الاثنين، 28 فبراير، 2011,12:28 ص
انكسار العنف
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٥٠ الاثنين ٢٨ شباط ٢٠١١

فيما تسيل الدماء في ليبيا، يستمرّ المديح لثورتَيْ تونس ومصر لأنهما نجحتا في إعادة الاعتبار للثورة من دون عنف ثوري. وقد دفع الانبهار بهذه الوصفة الجديدة صحيفة «نيويورك تايمز» إلى نشر مقالات عن التعاليم الغربيّة التي تشرّبها الثوّار العرب كي يقوموا بثورتهم. فالعقل الاستشراقي لا بدّ له من أن يردّ أيّ صحوة للعرب إلى أساس غربي. إن لم تكن الجيوش الأطلسيّة أو الأميركيّة هي التي نجحت في تحرير الشعوب العربيّة، فلا بدّ من التفتيش عن كتيّبات قامت بالمهمّة.
والواقع أنّ الباهر في ثورتَيْ النيل والكرامة ليس عدم استخدام العنف، بل تعريتهما لعنف السلطة. فقد كشفت الثورتان عن لحظة شديدة الروعة. وهي لحظة تبيّن فيها لاجدوى مئات الآلاف من رجال الشرطة، ومئات الآلاف من البنادق والهراوات. فجأة يتبخّر جهاز أُنفقت ملايين الدولارات من أجل بنائه، وأمضت السلطات أعواماً طوالاً في تعزيز قوّته.
اللحظة نفسها كنّا قد اختبرناها في حرب تمّوز 2006. يومها، لم تكن المفاجأة في صمود المقاومة في لبنان وحسب، بل أيضاً في اكتشاف المواطنين العاديّين الجاهلين في الأمور العسكريّة مثلي، أنّ الجبروت العسكري الإسرائيلي وغير الإسرائيلي له حدود، وأنّ قصف الطائرات للمناطق الآمنة يحتاج إلى ذخيرة سرعان ما تنفد من مخازن الأسلحة للجيوش الكبرى.
حدود العنف نفسها ظهرت في العراق، وهذه المرّة من الأبواب الاقتصاديّة. فرغم لجوء الإمبراطوريّة إلى القوّة العسكريّة تعويضاً عن وهنها الاقتصادي، عاد هذا الوهن نفسه ليُسهم في استحالة تنفيذ المهمّة حتّى النهاية.
لم يكن ما حدث في منطقتنا لحظة تمجيد للنضال السلمي، بقدر ما كان انكساراً لشوكة العنف حتّى حين قابله عنف مضادّ. انكسار لأجهزة القمع، وانكسار لأقبية التعذيب، وانكسار لهيبة النظام البوليسي.
كأنّ هذه اللحظة قد فاتت معمّر القذافي. كأنّ ما يجري في ليبيا ينتمي إلى ما قبل تونس وما قبل مصر. كأنّ العنف ما زال يحتفظ بهيبته.
في عيد القيامة، يهتف المصلّون المسيحيّون: «أين غلبتك يا موت؟ أين شوكتك يا جحيم؟». هي هذه الغلبة التي اندثرت، وهذه الشوكة التي انكسرت.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 15 فبراير، 2011,9:49 م
قليلاً من الخجل
خالد صاغية
الأخبار لعدد ١٣٤٠ الثلاثاء ١٥ شباط ٢٠١١

أعاد مهرجان 14 شباط، أمس، ترداد نكتة سمجة مفادها أنّ حركة 14 آذار 2005 قدّمت النموذج الذي اقتدت به ثورتا تونس ومصر. ينتمي ادّعاء كهذا إلى عقدة التفوّق اللبنانيّة المعتادة التي لا يمكنها أن ترى أيّ إيجابيّات في العالم العربي إلا بوصفها نتاج تأثيرات لبنانيّة. فكثير من اللبنانيّين يعدّون أنفسهم رسلاً «متحضّرين» في هذه المنطقة «المتخلّفة»، وتكمن رسالتهم في تصدير إشعاعات النور والحداثة. لكنّ لبنان الذي قدّم إسهامات عديدة للعالم العربي، لا يمكن ثورة أرزه، بهذه الخفّة، أن تقزّم الربيع العربيّ ليصبح على مقاسها. فلمن خانه المنطق، لا بدّ من التذكير بالحقائق الآتية:
أوّلاً، في مصر كما في تونس، أدّى الاعتراض على التوريث دوراً أساسياً في تفجير الغضب الشعبيّ. ومن الصعب لمن يعتقد أنّ رئاسة الحكومة هي إرث من الوالد لا يمكن أن يؤول إلى سواه، أن يدّعي انتماءه إلى الربيع العربي، وخصوصاً حين يكون ابن عمّته الأوّل أميناً عاماً لحزبه، وابن عمّته الثاني مستشاره، وعمّته مرشّحة على لوائحه الانتخابيّة.
ثانياً، في مصر كما في تونس، استطاعت النقابات العمّالية أن تصمد رغم كلّ القمع الذي تعرّضت له على مدى عقود. وقد أدّت هذه النقابات دوراً هائلاً في إنجاح الثورتين اللتين رفعتا شعار الخبز إلى جانب شعار الحرية. فقد كان واضحاً أنّ الاعتراض على السياسات النيوليبراليّة مكوّن أساسيّ من مكوّنات الثورة. لذلك، من الوقاحة أن يدّعي تيّار المستقبل، المعتمد الرئيسي للنيوليبرالية في لبنان، انتماءه إلى الربيع العربي.
ثالثاً، لم تكن السياسات الاقتصاديّة الجائرة بحقّ العامّة وحدها ما أثار الحنق الطبقيّ، لكن أيضاً الفساد واستغلال النفوذ من أجل تكوين الثروات. وفي لبنان، شاركت أطراف عدّة في منظومة الفساد التي لم يكن تيّار المستقبل بعيداً عنها، بل توزّع الغنائم مع حلفائه السابقين في لبنان وسوريا.
رابعاً، إنّ النظام المصري الذي هوى لم يكن داعماً خارجياً لثورة الأرز وحسب، بل كان شريكاً في صياغة قراراتها الكبرى. فؤاد السنيورة يعرف ذلك جيّداً، وامتلك على الأقلّ شجاعة توجيه التحيّة إلى راعيه حسني مبارك.
خامساً، والأهمّ، أنّ الربيع العربيّ فتح أفقاً واسعاً على طريق الحريّة. أمّا ثورة الأرز، فتخيّرنا وفقاً لأحد خطبائها أمس، بين يوحنا بولس الثاني وعلي الخامنئي، أو بين ثنائيّ مروان حمادة/ مي شدياق وثنائيّ رستم غزالي/ جميل السيّد. يا لبؤس هذه الخيارات «الثوريّة».

الأخبار لعدد ١٣٤٠ الثلاثاء ١٥ شباط ٢٠١١
 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 14 فبراير، 2011,9:54 م
عودة الروح إلى «اللغة الخشبيّة»
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٣٩ الاثنين ١٤ شباط ٢٠١١

مع سقوط حسني مبارك، لم يسقط رئيس عربيّ وحسب، بل سقطت معه أيضاً اللامبالاة التي كادت تنخر قلوب جيل بكامله. فمن تفتّح وعيه على آباء أحبطتهم النكسة، وكَوَتهم الحروب الأهليّة، وحاصرتهم الأنظمة الدكتاتوريّة، استسلم سريعاً لغواية العزلة أو لنوع من أنواع العبثيّة أو البحث عن خلاص فرديّ.
لم يكن في المشهد ما يعاكس هذا التوجّه.

الأحزاب في العالم العربي تحوّلت إلى ديناصورات لا تليق إلا للعرض في المتاحف، والنقابات هُشِّمت وضُربت حتّى باتت أشبه بكاريكاتور سخيف عن النضالات العمّاليّة، والمنظّمات غير الحكوميّة رضخت لإغراءات الأموال المربوطة بأجندات محدّدة ومجتزأة وغريبة غالباً عن هموم مجتمعاتها. أمّا شاشات الإنترنت، فمثّلت مخرجاً للاتّصال بالعالم والانفصال عنه في الآن نفسه، حيث بدت الأحداث السياسيّة التي تحصل فعلياً في العالم الحقيقي، كأنّها تحدث في عالم افتراضيّ، أو أنّ النظر إليها عبر العالم الافتراضي يجعل منها أحداثاً غير حقيقيّة. كان ذلك قبل «فايسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب»، قبل أن يتحوّل العالم الافتراضي إلى الوسيلة الوحيدة الممكنة للتواصل الاجتماعي حول قضايا عامّة.
لكنّ العالم العربي المحكوم بالحديد والنار الذي لا تزيده التدخّلات السياسية والعسكرية الغربيّة إلا قهراً، وجدت اللامبالاة السياسيّة فيه سنداً في توجّهات باتت تسيطر على العالم أجمع. فقد أسهمت أدبيّات سياسيّة واقتصاديّة كثيرة في إقناع الأفراد حول العالم بأنّ ما يحدث لهم رهن بإمكاناتهم وطاقاتهم، وبأنّ النظام العالمي يتيح الصعود الاجتماعي، لكن للمستحقّين فحسب. وقلّصت الأدبيّات نفسها من دور الدولة، محمِّلةً المجتمع مسؤوليّة إدارة نفسه، إدارة آلت إلى مجموعة من المحتكرين الذين اختفت هويّاتهم تحت ستار الشركات العملاقة. أمّا ضحايا السوق والمرميّون على ضفافه بلا ضمانات ولا عمل، فلم يجدوا في أحسن الأحوال إلا «بونات» الطعام وجمعيّات خيريّة تحوم حول دور العبادة.
كان لتلك الأدبيّات من يروّجها. وكان للّامبالاة من يشجّعها. والمروّجون والمشجّعون هم من شنّوا حرباً على ما عدّوه «لغة خشبيّة» كي يقنعوا أنفسهم بأنّهم من النخبة الطليعيّة أو من المثقّفين «الكوووول» (cool). لكن، ها هي مصر تردّنا من جديد إلى تلك اللغة الجميلة. فمَن كان يحسب قبل أشهر أنّ كلمة «ثورة» ستعود إلى التداول، وأنّ شعاراً بسيطاً كـ«الشعب يريد إسقاط النظام» سينتهي فعلاً إلى إسقاط النظام؟
لقد أثبتت ثورة مصر أنّ ألسنةً قد يصيبها التخشُّب. أمّا إرادة الشعوب، فكلّ لغاتها حيّة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 11 فبراير، 2011,9:52 م
شباب الإنترنت
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٣٧ الجمعة ١١ شباط ٢٠١١

إذا كانت انتفاضة تونس قد أسهمت في تعجيل انتفاضة مصر، فإنّ ما صنعته انتفاضة مصر يُرجَّح تثميره في البلدان العربيّة الأخرى. وحتّى يحدث ذلك، ينبغي ألا نسقط في تبسيطات من النوع الذي يحجب الوقائع أو يغرقنا في رومنسيّة قد تصعّب عمليّة انتقال الانتفاضة من مكان إلى آخر.
أوّلاً، ثمّة من يستعجل قلب الصفحة من عصر إلى عصر، فيصوّر «مناضلي الكيبورد» كصانعي معجزات في عالم افتراضيّ بإمكانه قلب موازين العالم الواقعيّ في لحظات. فما نسمعه عن «الفايسبوك» و«التويتر» يوحي كما لو أنّ عشرة شباب صرخوا «تْوِيت... تْوِيت» ذات مساء، فتدفّقت الجماهير إلى الشارع تسقط النظام في اليوم التالي. لا شكّ في أنّ لوسائل الاتصال الحديثة دوراً هامّاً في الدعوة الى تظاهرة 25 كانون الثاني/ يناير، وأنّ صفحات «الفايسبوك» التي يديرها بعض الناشطين تحوّلت إلى ما يشبه أحزاباً صغيرة يخوض أعضاؤها نقاشات ويتوصّلون إلى قرارات تُتّخذ بطريقة ديموقراطية. لكنّ الدعوة الإلكترونيّة التي تمكّنت من الالتفاف على الأساليب البوليسيّة التقليديّة للنظام، ما كان لها أن تجذب مئات الآلاف لولا تتويجها لمرحلة حافلة بآلاف التظاهرات التي شهدتها الأعوام الأخيرة في مصر.
ثانياً، ما من حزب في ميدان التحرير يُدعى «شباب الإنترنت». فهؤلاء مختلفون في انتماءاتهم الطبقيّة وأيديولوجيّاتهم السياسيّة ومرجعيّاتهم الثقافيّة، وتكاد لا تجمع بينهم إلا أعمارهم وتجربتهم في السجون (على اختلاف جديّتها) وولعهم بالإنترنت. فمنهم المتعاطفون مع الإسلاميّين، ومنهم الاشتراكيّون، ومنهم الليبراليّون الديموقراطيّون، ومنهم الناقمون على كلّ هذه الاتّجاهات ولا يهمّهم إلا محاسبة النظام.
ثالثاً، لقد سبق تظاهرات ميدان التحرير كسرُ مصر لحاجز عدم الاختلاط بين القوى السياسيّة المختلفة. فقد شهدنا في العقد الأخير، تحرّكات سياسيّة اجتمع فيها إسلاميّون وليبراليّون ويساريّون تحت سقف مطلب رفض التوريث. وهذا الاجتماع ليس بديهيّاً في ظلّ التعنّت الذي تمارسه قوى معارضة عديدة في أكثر من بلد عربيّ، حيث تحول الاختلافات الأيديولوجيّة دون تضافر الجهود. والغريب أنّه كلّما ضعف فصيل من هذه المعارضات، ازداد رفضه لمدّ يده للفصائل الأخرى.
رابعاً، تتجمّع في ميدان التحرير كلّ الفئات العمريّة من الشعب المصري. لكن، حتّى لدى النظر إلى الشباب منهم وحسب، ينبغي عدم توقّع أن يكونوا كلّهم أو معظمهم من «شباب الإنترنت». فبين المتظاهرين الشباب فئة ضخمة من العاطلين من العمل والمهمّشين الذين يسكنون أصلاً في الشارع أو على ضفافه، وهم ممّن أطلق عليهم كارل ماركس تسمية «البروليتاريا الرثّة»، ولم يقدّر، مع الأسف، الطاقة الثوريّة التي يختزنونها. وقد تبارى مثقّفو «ثورات الغوتشي» في هجائهم ذات يوم. هؤلاء المهمّشون يقفون اليوم جنباً إلى جنب مع عمّال مصر الذين سبق أن تحدّوا محاربتهم في لقمة عيشهم ونظّموا مئات التظاهرات العمّاليّة قبل الوصول إلى التظاهرة الأخيرة.
إنّها انتفاضة الإنترنت، طبعاً. لكنّها أكثر من ذلك.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 9 فبراير، 2011,11:16 م
دموع وائل غنيم
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٣٦ الاربعاء ٩ شباط ٢٠١١

مع إطلاق سراح الناشط المصري وائل غنيم، باتت أمامنا صورة جزئيّة عن «مناضلي الكيبورد» الذين صنعوا ثورة مصر. صحيح أنّ نموذج وائل ورفاقه لا يمكن تعميمه على المواطنين المصريّين المتجمّعين في ميدان التحرير، لكنّه يقدّم لمحة عن الشباب الذين كانوا، على الأقلّ، وراء إنجاح الدعوة إلى التظاهرات.
ظهر وائل في صورة «الأنتي ـــــ بطل»: في هروبه من العدسات لحظة إطلاق سراحه، في مظهره الخارجي، في عدم رغبته بادّعاء أيّ دور: «أنا كنت زمّارة»، أو أيّ سلطة: «نِفسي ما حدّش يعرف أنا ابن مين»، وهو الذي اعتاد العمل خلف الأضواء، من وراء شاشة الكمبيوتر. بكى أكثر من مرّة أمام الكاميرا، ولم يتردّد في مغادرة البرنامج التلفزيوني حين فقد السيطرة على عواطفه. قال ببساطة: «أنا عايز امشي»، ثمّ غادر الاستوديو على الهواء.
ثوّار الإنترنت لم يعلنوا انتهاء نوع من الأنظمة في منطقتنا وحسب، بل أعلنوا أيضاً بداية عصر جديد من المناضلين. مناضلون لا يشبهون الصورة النمطيّة عن الثوّار. فهم ليسوا «تقدّميّين» بالمعنى الذي ساد في العقود السابقة، بل يحملون الكثير من حسّ الناس ومن احترام التقاليد الاجتماعيّة. ولمّا لم يكن السلاح والعضلات جزءاً من عدّتهم، فإنّ منسوب الذكوريّة والشوفينية منخفض لديهم. ولعلّ علاقتهم بالكمبيوتر تجعلهم أقلّ ميلاً إلى «البهْوَرة» وأكثر التصاقاً بما هو حقيقيّ. وفقر المفردات لديهم لا يحجب وضوح الرؤية. فأهداف الثورة، وفقاً لغنيم، هي ثلاثة: إعادة الكرامة إلى المصريّين، محاربة كلّ أشكال الفساد، وإعادة الانتماء الوطني للشباب المصريّ. وما يجب الابتعاد عنه في هذه المرحلة هو ثلاثة أمور أيضاً: تصفية الحسابات، تقسيم الحصص، وفرض الأيديولوجيّات.
لا أحد يعرف كم يمكن ثورة من هذا النوع أن تصمد. وإن صمدت، فأيّ سلطة ستنجم عنها. ولا أحد يعرف من أيّ جهة قد يتعرّض هؤلاء الشباب للخيانة. لكنّ المؤكّد أنّنا أمام ثورة لا تشبه في شيء الصورة اللبنانيّة عنها. مشهد لقاء الأحزاب الداعم من بيروت لما يجري في مصر، مثير للشفقة حقاً. أمّا تجرّؤ أحد الخطباء على مقارنة ثورة أولئك الشباب بما جرى في بيروت من إزاحة للحريري وتنصيب لميقاتي في رئاسة الوزراء، فمثير للاشمئزاز، لا الشفقة وحسب.

الديكتاتوريات العربـية بداية النهاية

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 8 فبراير، 2011,11:17 م
الفيلم الذي انتظره عمر أميرلاي
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٣٥ الثلاثاء ٨ شباط ٢٠١
١

قد يكون آخر ما شاهده عمر أميرلاي قبل أن يطفئ عينيه، هو قناة «الجزيرة». بثّ حيّ من ميدان التحرير حيث يمضي شباب مصر في ثورتهم. إنّه الفيلم الذي لطالما انتظره المخرج السوريّ، وها هو الآن أمامه على الشاشة الصغيرة، وبتوقيع سينمائيّين مجهولين.
ربما كان عمر أميرلاي قد اطمأنّ إلى أنّ نضاله من أجل الديموقراطيّة في العالم العربي لم يذهب مع الريح، وأنّ خيبات جيله بدأت تثمر أحلاماً تجد طريقها إلى التحقّق في تونس ومصر... وأنّ أيّ بلد عربي، بما في ذلك وطنه سوريا، لا يمكنه أن يستمرّ بالطريقة نفسها.

ربّما أدرك عمر أميرلاي أنّ هناك زمناً قد انتهى، وأنّه بات بإمكانه أن يراقب من بعيد زمناً آخر ليس في الواقع بعيداً منه. فلا أحد يعرف كم من شباب الميدان قد شاهدوا الحوار الأخير بين أميرلاي وسعد الله ونّوس. كم منهم مزّقه صوت قطرات المياه المتقطّعة، وهي تنزل من حنفيّة الانتظار في ذاك الفيلم. كم منهم التقط لحظات السخرية من السلطة والمال حين يجتمعان معاً. كم منهم التمس مرارة «الطوفان»... لكنّ المؤكّد أنّ قلباً ما يجمع بين تلك الأفلام والفيلم المصريّ الطويل. قلب لا يشعر بنبضه إلا من استطاع أن يكون سوريّاً ولبنانيّاً وفلسطينيّاً وعربياً في الآن نفسه، رغم كلّ مآزق الأخوّة وانتكاساتها.
كان ذلك في شهر شباط أيضاً. الصقيع يجتاح مدينة نيويورك. وكنتُ كالآلاف من العرب والأميركيّين أستعدّ للمشاركة في التظاهرات التي جابت معظم مُدن العالم احتجاجاً على الحرب في العراق. وفي ذلك الصباح نفسه، صدرت صحيفة «نيويورك تايمز» بموضوع رئيسيّ عن تلك الحرب والنظرة إليها في الشرق الأوسط. وكان أميرلاي إحدى الشخصيات التي تحدّث إليها كاتب المقال. يومها، صرّح المخرج السوري الراحل بأنّ سقوط تمثال صدّام حسين بعث في قلبه الأمل بزوال الديكتاتوريّات في المنطقة. شعرت عندها بألم عميق. وقرّرت أن أسير في التظاهرة بتصميم أكبر. لكنّ صوت عُمر لم يفارقني حتّى الساعة، مذكّراً إيّاي بأنّ المسألة قد تكون أعقد من الصراخ ضدّ الإمبرياليّة.
بعد سنوات، مازحت عروة، وهو أحد أصدقاء عمر ومن تلامذته، قائلاً: إنّ الحريّة مبالغ في أهميّتها. فابتسم ابتسامة خبث لا تعثر عليه إلا لدى من أدْمَن أفلام أميرلاي، وقال: حقاً، الحريّة مبالغ في أهميّتها، وخصوصاً في أعين المتمتّعين بها.

الديكتاتوريات العربـية بداية النهاية

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 7 فبراير، 2011,11:21 م
على هامش الثورة
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٣٤ الاثنين ٧ شباط ٢٠١١

يُخشى على ثورة النيل من الخيانة. يخشى على الشباب أن يخونهم التعب وهم يسكنون العراء. يخشى على الثورة إن ضعفت أحزاب المعارضة، وأغراها أن تدّعي مصادرة الثورة لتنهش حصّة في النظام. يخشى على الثورة أن تنتقل عدوى الجنون من القصر الرئاسي إلى مؤسّسة الجيش. ويخشى عليها أخيراً من ادّعاءات «النُّخَب» العربيّة التي تثبت يوماً بعد آخر أنّ مساندتها لمعركة الحريات والديموقراطية ليست إلا مساندة مشروطة. مساندة من نوع تأييد الحرية للشعب، شرط أن يعيد ذاك الشعب تشكيل نفسه بما يتلاءم وصورة تلك النُّخب عنه.
فمن جهة، هناك من لا يرى في ما يحدث في مصر إلا احتمال إسقاط اتفاق كامب دايفيد. وكلّ التصفيق الذي يقوم به لا علاقة له بالحرية التي سيحصل عليها الشعب المصري بقدر ما هو تصفيق لأجندة وطنيّة قد يقوم بها نظام جديد لا يلبّي بالضرورة أيّ شرط من شروط الديموقراطية.
ومن جهة أخرى، هناك الليبراليون الجدد الذين فضحت حرب العراق جزءاً منهم، وها هي ثورة مصر تفضح الجزء الآخر. هؤلاء يصفّقون أيضاً، لكنّهم يفعلون ذلك بحذر. فهم يؤيّدون الثورة شرط ألا يصل الإسلاميّون إلى السلطة. وهم يؤيّدون الثورة شرط عدم المسّ بالمعادلات الاستراتيجيّة وبدور مصر في الشرق الأوسط كما أرساه أنور السادات ورسّخه حسني مبارك. إنّهم، ببساطة، يؤيّدون الثورة ما دام بإمكانهم تقديمها على صورتهم ومثالهم، أي ثورة ليبراليّة. ولا عجب، والحال كذلك، في أنّ بعض المثقّفين العرب سارعوا إلى مصادرة الثورة وتحميلها ما لم تدّعِه.
لقد أثبتت هذه «النخب» أنّ الدفاع عن أجنداتها الخاصّة يعلو فوق أيّ حرية قد ينالها الشعب المصري. وقد ساءهم أن تكون الجماهير التي لطالما احتقروها هي التي تغيّر الآن وجه مصر. وساءهم أنّ العروبة التي أمضوا أعواماً طويلة في نعيها، هي التي تسهّل انتقال الثورة من تونس إلى مصر، ومن مصر إلى دول عربيّة أخرى يتسابق حكّامها اليوم على تجميل صورتهم.
شعب مصر يصنع بأياديه حاضره ومستقبله. يعيد رسم صورته كما يهواها. وهو حين يفعل ذلك لا يبدي ضيقاً من نظامه الحاكم وحسب، بل أيضاً من النخب المستلقية على ضفافه.

الديكتاتوريات العربـية بداية النهاية

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 4 فبراير، 2011,5:31 م
الحكّام خائفون
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٣٢ الجمعة ٤ شباط ٢٠١١

بدأ الحكّام العرب، جميع الحكّام العرب، يتلمّسون رؤوسهم. فما حدث في تونس كان يمكن أن يبقى في تونس. أمّا ما يحدث في مصر، فستحمله مياه النيل إلى كل الصحارى المحيطة. الحكّام العرب يعرفون ذلك تماماً. لذلك، برغم أحقادهم المتبادلة، لا نسمع همسة شماتة واحدة بحسني مبارك. فمبارك اليوم ليس رئيس مصر. إنّه الحصن الأخير للديكتاتوريّة العربيّة. ولأنّ الحكّام العرب يعرفون ذلك تماماً، بدأوا بإغداق الوعود على شعوبهم: رفع حالات الطوارئ المستمرّة منذ عقود في أكثر من مكان، التراجع عن فكرة التمديد والتوريث، إقالة حكومات، وقرارات اقتصاديّة تصبّ في خانة تخفيف الأعباء عن عامّة الناس.
لكنّ الغريب أنّ إجراءات كهذه بدأ يُطلَق عليها اسم «تنازلات». وكأنّ الحكّام يتخلّون عن حقوق لهم، فيما هم، في الواقع، يعيدون إلى الناس بعض ما اغتصبوه منهم. هذا ليس تنازلاً. هذا تخلٍّ قسريّ عن صلاحيّات مصادرة، وتوقّف قسريّ عن ارتكاب بعض الجرائم. الحكام الخائفون من ملايين ميدان التحرير والسويس والإسكندريّة يميلون إلى الانحناء قليلاً أمام العاصفة حتّى لا تقتلعهم من جذورهم. هذا ليس تنازلاً. إنّه بعض الخوف الذي شرّبوه لشعوبهم. فليتذوّقوا من مرارته قليلاً.
متعة التفرّج على ما يجري في مصر متعتان. متعة يبثّها مشهد الجماهير الغاضبة والصامدة، ومتعة تخيّل مشهد الحكّام المرعوبين داخل قصورهم، والذين ينتظرون بلا حول ولا قوّة موعد هبوب انتفاضة شعبيّة في وجههم. موعد لا تفيد في تأخيره وسائل القمع التقليديّة التي وقفت عاجزة عن تأخير لحظة الحقيقة في القاهرة وتونس.
لحظة التفاؤل هذه يعوقها أمران. فالخوف قد يتحوّل هوساً، فيحضر القمع كلّما اجتمع اثنان على فنجان قهوة مخافة تحوّل اجتماعهما إلى انتفاضة. أمّا الأمر الثاني، فهو ما بدأ يظهر منذ أعوام لدى بعض أنصار الحرية والحداثة في العالم العربي، والذين بات يربط تحالف موضوعيّ بينهم وبين حكّامهم مخافة وصول تيّار «رجعيّ» إلى السلطة. فالديكتاتور، بالنسبة إليهم، يبقى من اللاهثين وراء الغرب، والمنفّذ الأمين للوصفات الاقتصاديّة الدوليّة، وحارساً لدولة مركزيّة قويّة، وإن ربط الكثير من مؤسّساتها بشخصه.
الثورة حين تأتي، لن تكنس الحكّام وحسب، بل أذنابهم أيضاً.

الديكتاتوريات العربـية بداية النهاية

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 3 فبراير، 2011,5:33 م
من الديكتاتوريّة إلى الجنون
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٣١ الخميس ٣ شباط ٢٠١١

حاولوا إطفاء الأنوار، أمس، في ميدان التحرير، فثمّة ما ينبغي القيام به في الظلام. على الدماء أن تسيل من دون أن يراها أحد. وعلى الصمت أن يسود من دون أن يسمعه أحد.
ليست المرّة الأولى التي يتغذّى فيها النظام المصريّ من دماء شعبه. وليست المرّة الأولى التي يمارَس فيها العنف ضدّ المصريّين. الفارق هو أنّ السلطة حين تصبح عاريةً، يصبح عنفها عارياً. تماماً كما انتقلنا من القوانين الانتخابيّة المجحفة إلى التزوير الانتخابي، ومن الاستغلال الاقتصاديّ إلى النهب المنظّم، ها نحن ننتقل من اللباس الرسميّ للشرطة إلى البلطجيّة والخيول والجِمال والعصيّ والسكاكين والمولوتوف.
وكلّما نظر الرئيس إلى نفسه في المرآة ووجد أنّه يتحوّل أكثر فأكثر إلى مومياء محنّطة، سيزداد لجوؤه إلى العنف. وهو عنف لن توجَّه سهامه إلى المتظاهرين وحسب، بل إلى التاريخ المصري برمّته. والمحاولات المتكرّرة لحرق المتحف ونهبه تشهد على ذلك. فلا يتحمّل الرئيس وجوداً لمصر من دونه، ولا يتحمّل تاريخاً لمصر لا يمجّده. بدا ذلك هاجس حسني مبارك الأوّل في خطابه الليليّ أوّل من أمس. ولعلّ اللعبة الأشدّ خطورة تبدأ حين يقترح الفرد على نفسه مواجهة مع التاريخ.
انتقل مبارك إذاً من مرحلة الديكتاتوريّة إلى مرحلة الجنون. على أحد ما أن يوقفه عند حدّه. أن يتقدّم لينفّذ سيناريو زين العابدين بن علي مثلاً. يدخل إلى مكتب الرئيس ويبلغه: انتهت اللعبة، هذه تذكرة سفرك إلى المملكة العربية السعودية.
وفي الانتظار، يمكن الاستمتاع بمراقبة الناطقين باسم الإدارة الأميركيّة يكدّون عرقاً كلّما خرجوا للتحدّث أمام الصحافيّين. يستخدمون جميع أنواع العبارات التي تعني الشيء ونقيضه، والتي تسير على حبال الكلمات الحذرة. لكنّ الموقف تحوّل فكاهياً أخيراً. فوزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون طالبت بمحاسبة المسؤولين عن العنف.
ربّما كان الصمت الأميركي أجدى. فقد أعاد الشعبان التونسيّ والمصريّ تذكيرنا بأنّ الديموقراطيّة تحقّقها انتفاضات الشعوب. والمتظاهرون المصريّون يعرفون كيف يوقفون جنون مبارك. فرغم كلّ شيء، ما زالوا صامدين في ميدان التحرير وفي ميادين أخرى. وأصواتهم بدأت تملأ العالم العربي، «من مستنقع الشرق إلى شرق جديد».

الديكتاتوريات العربـية بداية النهاية

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 1 فبراير، 2011,12:12 ص
ليست ثورة ملوّنة
خالد صاغية
الأخبار العدد ١٣٢٩ الثلاثاء ١ شباط ٢٠١١

قبل أن ينجح أحد من داخل مصر في مصادرة التحرّكات الشعبيّة، بدأت أصوات خارجيّة، عربيّة وغربيّة، تعمل من أجل مصادرة كهذه. افتتح الحفلةَ إليوت أبرامز في الـ«واشنطن بوست» السبت الفائت، ولحقت به تنويعات لبنانيّة وعربيّة تعزف على الوتر نفسه. بخفّة مطلقة، كتب أبرامز ليقول إنّ الاحتجاجات المصريّة تثبت أنّ جورج بوش كان محقّاً بشأن الحريّة في العالم العربي. وبتزوير فاضح، يتجاهل أبرامز أنّ المسألة الأساس بالنسبة إلى المحافظين الجُدد لم تكن يوماً توق العرب إلى الحريّة. العرب كانوا خارج النقاش الذي تمحور دائماً حول الوسيلة الفضلى لضمان أمن الولايات المتّحدة الأميركيّة، وما إذا كان شنّ الحروب باسم نشر الديموقراطيّة يجعل من الأمبراطوريّة مكاناً أكثر أماناً.
أبرامز وشلّته من المحافظين الجدد والليبراليّين العرب الجدد لم يكافحوا نظريّة الاستثناء العربي، بل روّجوا لها، معتبرين أنّ العرب لا يستطيعون التقدّم نحو الحرية إلا بدفع من القوى الغربيّة، وذلك بسبب عجز العرب وثقافة الاستبداد التي يستبطنونها. وكان أبرامز وشلّته يشعرون بالراحة لإيمانهم بهذا الاستثناء. فالحريّة لن تزهر إلا حيث يشاء السيّد الأميركيّ. ولا بأس بديموقراطيّة أقلّ حين تعني إسلاميّين أقلّ، وحين تعني عداءً لإسرائيل أقلّ.
ليس سرّاً أنّ أميركا لم تدعم ثورات ملوّنة في العالم العربي. فسرعان ما اكتشف بوش وفريقه أنّ أيّ دَمَقْرَطة في أيّ دولة عربيّة لن تكون لمصلحة مزيد من التعاون مع الولايات المتّحدة في المجالات الأمنيّة والعسكريّة والسياسيّة. فالشعوب العربيّة، إجمالاً، ترى في أميركا الحليف الأوّل لإسرائيل. والشعوب العربيّة، إجمالاً، ما زالت تعارض تطبيع العلاقات مع إسرائيل. والشعوب العربيّة، إجمالاً، ما زالت تدعم المقاومة ضدّ إسرائيل حين تستطيع إلى ذلك سبيلاً. وهذا موقف سياسيّ أساساً، بصرف النظر عن أيّ موقف ثقافي من «الغرب»، وأيّ موقف تشكيكيّ في الحداثة.
الثورة الملوّنة الوحيدة عربياً وقعت في لبنان، تحديداً لأنّ فئة من اللبنانيّين التقت مصالحها في لحظة معيّنة مع الإدارة الأميركيّة التي أرادت استخدام الساحة اللبنانيّة كورقة ضغط على سوريا آنذاك، ثمّ للتفاوض مع إيران لاحقاً، ولإراحة إسرائيل في جميع الأحوال. لم تلقَ ثورة الأرز دعماً أميركياً لكونها تدافع عن الحريّة والاستقلال، كما يدّعي أبرامز. لكنّ الأخير معذور في الخلط بين تلك «الثورة الملوّنة» وثورة أبناء النيل. أمّا المثيرون للشفقة، فهم أولئك الذين يعلنون باسم 14 آذار أبوّتهم ووصايتهم على الثوّار المصريّين، فيما ترتعد فرائصهم لرحيل حسني مبارك.

الديكتاتوريات العربـية بداية النهاية

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments