الثلاثاء، 17 أغسطس، 2010,6:25 م
ليس مجرّد حساب مصرفيّ

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٧ آب ٢٠١٠


يحار المرء ما إذا كان عليه أن يبارك للجيش اللبناني أو يعزّيه بمناسبة فتح حساب مصرفيّ لجمع التبرّعات لشراء سلاح وذخيرة وآليّات... ففي خطوة لم تناقَش داخل مجلس الوزراء، أعلن وزير الدفاع الياس المرّ (وهو نفسه رئيس جهاز مكافحة التجسّس داخل الجسم الصحافي) تبرّعه ووالده النائب ميشال المرّ بمبلغ مليار ليرة لبنانيّة لمصلحة الجيش. وبذلك، يكون وزير الدفاع قد بعث بثلاث رسائل إلى المؤسسة العسكرية:
أوّلاً، رغم الهالة المحيطة بالجيش، فإنّ الطاقم السياسي لن يتورّع عن زجّه في زواريب المصالح السياسية الضيّقة. هكذا، وبمبلغ زهيد نسبةً إلى ما جناه آل المرّ نتيجة (سوء) استخدام النفوذ السياسي، تمكّن الابن البارّ للعائلة الكريمة من استغلال العاطفة الشعبية تجاه الجيش للترويج لشخصه ولشخص والده، في مرحلة يشهد فيها المرّ الصغير ضموراً في حضوره السياسي. وبعدما أعلن المرّ جهاراً تبرّعه للجيش، أصبح من حق أي سياسي آخر أن يعلن أيضاً المبلغ الذي سيتبرّع به، في بازار سيجد الجيش نفسه فيه عرضة لابتزاز «المحسنين» إليه.
ثانياً، رغم الوضوح التامّ لحاجة الجيش إلى الذخائر والمعدّات، فإنّ حملة التبرّعات تؤكّد أنّ الحكومة لن تغيّر من أولويّاتها في سبيل توفير حاجات الجيش. فليس صحيحاً أنّ الموازنة لا تحتمل نفقات عسكريّة، وليس صحيحاً أيضاً أنّ توفير الحكومة حاجات المواطنين الأساسيّة لا يترك لها موارد تنفقها على قوّاتها المسلّحة. فإضافة إلى إنفاق عسكريّ غير مجدٍ نتيجة تعدّد الأجهزة خدمة لحسابات الطوائف والمحسوبيّات، يعاني الجيش وعناصره ممّا يعانيه عامّة المواطنين، أي حجب الأموال عنهم لدفعها فوائد على الدين العام. وتتكشّف السخرية المرّة حقاً حين يقدم مصرف أو سياسي من الذين أسهموا في إدخال البلاد في حلقة الدَّيْن الجهنّمية، بالتبرّع ببعض الفتات بحجّة حرصه على الجيش.
ثالثاً، منذ أوائل التسعينيّات، دخلت البلاد في ثقافة التسوّل. الاسم الرسمي لهذه الثقافة هو المنح والهبات، والاسم المدنيّ لها هو الجمعيّات غير الحكوميّة. وها هو وزير الدفاع يُدخل السلك العسكريّ إلى حضن هذه الثقافة. وإذا كان قصر العدل بات برعاية الوكالة الأميركيّة للتنمية، فلمَ لا يصبح الجيش برعاية آل المرّ وشركاه؟
من العبث إهمال هذه الرسائل الثلاث. فالانصياع لها أو رفضها يسهم في تحديد أيّ جيش نريد، وأي دور لهذا الجيش: جيش العديسة أم جيش نهر البارد؟



 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: