الثلاثاء، 31 مايو، 2011,10:15 ص
الخوف من الثورات (2)
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤٢٤ الثلاثاء ٣١ أيار ٢٠١١

منذ أحداث 11 أيلول، انتشر مصطلح مضلِّل بعض الشيء اسمه الإسلاموفوبيا. وهو مضلِّل إذ قد يُفهَم منه الرُّهاب من الإسلام أو المسلمين، من قبل الدول الغربيّة خصوصاً. غير أنّ الواقع كان يدلّ دائماً على عكس ذلك. ثمّة نوع من الإسلام والمسلمين تُوجَّه الكراهية إليهم، في مقابل نوع آخر تمطر عليه غزلاً. وقد يكون الباحث محمود ممداني أكثر من فصّل هذا التمييز في كتابه الذي «يُقرأ» من عنوانه «مسلم جيّد... مسلم سيّئ». والمسلم الجيّد، بهذا المعنى، هو المسلم كما تشتهيه الأنظمة ذات الأطماع بالدول ذات الغالبيّة المسلمة. أمّا المسلم السيّئ، فهو ذاك الذي لا تلبّي مواصفاته تلك الأطماع. هذه صورة مختزلة، بالطبع، لكنّه اختزال لا يخلو من حقيقة.
في زمن الثورات العربيّة، يلوح شبح الرهاب من الإسلام من جديد، بطريقة مشابهة، وإن غير متطابقة. فاليوم، يقود قسم كبير من أعداء الثورات والخائفين منها معركتهم عبر التخويف من البديل الذي سيكون، بحسبهم، إسلاميّاً لا محالة. ولمزيد من التشويق، لا يُترَك مجال للشكّ في نوع الإسلام الذي سيحلّ محلّ الأنظمة «العلمانيّة». إنّه، بالتأكيد، الإسلام الكاره للديموقراطيّة والمفجِّر للكنائس. وفي هذه الحالة، تماماً كما في حالة الإسلاموفوبيا الغربيّة، يرمي التركيز على هذا النوع من الإسلاميّين إلى تحقيق شيء آخر. في الحالة الأولى، تنفيذ السياسات الإمبرياليّة. وفي الحالة الثانية، تأبيد بقاء الأنظمة العربيّة. في الحالة الأولى، يصوَّب على الإسلاميّين لإسكات كلّ الأصوات المعادية للإمبرياليّة بحجّة الحرب على الإرهاب. وفي الحالة الثانية، يصوَّب على الإسلاميّين لإسكات كلّ الأصوات المعادية للأنظمة بحجّة الدفاع عن العلمانيّة. لقد استبطن العرب إذاً مفهوم الإسلاموفوبيا، لكنّ المسلم «الجيّد» بات هنا المؤيّد للنظام، والمسلم «السيّئ» هو المؤيّد لسقوط النظام.
طبعاً، لا يحجب ذلك حقيقة أنّ ثمّة مسلماً سيّئاً فعلاً، بالمعنى الأخلاقي لا السياسي، تماماً كما يوجد مسيحيّ سيّئ ويهوديّ سيّئ... إلا أنّ هؤلاء المسلمين السيّئين هم ممّن تربّوا في أحضان الأنظمة أو ممّن غذّتهم سياساتها. ولنا في التواطؤ بين التكفيريّين والنظام في مصر أمثولة. ومن مصر نتعلّم أيضاً كيف فتحت الثورة آفاقاً سياسيّة جديدة لا يحتكرها أحد، ولا يُقصى منها أحد.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 30 مايو، 2011,8:04 م
الخوف من الثورات (1)
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤٢٣ الاثنين ٣٠ أيار ٢٠١١

ثمّة تيّار آخذ بالتوسّع، يبثّ خوفاً من الثورات العربيّة بحجّة أنّها تُبعد الجمهور العربيّ عن فلسطين. كنّا نحسب المسألة مقلوبةً. فالشكوى، عادةً، كانت أنّ الأنظمة العربيّة لا تقوم بواجباتها تجاه فلسطين، وهي تكتفي باستغلال الموضوع الفلسطيني لتقمع شعوبها، فتسوّغ هذا القمع بكونها تقاتل من أجل فلسطين، أو تسوّغه بالتذرّع بالظروف الاستثنائيّة التي فرضها وجود إسرائيل في المنطقة. هكذا استمرّت حالات الطوارئ حتّى لدى دول كانت قد وقّعت اتفاقات سلام مع إسرائيل. بكلام آخر، كان الحريصون على فلسطين يلقون باللوم على الأنظمة، فإذا بهم اليوم يلقون باللوم على الشعوب التي تحاول قلب هذه الأنظمة. فإمّا أنّهم سعداء بالتحيّات اللفظيّة إلى فلسطين، أو أنّهم يلعبون لعبة الاستبداد نفسها، فيحرّمون على الشعوب المطالبة بحقوقهم ما دام الحقّ الفلسطيني لا يزال ضائعاً.
الأجدى بمن يحبّ الفلسطينيّين ويحبّ فلسطين أن يستنتج ممّا يحدث في أكثر من بلد عربي أنّ قضيّة فلسطين، بصرف النظر عن الموقف منها، لم تعد قضيّة يمكن باسمها الطلب من الشعوب العربيّة «تأجيل» كلّ حاجاتهم السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية الأخرى ريثما يتحقّق النصر الموعود. والواقع أنّ «تأجيلاً» كهذا يحمل في طيّاته ازدراءً للجماهير التي يُطلَب منها أن تشارك في صنع مستقبل فلسطين. تلك الجماهير تمكّنت من فرض احترامها من خلال الثورات التي أطلقتها. يكفي أنّ مفردة «جماهير» عادت إلى التداول. وهذه الثورات لها في الخارج من يدعمها ومن يشجّعها، ولها أيضاً من يخشاها ومن يحاربها. لكنّها أوّلاً وأخيراً من صنع الشباب العرب. أولئك الشباب الذين يؤكّدون، مرّة أخرى، الشرط الأوّل لنصرة العرب لفلسطين، أي الرابطة العروبيّة بين شعوب المنطقة. وهذا ما سعت الأنظمة إلى قمعه والتخلّص منه. الثورات أعادت إلى العروبة روحها، ودلّت بالملموس على قوّة هذه الرابطة التي تجمع بين العرب، وتجعل مصيرهم واحداً. انظروا إلى السرعة التي ينتقل بها التغيير من بلد عربيّ إلى آخر. لقد توحّدت اللهجات العربيّة وباتت تنطق بلغة فصيحة: «الشعب يريد إسقاط النظام».
فلسطين بالذات ليس لديها ما تخسره من الثورات العربيّة. لديها العالم العربي كلّه لتربحه سيّداً، حرّاً، كريماً.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 27 مايو، 2011,10:34 ص
سوريا وحزب اللّه
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤٢١ الجمعة ٢٧ أيار ٢٠١١


لا يكشف المرء سرّاً إن قال إنّ حزب اللّه ليس حزباً إصلاحيّاً. هو لا يملك برنامجاً إصلاحيّاً في لبنان، ولا نيّة لديه لدعم برنامج إصلاح جذريّ، إن امتلكه أيٌّ من حلفائه. وحين كان مطمئنّاً إلى أنّ ما من قوى سياسيّة جدية في البلاد ترغب في طعن المقاومة في ظهرها، لم يُعر أهمية للاشتراك في الحكومة أصلاً.
وليس حزب اللّه من جماعة «الديموقراطيّة أوّلاً». لا بل إنّه، كحزب أولويّته المقاومة، مستعدّ للتضحية بالكثير من أصول العمل الديموقراطيّ إذا ما تعارضت مع ما يراه مصلحة للمقاومة.
هذا كلّه معروف ومستدلّ عليه بالنظريّة والممارسة. فحزب اللّه الذي نجح في تحرير الأرض وفي تحقيق انتصار تمّوز 2006، هو نفسه الحزب الذي لم يتوانَ عن ارتكاب أحداث 7 أيّار أو عن تنفيذ خطّة انتشار المعاطف السوداء. وفي الحالتين، كنّا أمام قوى سياسيّة تتعمّد إلحاق الأذى بالمقاومة، وأمام مقاومة تردّ على طريقتها التي لا تتوافق والديموقراطيّة. صحيح أنّ حزب اللّه يفضّل أن تحكم البلد أكثريّة داعمة للمقاومة، لكنّه لن يتنازل عن المقاومة إن افتقد أكثريّة كهذه.
إذا كانت هذه هي نظرة الحزب إلى الإصلاح والديموقراطيّة في لبنان، فالأرجح أنّه لا يملك نظرة مختلفة إليهما في سوريا. ولن نجده في أيّ لحظة يضحّي بحليف أو صديق لكونه لا يستوفي الشروط الديموقراطيّة. لذلك، من السذاجة انتظار موقف من حزب اللّه داعم لإسقاط النظام في سوريا. وربّما كان على محترفي إضفاء الصبغة الرومانسيّة على المقاومة وعلى حزب اللّه، أن يكفّوا عن ذلك، إنصافاً للحزب ودوره، وتجنّباً لإصابتهم بإحباطات لا تنتهي. والغريب أنّ مُحبّي حزب اللّه الذين يطالبونه بموقف من النظام السوري هم، على الأرجح، من غير المعجبين بعمامات الحزب أو بأيديولوجيّته الدينيّة، وتقتصر علاقتهم بالحزب على إعجابهم بصواريخه، وهم يعرفون أنّ هذه الصواريخ لا توزّعها الدول الديموقراطيّة عادةً إعاشات على حركات المقاومة الإسلاميّة.
لكن، في المقابل، يبدو أنّ حزب اللّه وقع أسير صورة فُرضت عليه. فتحدّث أمينه العام عن الإصلاح في سوريا، وذهب إلى حدّ الجزم بأنّ القيادة السوريّة عازمة على اتّخاذ خطوات إصلاحيّة كبرى، فيما لم يترجم هذا الإصلاح نفسه حتّى الآن إلا عنفاً فظّاً. ليست الوعود الإصلاحيّة السوريّة ما ينبغي انتظاره من حزب اللّه. لكنّ ما ينتظره الجميع هو أن يكون حزب اللّه حريصاً على كلّ قطرة دم سوريّة بريئة، ليكون وفيّاً لجمهور المقاومة على الأقلّ. ما ينتظره الجميع، ببساطة، هو التعزية بالشهداء الذين أحبّوا سوريا... كما لم يحبّها أحد
 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 24 مايو، 2011,10:40 ص
بيروت ــ دمشق
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤١٩ الثلاثاء ٢٤ أيار ٢٠١١

أخيراً، بعد تجارب عديدة، نجح تحرّك تضامنيّ مع الشعب السوري في بيروت. بقميص أسود ووردة حمراء، تمّت وقفة الحداد على أرواح شهداء الحرية في سوريا. المتضامنون مع النظام السوري استطاعوا، هذه المرّة، كبت غضبهم، والسير في تظاهرة مقابلة من دون الإقدام على منع الآخرين من التعبير عن رأيهم. وقد جاء ذلك بعد ظهور متكرّر ومفاجئ لمؤيّدي النظام السوري في أيّ اعتصام معارض، من أجل منعه من رفع صوته، وتحوير شعاراته، لا بل استغلاله من أجل إلقاء خطب مؤيّدة للقيادة السوريّة. حدث ذلك أمام السفارة السوريّة في بيروت، وحدث أيضاً في أمكنة أخرى من شارع الحمرا.
يمكن القول إنّ النظام السوري نفسه حذر من التمادي في منع تظاهرات ضدّه في العاصمة دمشق. فجزء من القمع الدامي في المناطق الطرفيّة يعود إلى إدراك النظام أنّه لا يستطيع استخدام وسائل القمع نفسها في العاصمة. وذلك يطرح تساؤلات عما يجري في بيروت. هل هي حماسة زائدة للتأكيد أنّ القوى السياسيّة الموالية للنظام في سوريا ما زالت ممسكة بالوضع في لبنان؟ هل هو نوع من ردّ الجميل من قبل قوى سياسيّة لا تملك وزناً شعبياً كبيراً ساعدتها القيادة السوريّة على الدخول إلى البرلمان وحصد حقائب وزاريّة؟ هل هو حرص على الدستور واحترام الاتفاقيات بين لبنان وسوريا، وبالتالي منع كلّ ما من شأنه أن يعكّر العلاقات بين البلدين؟ هل هو الخوف من انتقال الصراع في سوريا إلى الأراضي اللبنانيّة؟
ربّما كان ثمّة ما هو وجيه بين كلّ هذه الأسباب. لكنّ الأرجح أنّها عاجزة مجتمعةً عن تقديم إجابة شافية. منع التظاهر في بيروت يحمل في طيّاته منع ما بقي من هواء بيروت من التغلغل خارج الحدود. منع التظاهر في بيروت هو خوف من بيروت ومن عدواها. هذه هي الكلمة: العدوى. فالحريّة يجري التعامل معها كمرض، كوباء. وهي حين تظهر إلى العلن، من الصعب مقاومة إغوائها. عام 2005، راهن كثيرون على عدم قدرة النظام في دمشق على الصمود بعد الانسحاب من لبنان. يومها، كان الرهان ساذجاً نتيجة الفارق الهائل بين ما يجري في لبنان واستعدادات المعارضة السوريّة. أمّا اليوم، فالانسحاب الرمزيّ من بيروت سيكون مكلفاً.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 23 مايو، 2011,10:43 ص
هنا ميدان التحرير
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤١٨ الاثنين ٢٣ أيار ٢٠١١

حين بدأت الثورات العربيّة، واجه كثيرون في الشرق والغرب مشكلة مع نظرتهم إلى أنفسهم وإلى الشعوب العربية. فبالنسبة إلى بعض الغربيّين، كانت المسألة محسومة: لا قدرة للشعوب العربيّة على التحرّك. إنّهم ضدّ الديموقراطيّة أصلاً. وحين ضحّينا من أجلهم عبر إرسال آلاف الجنود إلى العراق وأفغانستان لتحريرهما وتحرّر نسائهما، لم يقابلونا بالورود كما توقّعنا، بل أعلنوها مقاومة، وقتلونا بدل أن يشكرونا. للالتفاف على هذه الأحكام المسبقة، حاول البعض الترويج لكتيّبات أميركيّة هامشيّة قيل إنّ توزيعها على نطاق واسع هو ما حقّق الصحوة العربية. أمّا شيخ المستشرقين، برنارد لويس، فظلّ حائراً إلى أن طلع بنظريّة بيولوجيّة مفادها أنّ غلاء المعيشة فاقم الكبت الجنسي، ما حضّ الشباب العربي على التحرّك.
في هذه الأثناء، كثيرون من العرب، الذين أضنت الهزائم نفوسهم، كانوا هم أيضاً غير مستعدّين لتصديق رواية انتفاضة الشباب العربي لكرامتهم وخبزهم وحريتهم. فعمد هؤلاء إلى الاقتناع بنظرية المؤامرة والترويج لها. إنّهم الأميركيّون مرّة أخرى. بدلاً من شنّ حروب مكلفة لتغيير الأنظمة، ها هم يشنّون الحروب الناعمة في كلّ مكان. شاخت أدوات أميركا، وها هي تستبدلها بأدوات أكثر شباباً وصدقيّة. ومن لم يشأ إقحام الإمبرياليّة، روّج لوحش أصوليّ استفاق فجأةً من قمقمه.
ليس حدثاً عابراً أن يكون اثنان من أهمّ شعراء العالم العربي قد سقطا في الفخ نفسه، كلٌّ من زاويته. فإذا كان أدونيس قد أعلن ارتيابه من ثورات تخرج من الجوامع، فها هو سعدي يوسف يسخر من الربيع العربي في نص جديد، قائلاً: «الدجاجُ، وحده، سيقول: ربيعٌ عربيّ... نعرف تماماً أن أمراً صدرَ من دائرة أميركيّة معيّنة. وكما حدث في أوكرانيا والبوسنة وكوسوفو، إلخ... أريدَ له أن يحدث في الشرق الأوسط وشماليّ أفريقيا...». إمّا أنّ ثمّة من فهم التنوير بالمقلوب، أو أنّ وقع الهزائم أفقدنا توازناً نفسيّاً.
لكنّ الذين لم يفهموا بعد، عليهم أن ينظروا إلى هناك، لا إلى العالم العربي وحسب، حيث يتحوّل الربيع فصلاً واحداً من المحيط إلى الخليج، بل أيضاً إلى الغرب نفسه، حيث بدأ شبابه يستخلصون من الثورات العربية ما هو نقيض التعجرف. فالواقع أنّ فقدان الأمل بالتغيير لم يكن ميّزة عربيّة، فلطالما رضخت أوروبا لتعايشها مع البطالة المرتفعة كقَدَر طبيعيّ، لكنّ الشباب الإسبان أخذوا ينصبون خيمهم في الساحات التي رفضوا مغادرتها، مطالبين بإصلاحات اقتصادية مختلفة، ولم يتورّعوا عن رفع شعار إبطال الرهون العقاريّة. في إحدى ساحات مدريد، لم يرفع الشباب أيّاً من هذه المطالب. رفعوا لافتة حملت جملة اسميّة واحدة: هنا ميدان التحرير.
وقد قيل قديماً: مصر أمّ الدنيا.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 20 مايو، 2011,7:22 ص
أوباما يحبّ الثورات
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤١٦ الجمعة ٢٠ أيار ٢٠١١

بات للثورات العربيّة حليف جديد. رئيس الولايات المتّحدة الأميركية، باراك أوباما، أعلن شخصياً، أمس، تأييده للثورات. حدث ذلك بعدما بذلت إدارته قصارى جهدها لإطالة أمد صلاحيّة الرئيس المصري حسني مبارك، وبعد رفض عنيد لوصفه بالديكتاتور. وحين كان «البلطجيّة» يقودون واقعة الجمل في ميدان التحرير، كان المتحدّث الرسمي للبيت الأبيض يتلعثم بكلّ أنواع العبارات غير المفهومة. وعلينا ألا ننسى «العزيز جيف» العائد إلى بيروت، حين نظّر للثورة التونسيّة على أنها حدث شديد الخصوصيّة. جيفري فيلتمان الذي غلبه الشوق إلى أبطال «ويكيليكس»، يعود إلى المنطقة ليحصي خسائره، ويعمل على تعويضها، بعدما أودت الثورات الشعبيّة بأصدقائه وحلفائه.
لا يستعاد هذا الماضي القريب للشماتة، بل للقول إنّ وقوف أوباما إلى جانب الثورات ليس إلا من باب الالتفاف عليها، عبر تشجيع ثورات مضادة في مصر وتونس وغيرهما من أجل تحويل التغيير في العالم العربي إلى نوع من التغيير الذي هندسه جيفري فيلتمان في لبنان بعد 2005: تغيير من أجل أن يبقى كلّ شيء على حاله. وما يزيد من رجاحة هذا القول هو ادّعاء أوباما تغيير سياسة الولايات المتحدة في المنطقة، حتّى لا يزيد الشرخ الحاصل بينها وبين شعوب الشرق الأوسط. لكنّ أوباما يعلم أنّ هذا الشرخ وُجد أساساً بسبب القضيّة الفلسطينيّة، وإصرار الولايات المتّحدة على توفير كلّ وسائل الدعم لإسرائيل حتّى تتمكّن من الاستمرار في ارتكاب جرائمها ضدّ الشعب الفلسطيني. وفي هذه القضية بالذات، لم يقدّم الرئيس الأميركي أيّ شيء جديد، وبدا الجزء من خطابه الذي تطرّق إلى هذه القضية، الجزء الأكثر بهتاناً. فضلاً عن اعتباره خطاب العداء لإسرائيل، مثله مثل الطائفية، مجرّد أداة من أدوات الاستبداد.
يحلم أوباما إذاً بعالم عربي يثور شبابه من أجل تغيير حلفاء أميركا بحلفاء آخرين لأميركا أكثر تناسباً مع روح العصر (الموضوع لا يشمل السعوديّة طبعاً)، على أن يجرف هذا التغيير في طريقه أيّ مشاعر عدائيّة تجاه إسرائيل. فهذه الأخيرة تأتي، وفقاً للرواية الأميركيّة، في «باكدج» واحد مع الديموقراطيّة وحقوق الإنسان والسوق الحرّة.
ترى، هل الصدفة وحدها هي التي جعلت الثورات العربية تنجح في الأماكن التي وقفت الولايات المتّحدة ضدّها؟

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 18 مايو، 2011,10:25 م
الاستغلال والتضحية
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤١٤ الاربعاء ١٨ أيار ٢٠١١

ثمّة من يريد استغلال حقّ العودة من أجل أهداف سياسيّة أخرى. هذا صحيح. لكنّ الصحيح أيضاً أنّ ثمّة من يريد التضحية بحق العودة من أجل أهداف سياسيّة أخرى. لذلك، من المفيد التمييز بين الأصوات التي ارتفعت اعتراضاً على فتح الحدود أمام التائقين إلى رؤية فلسطين في ذكرى النكبة. فبعض هذه الأصوات صادق في دعوته إلى تنزيه فلسطين عن الصراع بين الأنظمة وشعوبها حرصاً على القضيّة الفلسطينيّة، وبعضها الآخر مستعدّ في الواقع لدعم أنظمة مستبدّة، حين تستبدّ من أجل التضحية بفلسطين، وربّما بالفلسطينيّين أيضاً.
أنصار التضحية متنوّعون: منهم الصادقون في حبّهم للفلسطينيّين والعرب. لكنّهم، بعد كلّ المآسي التي مرّت بها المنطقة، يدعون إلى السلام بأيّ ثمن حتّى لو كان استسلاماً، وذلك لإنقاذ ما بقي. ويزيد من إصرار هؤلاء اختلافهم الجذري مع أيديولوجيّات الحركات المقاومة لإسرائيل في الوقت الراهن. ومن هؤلاء المضحّين أيضاً، كارهو الفلسطينيّين ومتبنّو شتّى النظريّات العنصريّة ضدّهم. ومنهم أيضاً، من قاده هذا الكره إلى العمالة لإسرائيل.
أنصار الاستغلال متنوّعون، هم أيضاً: منهم من لا يهمّه من القضيّة الفلسطينيّة إلا نصرتها لفظيّاً أو من دون أكلاف، إن كانت هذه النصرة تخدم مصالحه. ومنهم أيضاً الصادقون في عملهم من أجل حق العودة، لكنّهم أصحاب رؤية في ضمان هذا الحق، ومستعدّون في سبيل انتصار هذه الرؤية لاستغلال أشياء كثيرة.
لا يمكن الحريص على القضيّة الفلسطينيّة أن يساوي بين أبناء هاتين المروحتين الواسعتين. وإذا كانت هذه اللحظة السياسيّة تقتضي التشديد على أنّه ليس لدى أنصار قضية فلسطين وتحرير الأراضي العربيّة ما يخسرونه من الثورات العربيّة، وأنّ مزيداً من الديموقراطيّة في العالم العربي لا يعني إلا مزيداً من العداء لإسرائيل، فإنّ اللحظة نفسها تتطلّب الحذر ممّن يريدون تقديم فلسطين قرباناً على مذبح رياح التغيير في المنطقة.
ردود الفعل على الدم الفلسطيني الذي سال في مارون الراس مثيرة للقلق حقاً. فتجاهل إدانة إسرائيل، أو إدانتها ببرودة شديدة، أو تصوير من قضوا بالرصاص الإسرائيلي ومن كانوا مستعدّين لتقطيع الأسلاك الشائكة بأسنانهم على أنّهم صبية مغفّلون أو أدوات لمشاريع مشبوهة، هي كلّها إشارات إلى أنّ إسرائيل ليست وحدها من يريد التخلّص من حقّ العودة.
رغم كلّ ذلك، رغم الاستغلال والتضحية، سنرجع يوماً. خبّرني العندليب غداة التقينا.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 17 مايو، 2011,10:23 م
قدّاس في زمن الحرب
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤١٣ الثلاثاء ١٧ أيار ٢٠١١

«اقتيد الفتيان ليصبحوا جنوداً، وبقيت الفتيات في القرية. الحصون عالية، ذات اثني عشر طابقاً. من هناك، يراقب الفتيان البحار المزبدة. سألهم القبطان إن كانوا يشعرون بالحزن، لأنّه لم يكن يسمع غناءً يأتي من حصونهم. أجاب الفتيان أنّهم ليسوا حزينين، رغم أنّهم ذاهبون إلى المحيط، في مهمّة قتاليّة. وحين بدأ الفتيان بالغناء من السفينة، ردّدت الشواطئ صدى أصواتهم. فسمعتها الفتيات اللواتي كنّ على الشاطئ، وامتلأت أعينهنّ بالدموع. ظننّ أنّها أصوات آلات موسيقيّة. لم يتخيّلن أنّ فتيان قريتهنّ يتقنون الغناء إلى هذا الحدّ. فالفتى المقاتل لا ينبغي أن يتمتّع بقلب طيّب. عندها فقط، يمكنه أن يذهب إلى أيّ مكان».
هذه المقاطع من أغنية للمؤلّف الأستوني تورميس، ردّدتها أمس فرقة موسيقيّة في بيروت. تورميس هو واحد من مؤلّفين موسيقيّين عديدين لجأوا إلى اقتباس ألحان فولكلوريّة في أعمالهم من أجل الحفاظ على وطنيّة حاولت السلطات السوفياتيّة تذويبها. هذه الأغنية الحزينة كُتبت عام 1983 في ذروة الحرب السوفياتيّة في أفغانستان. الفتيان الذين اقتيدوا إلى السفن ليسوا إلا الأستونيّين الذين أجبروا على القتال في الصفوف الأماميّة للجيش السوفياتي، في حرب لم تكن تعنيهم بشيء.
هل يمكننا اليوم أن نسمع هذه الأغنية من دون أن نتذكّر فتياناً عرباً يُقتادون هم أيضاً إلى حروب لا تعنيهم، لا بل إلى حروب ضدّ شعوبهم؟ هل تخلّص أولئك الفتيان، كما تقول الأغنية، من القلب الطيّب، حتّى يتمكّنوا من تنفيذ الأوامر، وإطلاق النار في أيّ اتّجاه؟ الفتيات والأمّهات ما زلن ينتظرن. هناك على الشاطئ. لكن، ما من أغنيات تصل إليهنّ، بل تأتيهنّ في أحيان كثيرة جثث أبنائهنّ مرفقة بلقب «شهيد»، فيظهرن على الشاشات منكسرات، ويتمتمن كلمات تخرج من أفواههنّ من دون صوت.
على أيّ جبهة يُستشهد أولئك الجنود؟ وضدّ أيّ أعداء؟ أيّة سفن حملتهم إلى معارك الذلّ؟ بأيّ رصاص سقطوا؟ ومَن حرمهم الغناء؟ لا تخبرنا الأغنية ماذا حلّ بالأستونيّين الذين رفضوا القتال، لكنّ أحدهم قرّر أن ينهي الحفل بـ«قدّاس في زمن الحرب» لهايدن. هايدن الذي لم يتحمّل، أغمض عينيه ما إن وصلت جيوش نابوليون إلى فيينا. وكان ذلك في شهر أيّار نفسه، قبل مئتي عام وعامين.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 16 مايو، 2011,10:22 م
عروس لا أرملة
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤١٢ الاثنين ١٦ أيار ٢٠١١

الشعب يريد العودة إلى فلسطين. طبعاً، لكنّ الشعب يريد أيضاً إسقاط النظام. ليس من مصلحة فلسطين والفلسطينيّين وضع أيّ من الشعارين في مواجهة الآخر. وليس من مصلحة فلسطين والفلسطينيّين أن يصبح حق العودة عنواناً للتشويش على إسقاط الأنظمة أو إصلاحها أو تغييرها. ليس من مصلحة فلسطين أن تصبح العودة إليها شعاراً غير ديموقراطي. شعار لا تحمله وتضحّي من أجله أكثريّة الشعوب العربيّة، بل تستخدمه بعض الأنظمة لإخضاع شعوبها، أو إجبارها على قبول العيش من دون حريّة ومن دون كرامة.
لا يمكن الفصل بين ما حدث، أمس، على الحدود مع فلسطين المحتلّة، في الجولان تحديداً، وما يحدث منذ أسابيع في كافّة أنحاء سوريا. الرسالة التي يبعث بها النظام السوري مزدوجة: رسالة أولى إلى الداخل السوري، ورسالة ثانية إلى الخارج.
داخليّاً، يرى النظام أنّه استعاد السيطرة على زمام الأمور بعدما أنجز مهمّاته العسكريّة، أو هو في طريقه إلى ذلك. جرى ترويع المناطق التي خرجت منها أكبر التظاهرات، وآن الأوان لحوار وطني دعت إليه السلطة. حوار لا مانع في أن يفتح أبواباً إصلاحيّة، شرط أن تكون المبادرة في يد السلطة وحدها، لا في يد الشارع. هكذا عادت مستشارة الرئيس بثينة شعبان إلى الظهور، وهي التي كانت خلال الأيّام الأولى للتظاهرات، قد وعدت بسلّة إصلاحات دسمة قبل أن تختفي أسابيع عدّة تاركةً المشهد للدبّابات والقنّاصة.
أمّا خارجيّاً، فثمّة رسالة متمّمة للأولى. إذا كان النظام يرى أنّه يملك ما يكفي من الوسائل والخبرات لـ«التفاهم» مع شعبه، فإنّه لا يريد للخارج أن يتدخّل بشأن كيفيّة هذا «التفاهم»، لا من باب الحرص ولا من باب التهديد ولا من باب حقوق الإنسان. ويبدو أنّ الحساب مع دول كتركيا أو قطر مؤجّل، باستثناء مقالات في الصحف الرسميّة أو كليبات تلفزيونيّة. أمّا أميركا وإسرائيل، فعليهما أن تفهما الآن أنّ أيّ تدخّل من جانبهما لتشجيع التغيير في سوريا، سيجعل النظام يتّبع سياسة «عليّ وعلى أعدائي». وما كان خطّاً أحمر في السابق، ليس كذلك اليوم. فما حدث، أمس، مجرّد «بروفا» ناعمة لما يمكن أن يحدث على الحدود، إن شعر النظام السوري بمزيد من الضغط.
لكنّ رسائل النظام السوري هذه لا تلغي حقيقة أخرى، وهي أنّ القنيطرة عانقت مجدل شمس أمس. عانقتها بفضل تضحيات الشعب السوري، التي جعلت من عبور الأسلاك الشائكة أمراً ممكناً. ففلسطين، رغم كلّ محاولات التشويه، هي عروس الربيع العربي، لا أرملته.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 11 مايو، 2011,10:18 م
«أنا أو الحرب الأهليّة»
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤٠٨ الاربعاء ١١ أيار ٢٠١١

يُراد للعدوى التي نقلتها مصر إلى العالم العربي أن تتّخذ مساراً معاكساً. فيجري التبسّم بخبث لدى تفجير دار للعبادة في حيّ إمبابة، للإيحاء بأنّ هذا هو المصير البائس الذي ينتظر الشعوب التي تتجرّأ على أنظمتها الديكتاتوريّة. يعود شعار «أنا أو الحرب الأهليّة» ليطلّ برأسه من جديد لحماية ما بقي من أنظمة لم تهوِ بعد. وفي سبيل ذلك، يُستحضَر «الوحش» التكفيري تحت أسماء مختلفة. وما لا تستحضره الأنظمة، ترفدها به نظريّات استشراقيّة عن طبائع العرب، ساءها أن تكون الثورات الأخيرة قد حوّلتها إلى نوع من النفايات الأكاديميّة.
لنضع المبالغات التكفيريّة والاستشراق الأكاديمي جانباً. ثمّة مسألة أساسيّة ينبغي على الثورات العربيّة أن تأخذها في الاعتبار: رغم كلّ القمع الذي مارسته هذه الأنظمة، لم تتمكّن من الهيمنة على المجتمع. الدولة نفسها لم تستطع الحلول محلّ الكثير من التشكيلات الما قبل دولتيّة كالطوائف والعشائر. قمعتها بقسوة في بعض الأوقات، ودخلت معها في صفقات ذات وجوه متعدّدة في أوقات أخرى، تاركة لها الأحوال الشخصيّة حيناً، وسياسات تربويّة حيناً آخر، وإدارة أجزاء كاملة من الوطن في أحيان ثالثة... إسقاط الأنظمة الحالية يطرح مشكلة تعاقديّة من نوع آخر مع تلك التشكيلات التي لا تتأثّر بناها سلباً بانهيار النظام. لا بل قد تسعى إلى استغلال هذه اللحظة من أجل توسيع رقعة نفوذها. لكن، في جميع الأحوال، لا يمكن النظر إلى هذه البنى كعائق أمام الثورات أو السماح بتحويلها إلى «فزّاعة» تمنع سقوط الديكتاتوريّات.
حين تنتصر الثورة، أيّ ثورة، لا تصبح الحياة فجأة لونها «بمبي». لم يحصل ذلك في الثورات الكبرى، في روسيا أو فرنسا مثلاً، ولن يحصل في العالم العربي. وأبطال الثورات والمشاركون فيها لا ينتهي عملهم لحظة سقوط النظام، بل يبدأ عملهم في تلك اللحظة. لا معنى للديموقراطيّة ما لم يعدّ المطالبون بالمشاركة في السلطة أنفسَهم للمشاركة في السلطة فعلاً. والربيع الديموقراطي الذي لن يترسّخ بين ليلة وضحاها، ستسبقه رياح خريفيّة عديدة. المهمّ أنّ الشباب العرب الذين يخاطرون بحياتهم اليوم، يعرفون جيّداً أنّ الربيع آتٍ لا محالة.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 10 مايو، 2011,10:16 م
لا أكثريّة جديدة
خالد صاغية
الأخبارالعدد ١٤٠٧ الثلاثاء ١٠ أيار ٢٠١١

تأخّر تأليف الحكومة في لبنان. كان يمكن وضع هذا التأخير ضمن العمر الطبيعي لتأليف الحكومات عندنا، لو كان الظرف مختلفاً. أمّا اليوم، فيبدو أنّ الأزمة تتجاوز توزيع الحقائب أو انتظار تدخّل خارجي لإقناع كلّ طرف بتقديم تنازل ما. وما لم يطرأ تدخّل سوري ـــــ وهو أمر مستبعد في هذه الظروف ـــــ فإنّ الجميع سيكونون من الشاكرين لترك الأمور على حالها.
الواقع أنّه ما من أكثريّة جديدة في لبنان. في لحظة معيّنة، اتّحدت مجموعة من القوى لإطاحة الحكومة السابقة، واتفقت على تسمية رئيس حكومة جديد. انتهى الأمر عند هذا الحدّ. كانت لحظة تحدٍّ وحسب. إلا أنّ أيّاً من الأطراف المكوّنة لذاك التحالف ليس متحمّساً لتأليف حكومة مع شركائه. لا بل إذا استثنينا التيار الوطني الحر، فإنّ أياً من القوى ليست متحمّسة لحكومة من لون واحد. لا هذه رغبة الرئيس المكلّف، ولا هذه مصلحة حزب اللّه اليوم، ولا هذه الكأس المرّة التي يرغب رئيس الجمهوريّة أو نبيه برّي أو وليد جنبلاط في تجرّعها.
وفي جميع الأحوال، إنّ اللحظة السياسيّة لا تحتمل اليوم حكومة من النوع الذي كان مطروحاً. ارتدادات الوضع في سوريا واحتمالاته المفتوحة أخطر من أن تُترك لحكومة يمكن تسميتها حكومة «النصف زائداً واحداً». فالأزمة السوريّة لا تحتاج إلى قرار تصدير إلى خارج الحدود. المخاوف الطائفيّة، موجات النزوح، التدخّلات الخارجيّة، العلاقات المعقّدة بين النظام في سوريا والقوى اللبنانية المختلفة... لا يُترك كلّ ذلك للصدفة.
يمكن من يدرك حجم المسؤوليّة أن يبلع ادّعاءاته بشأن قلب الطاولة مقابل اعتراف من الجميع باستحالة استمرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية على ما كانت عليه। ويمكن أن تعود قوى 14 آذار لخطاب ما بعد الانتخابات النيابيّة بشأن سلاح حزب اللّه، والمحكمة لم تعد عقدة على النحو الذي كان مطروحاً في السابق. الخلافات بين الأطراف اللبنانيّة ليست أكثر عمقاً ممّا كان بين «حماس» و«فتح». المصالحة ـــــ حتّى الشكليّة منها ـــــ ضروريّة الآن، علماً بأنّه ما من غزّة في لبنان، وما من إسرائيل كذلك.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 9 مايو، 2011,6:30 م
نظريّة «النخّ»
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤٠٦ الاثنين ٩ أيار ٢٠١١

ثمّة حملة واسعة لوضع ما يجري في سوريا ضمن إطار نظريّة «النخّ».
صاحب التعبير هو بطل «كاسك يا وطن» الذي يتنقّل من شاشة إلى أخرى ليشرّح المحاولات الدؤوبة لإجبار سوريا على «النخّ». الخطير في هذا التعبير الشعبي أنّه يؤسّس لنظريّة متكاملة تجعل من التنازلات لقوى خارجيّة مهيمِنة مرادفاً للرضوخ لتطلّعات الشعب نحو الحرية. هكذا يذوب الفارق بين التظاهرات التي تشهدها الشوارع السوريّة اليوم والطلبات التي حملها ذات مرّة كولن باول. وتصبح وقفة التحدّي التي وقفها النظام السوري آنذاك، هي نفسها الوقفة التي يقفها الآن رافضاً الخضوع لمطالب المتظاهرين. يستدرك أصحاب هذه النظريّة معترفين بوجود مواطنين شرفاء ينزلون إلى الشوارع، لكنّهم من النوع المغرّر به، ولن يلبثوا أن يعودوا إلى رشدهم.
المروّجون لهذه النظريّة كُثُر، وهم لا يقتصرون على المبشّرين السوريّين. ففي خطّ المساندة الخلفيّة، يقف نجوم الشاشة اللبنانيّون، ممّن عُرفوا بقربهم الشديد من النظام السوري، والذين بنوا صورتهم على الدفاع عن الممانعة. هؤلاء لا يتوانون اليوم عن تكريس وجهة تربط بين الممانعة وغياب الديموقراطيّة. ولا يجدون غضاضة في التخفيف من أهميّة النضال في سبيل الحرية، ما داموا يعيشون في لبنان لا في سوريا، أي إنّ واحدهم يمضي أيّامه على الشاشات اللبنانية ينتقد رئيس الجمهورية ويشتم رئيس الحكومة ويدعو إلى سياسات اقتصادية واجتماعية مختلفة، ثمّ ينطّ إلى شاشة سوريّة، أو إلى الحديث عن سوريا على شاشة لبنانيّة، ليساوي بين المطالبين بالحرية والضالعين في المؤامرة على سوريا من أجل حملها على تغيير مواقفها الخارجيّة. كأنّ هؤلاء يرون أنّ أجواء الحرية تليق باللبنانيين فقط، ولا يسع الحرية الانتقال إلى سوريا حيث السلفيّون والمسلّحون والمتآمرون، أو كأنّ الحرية هي من توافه الأمور التي نجدها في بلد اعتاد «النخَّ» كلبنان، لكنّها لا تليق بدول كسوريا، لم تعرف «النخَّ» للأعداء قط.
هكذا يتحوّل أيّ جنوح نحو الديموقراطيّة في سوريا كأنّه «نَخّ» وتخلٍّ عن الكرامة، لا كرامة النظام وحسب، بل كرامة الوطن ككلّ. وتتحوّل الديموقراطية، أو أيّ شكل من أشكال المشاركة في السلطة، دليلَ ضعف لا علامة قوّة. الضعفاء «النخّيخون» هم الذين يحتاجون إلى أحزاب وإعلام مستقلّ وانتخابات، وهم الذين يناقشون في البرلمانات ويتحدّثون في السياسة في الأمكنة العامّة. وكلّ ذلك لزوم ما لا يلزم بالنسبة إلى الأقوياء الذين لا يحتاجون إلا إلى قيادة شامخة.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 5 مايو، 2011,6:36 م
سوريا لبنانيّاً
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤٠٤ الخميس ٥ أيار ٢٠١١

درجت في لبنان، منذ فترة غير قصيرة، موضة التغنّي بحقّ العودة. حقّ العودة للشعب الفلسطيني. وتعلّق بهذا الشعار أكثر اللبنانيّين عنصريّةً ضدّ الفلسطينيّين. وفي مخيّلة هؤلاء، لا تعني المطالبة بحق العودة حقاً أو عودةً. كلّ ما تعنيه خروج الفلسطينيّين من لبنان... ولو إلى جهنّم. وما دامت مجازر تل الزعتر وصبرا وشاتيلا لم تفِ بالغرض، فلا بأس بالعزف على أنشودة حق العودة.
هكذا لم يجد بعض اللبنانيّين تعارضاً بين مناصرة هذا الحق وبين التغنّي بأمجاد قتل الفلسطينيّين إبّان الحرب الأهليّة. ولم يجدوا تناقضاً بين موقفهم من حق العودة وبين رفضهم إعطاء الفلسطينيّين في لبنان أبسط حقوقهم الإنسانيّة. لا بل يمكن القول إنّ رفع راية حق العودة، بالنسبة إلى هؤلاء، كانت تعني بالضبط منع الحقوق المدنيّة عن فلسطينيّي لبنان.
نكاد اليوم نشهد واقعاً شبيهاً، لكن بالنسبة إلى الشعب السوري هذه المرّة. فيمكن القول إنّ المشهد اللبناني المنقسم بين مؤيّد للتظاهرات السوريّة ومعارض لها، هو في الواقع منقسم بين فئتين تتنافسان في عنصريّتهما ضدّ الشعب السوري. فالفئة التي هي ضدّ التظاهرات هي فئة لامبالية بالشعب وحريصة على النظام، والفئة التي هي مع التظاهرات هي فئة لامبالية بالشعب وحاقدة على النظام. الفئة الأولى مستعدّة لوضع كلّ حقوق الشعب السوري ومطالباته بالحريّة في سلّة مهملات، ما دام النظام السوري ممانعاً وداعماً لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق. والفئة الثانية لا ترى من مساوئ هذا النظام إلا سياسته تجاه لبنان، وهي لا تمانع في استبداله بنظام أكثر استبداداً إن اتّبع سياسات خارجيّة مختلفة. الساحات لم تنسَ بعد هتافات جموع هذه الفئة المعادية للسوريّين، ولم يجفّ بعد حبر الشعارات العنصريّة التي رُفعت ضدّ أبناء سوريا.
طبعاً، يحمل هذا التصنيف، كأيّ تصنيف آخر، تعميماً غير منصف لكثيرين. لكنّه تعميم أقرب إلى المشهد العام. ذاك المشهد الذي مرّت عليه «العلاقات الأخويّة» ومرّت عليه «إيه ويلاّ... سوريا اطلعي برّا»، من دون أن يتغيّر أيّ شيء بالنسبة إلى العمّال السوريّين في لبنان، الذين ما زال الجميع يتنافس على حرمانهم من حقوقهم.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 4 مايو، 2011,6:38 م
الخطاب المتواطئ
خالد صاغية
الاخبار العدد ١٤٠٣ الاربعاء ٤ أيار ٢٠١١

ليست الأنظمة العربيّة وحدها، في سوريا وفي ليبيا وفي أماكن أخرى، من يحاول استخدام الرعب من التشدّد الديني كي يقمع الحركات الاعتراضيّة على النظام. ثمّة جيش من المثقّفين والفنّانين ونجوم التلفزيون ممّن يتبرّعون لهذه المهمّة. وهم في العادة أشدّ فعاليّة من النظام نفسه، لكون كلامهم يدّعي الصدور من موقع منزّه عن امتيازات السلطة، ويحمل الكثير من الدلالات الرمزيّة الإيجابيّة في أذهان الناس. لكنّ إصرار هذه «النخبة» على حرف الصراع الحالي عن مساره، عبر اختراع معارك وهميّة أو ثانويّة، يشير إلى مسألة أشدّ عمقاً. فالواقع أنّ الأنظمة التي تضعف أو تسقط اليوم، يتهاوى على ضفافها أيضاً قسم كبير من مثقّفيها المعارضين الذين يحملون في الجوهر خطاب السلطة نفسه. كأنّ هؤلاء حين يدافعون عن الأنظمة، لا يدافعون عن ديكتاتور أو عن بنية تسلّطية، بل يدافعون عن شيء منهم.
يمكن، في هذا السياق، الحديث عن انتشار فجائيّ لخطاب العلمانيّة ومكافحة الفساد. وتأتي المفاجأة من كون هذا الهوى العلمانيّ يهبّ علينا فيما تعيش العلمانية مأزقها في أوروبا نفسها حيث يتأكّد يوماً بعد آخر استحالة صمود «الصفقة» التي عُقدت بين الكنيسة والدولة من دون أن يتعرّض المواطنون المسلمون للتمييز ضدّهم. أمّا اقتحام الفساد للأدبيّات الاقتصاديّة، فلم يكن إلا للتغطية على عجز النماذج التنمويّة السائدة عن الوفاء بوعودها. لكن، في زحمة المأزقين العلماني والتنموي، الاجتماعي والاقتصادي، نجد الأنظمة تعيدهما إلى صدارة المشهد للتغطية على مأزقها السياسي، أي مشاركة المواطنين في السلطة، يعاونها في ذلك ـــــ بتواطؤ غير مقصود غالباً ـــــ مثقّفون يدافعون في الحقيقة عن موقعهم في الحقل.
هكذا يراقب بعض «النخبة» اليوم التظاهرات بريبة شديدة، بحجّة أنّ علمانيّة المتظاهرين مشكوك في أمرها، أو ليست علمانيّة مكتملة. ويعيد آخرون المشكلة الاقتصاديّة في سوريا وغيرها، إلى الفساد وحده، قبل أن تعطى السلطة الحاليّة قدرة عجائبيّة على مكافحة هذا الفساد.
لم يتورّع أدونيس، مثلاً، عن التعالي على تظاهرات «تخرج من الجوامع»، وإن أدان مشكوراً إطلاق الرصاص عليها. وفي تعليق لاحق، قدّم نصحه للطرفين: أن تتخلّى الدولة عن ثقافة الحزب الواحد، وأن يتبنّى المحتجّون برنامجاً واضحاً بشأن «ضرورة قيام مجتمع جديد علماني».
فليعُد المحتجّون إلى البيت إذاً، وليطهّروا أنفسهم من العناصر «المدسوسة» غير العلمانيّة، قبل أن يستحقّوا شرف الصراخ: حريّة... حريّة.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 3 مايو، 2011,6:34 م
لا مكان لبن لادن
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٤٠٢ الثلاثاء ٣ أيار ٢٠١١

يأتي مقتل أسامة بن لادن في هذه اللحظة السياسيّة التي يعيشها العالم العربي ليلقي بظلاله الرمزيّة على المشهد. فبن لادن، وإن قُتل جسديّاً فجر أمس، فإنّ النهاية السياسيّة لتنظيم «القاعدة» لم تأتِ على أيدي قتلة الشيخ أسامة أو بسبب ذاك القتل، بل على أيدي الانتفاضات الشعبيّة العربيّة التي بدأت في تونس ولا تزال مستمرّة في أكثر من بلد عربيّ.
ففي حقبة سابقة، جرى تواطؤ ضمنيّ بين بن لادن وجورج بوش على اختزال الإسلام بالبنلادنيّة، وتواطأت الأنظمة العربيّة والإدارة الأميركيّة في رفع راية «الحرب على الإرهاب». أمّا اليوم، فتحوّل «القاعدة» وإخوته إلى مجرّد «فزّاعة» يلوّح بها ما بقي من الأنظمة من أجل المحافظة على الوضع السائد. قال هذا الكلام صراحةً معمّر القذافي، وقاله مواربةً رؤساء آخرون.
لم يعد بن لادن مفيداً إلا لطرف واحد متهاوٍ، بعدما كان تضخيم حجمه مناسباً لمجموع اللاعبين الكبار. فتنظيم «القاعدة»، رغم استسهاله قتل المدنيّين، لم يلقَ دائماً ردّ فعل نابذاً من قبل الجماهير العربيّة، ولا سيّما الشباب منهم. فقد ملأ التنظيم في فترة معيّنة فراغاً سياسياً هائلاً وسط جبال من القهر. كان أفق التغيير في الداخل مقفلاً، والتدخّل الخارجيّ يزداد فظاظة، فيما كانت الولايات المتّحدة الأميركيّة تحوّل بن لادن ورفاقه من «مقاتلين من أجل الحرية»، بحسب توصيف رونالد ريغان، إلى أشخاص غير مرغوب فيهم، لا في أفغانستان وحدها، بل في العالم كلّه. جرى اختزال كلّ مشاكل الداخل بانهيار الخلافة، وتحويل كلّ مآثم الاستعمار وتعقيدات العلاقة بين الشرق والغرب إلى شيطنة لأميركا. خطاب الفسطاطين التبسيطيّ وجد صداه في الشارع، هنا وهناك، في جبال تورا بورا كما في البيت الأبيض.
لكن، مَن مِن العرب يحتاج إلى قوقعة الفسطاط حين أصبحت كلّ الساحات تهتف لسقوط النظام؟ ومَن مِن الإدارات الأميركيّة تحتاج إلى الحرب على الإسلام أو إلى التخويف منه، فيما الإسلام السياسي شريك أساسيّ في إعادة تشكيل المنطقة؟
تنتهي أسطورة بن لادن في لحظة حاسمة بالنسبة إلى العالم العربي. كان الأجدى بالإدارة الأميركيّة التي تضمّد جراح دُماها في المنطقة ألا تتحدّث بلغة الثأر، وأن تترك الموتى يدفنون موتاهم.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments