الاثنين، 30 أغسطس، 2010,8:11 م
فتنة بالسلاح الأبيض

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٣٠ آب ٢٠١٠

لعلّ أطرف وأقسى ما وُصف به حادث برج أبي حيدر، هو أنّه «عادي». مطلق الوصف، وهو مسؤول إعلاميّ، عاد وبرهن على «عاديّة» الحادث، قائلاً إنّ المياه عادت إلى مجاريها بين الطرفين الحزبيّين اللذين تواجه عناصرهما في أحد شوارع العاصمة.
والواقع أنّنا نحن اللبنانيّين نعيش منذ زمن أحداثاً وأوضاعاً لا تمتّ إلى العيش العاديّ بصلة. إلا أنّ كلّ جهد النظام السياسيّ، بأجنحته المختلفة، ينصبّ على مهمّة تكاد تكون وحيدة: إقناعنا أو إيهامنا بأنّ ما يجري عاديّ، لا بل شديد العاديّة، وبشكل مطلق. هكذا «بَلَع» اللبنانيّون أموراً كثيرة، لكن أن يصبح القتل في الشوارع أمراً عادياً بعد مرور ربع قرن على انتهاء الحرب الأهليّة، فهذا ما يتطلّب من السلطة وأجنحتها جهداً دعائياً مضاعفاً.
ويبدو أنّ ثمّة من بدأ يتبرّع ببذل هذا الجهد.
هناك مثلاً من يتبرّم من عدم طيّ صفحة ما جرى. يُراد للأمر أن يتلفلف كما تجري العادة. فاللفلفة هي أيضاً من الأمور العاديّة. وحين لا ينتهي الأمر بتعزية أهالي الضحايا، يجب البحث دائماً عن مآرب سياسيّة خبيثة. صحيح أنّ ثمّة من يحاول استغلال الحادث لإذكاء الفتنة أو لتحقيق مكاسب صغيرة، لكنّ من يحاول التصرّف وكأنّ شيئاً لم يحصل، يسهم هو الآخر في إذكاء الفتنة وفي تحقيق مكاسب سياسيّة صغيرة.
لكنّ ماكينة بروباغندا «تعويد» اللبنانيّين على الحوادث الأمنيّة تشتغل أيضاً على خطّ آخر. وكأيّ بروباغندا ذكيّة، ينبغي للشعار المرفوع أن يمرّر الرسالة بأقلّ الطرق مباشرةً. هكذا طلع علينا شعار جعل بيروت الإداريّة منزوعة السلاح. وبدأت الدولة بأعلى هرمها تؤلّف اللجان للعمل على تحقيق هذا الهدف. لكنّ تخصيص بيروت دون سائر المناطق لا يناقض المساواة بين اللبنانيين وحسب، لكنّه يشرّع بطريقة غير مباشرة انتشار السلاح بين أيدي المواطنين وداخل منازلهم في المناطق الأخرى. فـ«بيروت منزوعة السلاح» تعني «زحلة مسلّحة» أو «صيدا مسلّحة»... بكلام آخر، نودّع 7 أيّار لنستقبل مجزرة حلبا.
لكنّ الأخطر من ذلك كلّه، هو أنّ شعار نزع السلاح من بيروت يعني ضمناً أنّه لا أحد يريد نزع فتيل التفجير السياسي من بيروت. أليس غريباً هنا أن يكون بعض المتحمّسين لنزع السلاح من بيروت هم الذين يصعّدون لتوتير الجوّ السياسيّ، ويعيدون بثّ ذبذبات الحقد الطائفي؟
ثمّة من يحاول أن يقول: أهلاً بالفتنة المذهبيّة... لكن بالسلاح الأبيض.


 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: