الجمعة، 10 ديسمبر، 2010,5:58 م
القراصنة الأحرار

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٩ كانون الأول ٢٠١٠


بدأ الهجوم المضاد. ما إن أُوقِف مؤسِّس موقع «ويكيليكس» جوليان أسانج، حتّى انطلقت الحرب الإلكترونيّة. هجوم على موقع محامي الفتاتين اللتين ادّعتا على أسانج بتهمة «الاغتصاب والاعتداء الجنسي»... الموقع الإلكتروني للنيابة السويدية لم يسلم من الهجوم... شركة الخدمات الماليّة السويسريّة دفعت ثمن إغلاقها حساب أسانج... بطاقات الدفع «ماستركارد» تعطّل موقعها بعدما كانت قد جمّدت كلّ التعاملات مع بطل «ويكيليكس»...
خطوة متقدّمة للناشطين الإلكترونيّين الذين اقتحموا منذ قرابة العقد الحلبة السياسيّة. رسائل إلكترونيّة تنظّم تظاهرات... جمل قصيرة على موقع «تويتر» تخرق الحصار الإعلامي... مجموعات ضغط تتألّف على «فايسبوك»، وما يشبه المناشير الإلكترونيّة يوزَّع على الموقع نفسه بكبسة زر واحدة. كرة الثلج تكبر. الزمن لم يعد زمن «الضبّاط الأحرار». إنّه زمن «القراصنة الأحرار». مراهقون بدأوا بالتطفّل على النظام العام، قبل أن يحلموا ذات يوم بإزعاجه، وصولاً إلى شنّ الحرب عليه.
منذ الثمانينيات، وتحديداً بعد فشل تجربة فرانسوا ميتران في تقديم نموذج اشتراكيّ مختلف بعدما انكشفت فظائع «الغولاغ» السوفياتي، أدرك العالم أنّ الدول، سواء بمفردها أو عبر إقامة تجمّعات إقليميّة، ما عاد بمقدورها أن تمثّل ردّاً على ذاك الوحش المدعوّ أمبراطوريّة. وما إن راجت أهزوجة المجتمع المدني والمنظّمات غير الحكومية، حتّى انتهى معظمها سريعاً أذرعاً للأمبراطوريّة لا تحدّياً لها. فتعلّق اليساريّون بالمجموعات، لا الأنظمة، المقاومة. وإذ مثّل الوجه الخفيّ لـ«السابكوماندانتي» ماركوس في أقاصي المكسيك أيقونة معاصرة لـ«الكوماندانتي» تشي غيفارا، بدأت حركات المقاومة تظهر في أكثر من بقعة جغرافيّة. حركات تفاوتت في مستوى فاعليّتها، لكنّها افتقرت أساساً إلى أيديولوجيا جذّابة.
لا يمكن فصل الحرب الإلكترونيّة عن هذا السياق. وهي حرب لا تحتاج إلى عقيدة. حرب تستلهم مقولة يساريّة قديمة: ابحث عن مواطن السلطة، واضربها. لذلك، لم تكن الصدفة وحدها ما جعل تلك التسريبات تطال سفارات الولايات المتّحدة تحديداً. وهي ليست سفارات بقدر ما هي عين ساهرة حتّى يسير كلّ ما على هذا الكوكب وفقاً لمشيئة الأمبراطوريّة. ولم تكن صدفة أيضاً أن يعد جوليان أسانج بوثائق جديدة تطال المصارف الكبرى هذه المرّة. وهي ليست مصارف بقدر ما هي قنوات لإعادة توزيع الثروة بالمقلوب.
آن لهذا «المقلوب» أن يقف على رجليه. الحرب الإلكترونيّة لا تزال في بداياتها. «ويكيليكس» ليست إلا محطّة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 7 ديسمبر، 2010,6:02 م
«أنا أكره التسريبات»

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٧ كانون الأول ٢٠١٠

ذات يوم من أيّام هذه المنطقة التعيسة، وبعدما كان الجيش الأميركي قد اجتاح العراق، وجد بول وولفويتز (هل من يذكره؟) منسوباً كافياً من الوقاحة كي يقول: مشكلة العراق هي في الأجانب الذين باتوا على أرضه. طبعاً، لم يكن وولفويتز يقصد الغزاة الأميركيين. فهؤلاء ليسوا بالأجانب. إنّهم أهل الدار، ومحرّروها، وبناة مستقبلها.
مرّت زلّة لسان وولفويتز مرور الكرام. لا بل بات تقديره للمشكلة في العراق لازمة تتردّد على ألسنة معظم قادة المنطقة وكثير من محلّليها السياسيّين الذين لم يجدوا في الاحتلال مشكلة، وراحوا يلقون اللوم على تدخّلات الدول المحيطة بالعراق، والمقاتلين العرب الوافدين إليه.
fرغم كلّ الويلات التي جرّتها حرب العراق على بلاد ما بين النهرين وعلى الولايات المتّحدة نفسها، يبدو أنّ المنطق الأميركي لم يتغيّر. فبعد الفضائح (وهي لا تزال في بداياتها) التي كشفها موقع «ويكيليكس»، لم تجد السفيرة الأميركيّة الجديدة في لبنان مورا كونيلي ما تعتذر عنه أو توضحه، بل خرجت بعد لقاء برئيس الحكومة اللبنانيّة لتعلن أنّ «تسريبات موقع «ويكيليكس» تخدم «زيادة منسوب التوتّر» في لبنان». ذلك أنّ هذه التسريبات هي «غير شرعية وغير مسؤولة»، وترمي إلى «تسجيل نقاط سياسية».
ليست التدخّلات الأميركيّة في لبنان ما يرفع منسوب التوتّر إذاً. ليست الوشايات والنصائح والاقتراحات والمؤامرات التي تحاك داخل أروقة السفارة ما يرفع منسوب التوتّر. ليس تحريض فئة من اللبنانيين ضدّ أخرى ما يرفع منسوب التوتّر. ليس استخدام لبنان كمختبر للشرق الأوسط الجديد ما يرفع منسوب التوتّر. ليس تلقّي النصائح بخصوص حرب إسرائيلية جديدة على لبنان ما يرفع منسوب التوتّر. باختصار، ليس ما تتضمّنه تلك الوثائق ما ينبغي أن يتوقّف، بل تسريب الوثائق أو نشرها هو الذي ينبغي أن يتوقّف.
لكن هل يمكن أن يلوم المرء السيّدة كونيلي؟ لا بدّ أنّها تشعر بالملل في عوكر. فبعد «ويكيليكس»، تناقص عدد الزوّار، وتناقص كلامهم بالتأكيد. لقد وعدها جيفري فيلتمان بإقامة مفعمة بالتسلية والمتعة في لبنان، فجاءت التسريبات لتقضي على آمالها. ماذا ستكتب في تقاريرها بعد اليوم؟ بإمكانها أن تروي حكاية السنافر، وأن تصرخ كأيّ سنفور غضبان: أنا أكره التسريبات.



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 6 ديسمبر، 2010,5:59 م
مرّ ــ ليكس

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٦ كانون الأول ٢٠١٠

أهلاً وسهلاً بوزير الدفاع الوطني إلياس المر في عالم ويكيليكس. إنّه ليس عالم الخيال حتماً، لكنّه ليس العالم الحقيقيّ أيضاً. إنّه العالم الذي يثبت، في حقيقة الأمر، أنّه ما من عالم حقيقي. فدُرَر وزير الدفاع التي لا تكشف عن نفسها إلا داخل أروقة السفارة الأميركيّة، تكشف لنا أنّ ما من وزير، وما من دفاع، وما من وطن، وما من جيش، وما من عدوّ، وما من بشر حتّى. وحده «دون كيشوت» يبدو حقيقيّاً، وكذلك عبدة الشيطان، وشياطين الشبكة العنكبوتيّة.
أهلاً وسهلاً بوزير الدفاع الوطني إلياس المر في عالم ويكيليكس حيث الجيوش لا تحتاج إلى أسلحة ضدّ الأعداء، وحيث الحرب التي يشنّها العدوّ «ليست حربنا». هناك حيث الهدف تحييد الجيش بدلاً من إعداده، تمهيداً للمهمّة الكبرى: مكافحة الإرهاب.
أهلاً وسهلاً بوزير الدفاع الوطني الياس المر في عالم ويكيليكس حيث الشهيّة مفتوحة أبداً لتكرار ما جرى في مخيّم نهر البارد. لا بل يمكن استشفاف ما يشبه الوشاية ضدّ المخيّمات الفلسطينيّة، وخصوصاً مخيّم عين الحلوة، الذي وُصف بأنّه «أكبر تجمّع للمجموعات الإرهابيّة في الشرق الأوسط»، والذي اكتشفنا، بحسب الوثائق، أنه يعاني مشكلة هي أنّ جيرانه متآلفون معه!
أهلاً وسهلاً بوزير الدفاع الوطني إلياس المر في عالم ويكيليكس حيث الجيش، وفقاً للنظرية المرّيّة، مجرّد قناة قد تتيح لأفراد مسيحيّين تفجير مكبوتهم الطائفي ضدّ المسلمين. فبحسب التشريح الطائفي للجيش، وهي خدمة مجانية يقدّمها وزراء الدفاع عادةً إلى سفراء الدول الكبرى، ينبغي إنشاء قوّات خاصّة من المسيحيّين حصراً، لكون المسيحيّين «مثاليّين» لتنفيذ مهمّة مقاتلة الإرهابيّين الشيعة أو السنّة.
أهلاً وسهلاً بوزير الدفاع الوطني إلياس المر في عالم ويكيليكس حيث التقسيم الطائفي يقرع أبواب العنصريّة. فالشيعة في الجيش، بحسب شهادة وزير الدفاع أمام مندوبة الإمبراطوريّة، هم مصدر تهديد محتمل. وهم، بعكس زملائهم المسيحيّين، يلتحقون بالجيش «من أجل الراتب والطعام». أغمضوا أعينكم وتخيّلوا ضابطاً أو عنصراً في الجيش اللبناني، صودف أنّ طائفته شيعيّة، يفتح عينيه صباحاً على تصريحات كهذه، يتفوّه بها من يملك السلطة السياسيّة على الجيش.
أهلاً وسهلاً بوزير الدفاع الوطني إلياس المر في عالم ويكيليكس. إنّه ليس عالم الخيال حتماً. لكنّه العالم الذي يثبت أنّ الخديعة التي كنّا نحسب أنّنا نعيش فيها ليست تماماً هي الخديعة.

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments