الاثنين، 23 مايو، 2011,10:43 ص
هنا ميدان التحرير
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤١٨ الاثنين ٢٣ أيار ٢٠١١

حين بدأت الثورات العربيّة، واجه كثيرون في الشرق والغرب مشكلة مع نظرتهم إلى أنفسهم وإلى الشعوب العربية. فبالنسبة إلى بعض الغربيّين، كانت المسألة محسومة: لا قدرة للشعوب العربيّة على التحرّك. إنّهم ضدّ الديموقراطيّة أصلاً. وحين ضحّينا من أجلهم عبر إرسال آلاف الجنود إلى العراق وأفغانستان لتحريرهما وتحرّر نسائهما، لم يقابلونا بالورود كما توقّعنا، بل أعلنوها مقاومة، وقتلونا بدل أن يشكرونا. للالتفاف على هذه الأحكام المسبقة، حاول البعض الترويج لكتيّبات أميركيّة هامشيّة قيل إنّ توزيعها على نطاق واسع هو ما حقّق الصحوة العربية. أمّا شيخ المستشرقين، برنارد لويس، فظلّ حائراً إلى أن طلع بنظريّة بيولوجيّة مفادها أنّ غلاء المعيشة فاقم الكبت الجنسي، ما حضّ الشباب العربي على التحرّك.
في هذه الأثناء، كثيرون من العرب، الذين أضنت الهزائم نفوسهم، كانوا هم أيضاً غير مستعدّين لتصديق رواية انتفاضة الشباب العربي لكرامتهم وخبزهم وحريتهم. فعمد هؤلاء إلى الاقتناع بنظرية المؤامرة والترويج لها. إنّهم الأميركيّون مرّة أخرى. بدلاً من شنّ حروب مكلفة لتغيير الأنظمة، ها هم يشنّون الحروب الناعمة في كلّ مكان. شاخت أدوات أميركا، وها هي تستبدلها بأدوات أكثر شباباً وصدقيّة. ومن لم يشأ إقحام الإمبرياليّة، روّج لوحش أصوليّ استفاق فجأةً من قمقمه.
ليس حدثاً عابراً أن يكون اثنان من أهمّ شعراء العالم العربي قد سقطا في الفخ نفسه، كلٌّ من زاويته. فإذا كان أدونيس قد أعلن ارتيابه من ثورات تخرج من الجوامع، فها هو سعدي يوسف يسخر من الربيع العربي في نص جديد، قائلاً: «الدجاجُ، وحده، سيقول: ربيعٌ عربيّ... نعرف تماماً أن أمراً صدرَ من دائرة أميركيّة معيّنة. وكما حدث في أوكرانيا والبوسنة وكوسوفو، إلخ... أريدَ له أن يحدث في الشرق الأوسط وشماليّ أفريقيا...». إمّا أنّ ثمّة من فهم التنوير بالمقلوب، أو أنّ وقع الهزائم أفقدنا توازناً نفسيّاً.
لكنّ الذين لم يفهموا بعد، عليهم أن ينظروا إلى هناك، لا إلى العالم العربي وحسب، حيث يتحوّل الربيع فصلاً واحداً من المحيط إلى الخليج، بل أيضاً إلى الغرب نفسه، حيث بدأ شبابه يستخلصون من الثورات العربية ما هو نقيض التعجرف. فالواقع أنّ فقدان الأمل بالتغيير لم يكن ميّزة عربيّة، فلطالما رضخت أوروبا لتعايشها مع البطالة المرتفعة كقَدَر طبيعيّ، لكنّ الشباب الإسبان أخذوا ينصبون خيمهم في الساحات التي رفضوا مغادرتها، مطالبين بإصلاحات اقتصادية مختلفة، ولم يتورّعوا عن رفع شعار إبطال الرهون العقاريّة. في إحدى ساحات مدريد، لم يرفع الشباب أيّاً من هذه المطالب. رفعوا لافتة حملت جملة اسميّة واحدة: هنا ميدان التحرير.
وقد قيل قديماً: مصر أمّ الدنيا.

 
posted by Thinking | Permalink |


0 Comments: