرات الصحفية ولا لمتابعة الخطابات. لكنّ المفاجآت، كالعادة، لا تلبث أن تظهر.بداية، لا بد من القول أنّ معظم الحجج السياسية المقدّمة من الطرفين تستند إلى حساسيّات مشروعة. وكان متوقّعاً أن يدفع خروج «حزب الله» «منتصراً» من معركته الأخيرة، قوى 14 آذار إلى شنّ حملة «استباقية». وذلك حتى لا يصار إلى استخدام «النصر» في تغيير التوازنات السياسية التي قامت في البلاد منذ الانتخابات النيابية الأخيرة.لكنّ قوى 14 آذار لا تكتفي بنقد موقف «حزب الله» السياسي، والسعي إلى تغييره. بل هي تذهب أبعد من ذلك. إنّها تريد تغيير الشيعة أنفسهم. فقراءات وليد جنبلاط المستفيضة من كتابات الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيّد محمد خاتمي لا تصبّ، في هذا الوقت بالذات، إلا في هذا الاتّجاه. فأن يختم مؤتمره الصحافي بهذه اللفتة الثقافية، ما هو إلا محاولة للإيحاء بأنّ مشكلات البلد المعقّدة كانت لتحلّ سريعاً، فقط لو أنّ الشيعة، الشيعة ككائنات وأفراد، كانوا مختلفين. فقط لو كانوا من أتباع «التقدّم» لا «التشيّع».هنا يكمن خطر كبير. فالتماهي لم يعد محصوراً بين خطاب قوى 14 آذار وبين خطاب الإدارة الأميركية السياسي. وربّما أمكن، بقليل من السخاء، تسويغ هذا التماهي بتلاقٍ آنيّ في المصالح بينها وبين الإدارة الأميركية. لكنّ قوى 14 آذار ذهبت خطوة أبعد. فعمدت أيضاً إلى استيراد الخطاب الاستشراقي في واحد من أكثر وجوهه ابتذالاً. فما يقوله وليد جنبلاط عن الشيعة، تقوله إدارات ومراكز أبحاث غربية (وعربية تابعة لها) عن الإسلام والمسلمين عامّة. إنّ جوهر هذا الموقف هو: ماذا لو كان المسلمون مختلفين عمّا هم الآن؟ المشكلة فيهم. في طريقة تفكيرهم. عليهم أن يصبحوا «مثلنا» حتى نتمكّن من التفاهم، وحتى يتمكّنوا من الحياة بسلام. إنّ العديد من التصريحات والكتابات الغربية لا تلبث، منذ أحداث الحادي عشر من أيلول، تكرّر اللازمة نفسها، بحثاً عمّا تسمّيه «المسلم المعتدل» في وجه «المسلم المتطرّف».استند جنبلاط في قراءاته إلى كتابات رجال دين شيعة، حتّى لا يثير نعرات طائفية، وحتّى يعطي الشيعة حجّة ليغيّروا أنفسهم استناداً إلى تقليد خاص بهم، وليس مستورداً. إلا أنّ ذلك لا يلغي جوهر الفكرة. وهو أنّ السياسة قد هُمِّشت تماماً. خرج الموضوع من سياقه السياسي والتاريخي. فلا مكان بعد لحجّة سياسية إذا ما كانت العلّة في الكائنات أنفسهم. ولا مكان لفهم وتحليل سياسي إذا ما كانت العلّة، في الأصل، ثقافية.لكنّ هذا الكلام، حين يصدر عن زعيم كوليد جنبلاط، يصبح مثيراً للسخرية فعلاً. فهل يعتقد «الإقطاعي المتنوّر» أنّه إذ يغيّر من تحالفاته السياسية، ويصبح قريباً من الموقف السياسي للدول الغربية الكبرى، يكون قد أدخل طائفته في عصر الحداثة؟

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: