الاثنين، 22 نوفمبر، 2010,11:11 م
إنّه الموسم

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٢٢ تشرين الثاني ٢٠١٠


إنّه الموسم. فليحمل كلّ لبنانيّ ما في جعبته من أفكار فريدة، وليضعها في إعلان متلفز أو في ملصقات تعلّق على جدران المدينة. وفيما سيقدّم الجيش اللبناني كالعادة استعراض أكل الحيّات، سيثبت اللبنانيّون أنّهم مهتمّون بأكل رأس الحيّة وحسب. فهنا مؤسّسة تربط بين الاستقلال وبين استمرارها في نهب أموال اللبنانيّين. وهناك من لا يخجل في استدعاء الحنين إلى زمن الليرة اللبنانيّة، علماً أنّه كان شريكاً في سياسات القضاء عليها. وبعد الفوز بأكبر عَلَم وأكبر صحن حمّص وأكبر صحن تبّولة، ثمّة من ينبش الأرشيف على الشاشات بحثاً عن عبقريّ لبنانيّ منسيّ من هنا، وعن عنزة لبنانيّة تمكّنت من الطيران من هناك.
إنّه الموسم. وفي هذه المناسبة، سأخرج من خزانتي بعض الجوارب المثقوبة وأرفعها على عصا لأصنع منها علماً. فهذا علم يليق بشعار «8 + 14 = 22» الذي بات يملأ الشوارع. كأنّ رافعه يعدنا بعام آخر من هذين التكتّلين اللذين لم يؤدِّ التعايش بينهما إلا إلى مزيد من الشلل. كأنْ لا مشكلة في 8، ولا مشكلة في 14. كلّ ما نحتاج إليه هو آليّة الجمع بينهما. وهو جمع لا يمكن أن يجري إلّا على حساب الاستقلال. أليس هذا هو جوهر الـ«سين ـــــ سين» التي لا نملك إلا انتظار غيثها عاجزين ومسلّمين بقضاء اللّه ورسله؟
إنّه الموسم. الأعلام اللبنانيّة تنتشر في كلّ مكان. وفيما تهفّ لها القلوب وتشخص لها العيون وتصفّق لها الأكفّ، على ما جاء في خطاب رئيس الجمهوريّة في ذكرى الاستقلال، يستمرّ حرمان أبناء الأمّهات اللبنانيّات جنسيّة بلاد الأرز. وتستمرّ المضاربات العقاريّة في طرد اللبنانيّين من المدن. وتمضي الكسّارات في قضم جبال لبنان «اللي ما بتنطال». ويستمرّ وحش الاستثمار في هدم البيوت التراثيّة اللبنانيّة. وكلّ ذلك بمباركة من 8 ومن 14 ومن 22.
ولمناسبة التلاحم بين الجيش والشعب والمقاومة، يرسل إليكم أهل نهر البارد تحيّاتهم، ويذكّرون بأنّهم لا يزالون في انتظار إعمار المخيّم الذي نجحت الدولة في تدميره عَرَضاً فيما كانت تكافح الإرهاب.
ورد الآن: الأمير عبد العزيز بن عبد اللّه في دمشق. كلّ استقلال وأنتم بخير.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 12 نوفمبر، 2010,11:49 ص
الدولة ثمّ الدولة

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ١٢ تشرين الثاني ٢٠١٠


في الخطاب الرسمي لـ14 آذار، يطلب هذا الفريق من اللبنانيّين أن يتناسوا كلّ الخصوصيّات المتعلّقة بوضع لبنان في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة، وبوضع الجنوب المعرّض في أيّ لحظة لحرب إسرائيليّة، ووضع الأراضي اللبنانية التي لا تزال إسرائيل تحتلها، ووضع الجيش اللبناني الذي لا يجد من يقدّم له مساعدات عسكريّة نوعيّة... المطلوب إهمال كلّ ذلك مقابل التمسّك بمبدأ «احتكار العنف» كما عرفته وطبّقته دول غربيّة كثيرة. وفقاً لـ14 آذار، هذا هو باب العبور إلى الدولة الذي لا يمكن استبداله بأيّ شبّاك، حتّى ولو كان شبّاك المقاومة أو الدفاع عن لبنان. الدولة، ثمّ الدولة، ثمّ الدولة. هكذا يمكن اختصار أدبيّات «ثورة الأرز».
يمكن أيّ لبنانيّ ساذج أن يصدّق هذا الشعار، وأن ينتمي لفريق «انتفاضة الاستقلال»، وخصوصاً أنّ اللبنانيّين عانوا كثيراً ـــــ ولا يزالون ـــــ من غياب الدولة. اللبنانيّ الساذج نفسه مستعدّ لغضّ الطرف عن قادة الميليشيات الذين بنوا مجدهم على أنقاض الدولة، والذين يبشّرون بها الآن فوق جثث ضحايا الحرب الأهليّة ودموع أهالي المخطوفين الذين ما زالوا مجهولي المصير. واللبناني الساذج نفسه مستعدّ لتناسي الخطاب التقسيمي الذي حمله وقاتل في سبيله بعض رموز 14 آذار. واللبناني الساذج مستعدّ لسدّ أذنيه عن الدعوات الفدراليّة الصادرة عن هذا الفريق السياديّ. واللبنانيّ الساذج نفسه مستعدّ لطرد كلّ الأفكار الشريرة حول التناقض بين الدعوة إلى بناء الدولة والإمعان في نهب مواردها والسعي إلى بيع ممتلكاتها في سوق الخردة. واللبناني الساذج نفسه مستعدّ لوضع يديه على أنفه حتّى لا يشمّ رائحة الصفقات المشبوهة والسياسات المنحازة لمصلحة الأثرياء، التي يبرمها ويدافع عنها أنصار الدولة.
اللبنانيّ الساذج مستعدّ لتجاهل أمور كثيرة، وخصوصاً أنّ سذاجته تزداد كلّما ازداد خوفه. وكلّ ذلك من أجل بناء الدولة والعبور إلى الدولة والعيش في كنف الدولة. لكن ما العمل إذا كانت «حركة بناء الدولة» يتزعّمها «رجل دولة» لا يتورّع عن تهديد أحد وزرائه لأنّه تحدّث عن ضغوط تمارَس على لبنان، ثمّ يرسل ألسنته الكثيرة لتطالب ذاك الوزير بالاعتذار!
أنقِذونا من «الوَلْدَنة» أوّلاً، حتّى نتمكّن من الحديث... عن الدولة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 10 نوفمبر، 2010,11:50 ص
الابتذال والسذاجة

خالد صاغية

الاخبار عدد الاربعاء ١٠ تشرين الثاني ٢٠١٠


يمثّل التعاطي مع المحكمة الدوليّة في لبنان صورة مصغّرة عن تعاطي اللبنانيّين مع العالم وتعقيداته. فمن جهة، هناك من هو مستعدّ لوضع القضاة الدوليّين والعدالة الدوليّة والقوانين الدوليّة وحقوق الإنسان في خانة واحدة، هي خانة المؤامرات على البلاد وعلى المقاومة، وجزءاً من العدّة الإمبرياليّة للسيطرة على دول العالم الثالث وثرواته... ومن جهة أخرى، هناك من هو غير مستعدّ لتحمّل أيّ نقد للمحكمة وآليّة عملها. فمهما وقع التحقيق الدولي في أخطاء، ومهما تكن ممارسات المحقّقين، ومهما تكن قابليّة المحكمة للخرق الاستخباري، فما من علامة استفهام واحدة ينبغي أن ترتسم حول هذه المحكمة. فهي كالنور الذي جاءنا من الأمم المتّحدة كي يفضح الظلام الذي نعيش فيه. ظلام الاغتيالات لتصفية الحسابات السياسية، لكن أيضاً ظلام القضاء المسيّس وظلام ثقافة الإفلات من العقاب.
تميل قوى 8 آذار إلى وجهة النظر الأولى طبعاً. والوزير السابق وئام وهّاب يكاد يكون الناطق الرسميّ باسم جبهة تَتْفيه المحكمة. فهي، منذ البداية، «وصرمايته سوا». والقرار الاتهامي سيعرّض من يتبنّاه في لبنان لـ«الدَّعوَسة»، و«بدّو ياكل قتلة». المسألة، بالنسبة إلى هذه القوى، ليست أنّ القرار الاتّهامي الذي يتّهم عناصر من حزب اللّه مسيّس، ولا أنّ قرار إنشاء هذه المحكمة هو قرار مسيّس، ولا أنّ ثمّة من يحاول استخدام هذه المحكمة في الصراع السياسي في المنطقة... المسألة، في العمق، هي الإيمان بأنّ «المجتمع الدولي» لا يمكن أن يكون عادلاً في أيّ مسألة.
أمّا قوى 14 آذار، فتميل إلى وجهة النظر الثانية. وفي مقابل الابتذال الذي يدعونا إليه وهّاب نيابةً عن 8 آذار، تبشّر الأمانة العامّة لـ14 آذار اللبنانيّين بالسذاجة. فالمحكمة الدولية منزّهة تماماً، لا يمكن أن تقترف الأخطاء، ولا أن تُختَرق، ولا أن تتعرّض للتسييس. إنّها العدالة الدوليّة، وما علينا سوى أن نتأهّب ونلقي التحيّة.
بين الابتذال والسذاجة، تنتفي الحياة السياسيّة، وتنتفي معها أيّ آلية لمراقبة عمل المحكمة وأيّ نظرة نقديّة إليها. ونصبح أمام مشهد مغلق: محكمة مشكوك في صدقيّتها من جزء من اللبنانيّين، ومتّهم مشكوك في صدقيّته من الجزء الآخر. ليست أصوات وزراء رئيس الجمهوريّة ووليد جنبلاط ما يكسر هذه الحلقة المفرغة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 9 نوفمبر، 2010,11:51 ص
الرؤية أفضل في لاهاي

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٩ تشرين الثاني ٢٠١٠


المحكمة الدولية ليست المحكمة الدولية. سقطت منذ أيّام الثعلب الألمانيّ الذي جاء يبحث عن كلّ أسرار الشرق، باستثناء أسماء القتلة والمجرمين. سقطت ولم يبقَ منها إلا دروس يلقيها رجل متعجرف من لاهاي، عن ضرورة اللهاث وراء العدالة حتّى الرمق الأخير، وإن أدّى ذلك إلى الخراب. فالتضحية ببلد صغير من العالم الثالث ليست ذات قيمة ما دامت مفاهيم العدالة الدولية، كما يحلو للرجل المتعجرف نفسه أن يتصوّرها، ستنتصر في النهاية.
إنّنا مرّة أخرى أمام الأطروحة التي حملتها كوندوليزا رايس إلى لبنان في حرب تمّوز. فليتحمّل اللبنانيّون القصف الإسرائيلي، ومجزرة قانا ثانية وثالثة ورابعة، ما دامت تلك التضحيات ستبني الشرق الأوسط الجديد، أي الشرق الأوسط كما يتصوّره الرجل المتعجرف نفسه، وقد اخترع له شرطيّاً دائماً، وحدوداً جديدة، ومقاييس خاصّة للتنمية، ودمى متحرّكة ترث العروش وتورث الشقاء.
وهي الأطروحة نفسها التي حملها جورج بوش إلى العراقيّين يوم دعاهم إلى تحمّل الحصار ثمّ القصف ثمّ الإذلال ثمّ الموت الذي لا ينتهي، من أجل أن تسود الحريّة. الحريّة كما يراها الرجل المتعجرف نفسه. حريّة ابتلاع النفط حتّى آخر طفل عراقيّ يموت بداء الكوليرا. فيا مرحباً بالموت ما دامت تأتي على أجنحة غربانه الاستثمارات الأجنبيّة.
وهي الأطروحة نفسها التي دعت الأفغانيّين إلى تسمية نمط حياتهم تخلّفاً، وفرضت عليهم موت الأطفال مقابل تحرير المرأة. تحرير، كما يهواه الرجل المتعجرف نفسه، حتّى تصبح الأفغانيّة شقراء ذات عينين زرقاوين.
المحكمة الدولية ليست المحكمة الدولية. إنّها جزء من الماكينة التي تدعونا دائماً إلى التضحية من أجل بلوغ خطّ رسمه لنا التاريخ بأحرف غربيّة. التاريخ الذي لا يرى في موتنا إلا أضراراً جانبيّة للخلاص الآتي إلينا باسم الديموقراطيّة البوشيّة حيناً، وباسم مكافحة الإرهاب أحياناً، وباسم العدالة الدوليّة.
انظُر إلى شرقنا الأوسط الجديد، أيّها الرجل المتعجرف. هل أصبح جديداً بما فيه الكفاية؟ هل راقتك الفتنة السنيّة ـــــ الشيعيّة؟ كيف تبدو لك من واشنطن في فصل الخريف؟ هل الرؤية أفضل من لاهاي؟ الطقس جميل في بيروت. البحر رياحه سطحيّة. لكنّ الهواء ثقيل ثقيل ثقيل.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 8 نوفمبر، 2010,11:52 ص
خلص دمهم

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٨ تشرين الثاني ٢٠١٠


«خلص دمهم». هكذا قضى الضحايا الأربع في وادي خالد. أُطلق عليهم الرصاص، لكنّ الرصاص ليس هو ما قتلهم. ما قتلهم فعلاً هو أنّهم تُركوا ينزفون إلى أن «خلص دمهم». ما حدث السبت في عكار كافٍ وحده ليحمل صفة المأساة الوطنيّة، وخصوصاً أنّ مطلقي النار هم ممّن يرتدون بزّات عسكريّة رسميّة، ويؤدّون واجباً رسمياً، باسم الدولة التي لا يكاد يعرف منها العكاريّون إلا وجهها البشع. لم يشفع بعكّار سابقاً أنّها «خزّان الجيش»، ولم يشفع بها لاحقاً أنّها باتت «خزّان التظاهرات المليونيّة»، وجيش الاحتياط الحريريّ. اقتصرت الحكاية على باصات تأتي فجراً، تحمّل الركّاب إلى ساحة الشهداء، قبل أن تعود بهم عند انتهاء الخطابات إلى قراهم محمّلين ببعض السندويشات... والوعود الانتخابيّة. وعود بدأت بكلام عن تنميةٍ مُنعت الحريريّة من تنفيذها خلال حقبة «الوصاية»، وانتهت بتوظيفات في شركات أمن خاص أُنشئت للاصطدام بمواطنين من طوائف أخرى. صحيح... كدنا ننسى نائب البرلمان المستقبلي الذي قرّر أنّ مشاريع التنمية تبدأ بمجزرة في عاصمة القضاء، حلبا.
«خلص دمهم». المختار، مختار بلدة الهيشة في وادي خالد، كما في مسلسل «الدنيا هيك»، عرف جيّداً كيف يشخّص الحالة. استخدم التعبير، ربّما، لكونه لا ينطبق على الضحايا وحسب، بل كذلك على سائر سكّان الوادي الذين انتظروا عقوداً قبل أن يحصلوا على الجنسيّة اللبنانيّة. جنسيّة ما لبثت أن تحوّلت إلى ما يشبه حبل المشنقة.
غير أنّ مأساة نهاية الأسبوع لا تقتصر على منطقة بذاتها. فطريقة القتل تحمل من الرمزيّة ما يكفي لتصبح أداة المجزرة الجماعيّة التي تُرتكَب بحقّ اللبنانيّين جميعاً. لا حاجة للضغط على الزناد، ولا لتهمة تهريب البضائع على الحدود، ولا للاستفراد بنا في منطقة نائية. فحين تنتهي حقبة التشنّج الحاليّة بتبادُل قُبل على خطّ الماراتون، أو حين تستمرّ إلى أن يتمكّن فريق من ليّ ذراع الفريق الآخر، سنعرف جميعاً أنّنا بتنا في عالم آخر، بعدما قضى الموت البطيء علينا. موت يسمّى انتظار الفتنة، وتوقُّع شكلها ولونها وتوقيتها...
وسيأتي من يكشف على جثثنا الحزينة، ويكتب في تقريره الطبّي: «خلص دمهم».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 5 نوفمبر، 2010,4:08 م
التعطّش إلى السلطة

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ٥ تشرين الثاني ٢٠١٠


من سخرية القدر أنّ المتحمّسين للسيناريوهات الانقلابيّة في لبنان ليس حزب اللّه واحداً منهم. صحيح أنّ الحزب يعدّ نفسه، على الأرجح، لكل الخيارات، لكنّ حلفاء الحزب وأصدقاءه هم الذين يَبدون أكثر حماسة لعمل شبيه بالسابع من أيّار. فإلى التصريحات والمقابلات التي تُبثّ وتُنشر كلّ يوم، والتي تهدّد بالويل والثبور، شهد انعقاد طاولة الحوار، أمس، حادثاً جديراً بالتوقّف عنده. فقد أعلن النائب محمّد رعد، ممثّل حزب اللّه على طاولة الحوار، مقاطعة الجلسة «تضامناً مع» الجنرال ميشال عون الذي كان قد أعلن مقاطعته. عون يقاطع إذاً الحوار حول الاستراتيجيّة الدفاعيّة، فيتضامن حزب اللّه معه. يصبح الخبر أكثر إثارةً للاهتمام حين نعرف أنّ سبب المقاطعة هو الاحتجاج على التلكؤ في بحث ملف شهود الزور. وهو ملف يعني حزب اللّه قبل سواه، إلا أنّ ردّ الفعل الأكثر حدّة لم يأتِ من الحزب نفسه.
وعلى المقلب الآخر، يمكن أن نلاحظ الكثير من «التفشيخ» في أحاديث بعض نوّاب «المستقبل»، ولا سيّما مِن قِبَل لسان من لا لسان له، إلا أنّ ذلك لا يرتقي إلى دور رأس الحربة الذي ارتأى سمير جعجع أن يكلّف نفسه به دون نجاح كبير. أمّا الجبهة المسيحيّة الأربطعش آذاريّة الجديدة، فيُخشى أكثر ما يُخشى أن تأخذ على عاتقها تنفيذ ما يعجز جعجع عن تنفيذه منفرداً، أي أن تؤدي دور الصقور حين تضطرّ التوازناتُ سعدَ الحريري إلى أن يقوم بدور الحمائم.
الأرجح أنّ المسألة لا تتعلّق بتوزيع أدوار، بقدر ما تدلّ على اختلاف في وجهات النظر بشأن كيفيّة مواجهة احتمال صدور قرار عن المحكمة الدولية يتّهم عناصر من حزب اللّه باغتيال الرئيس رفيق الحريري. وليست الصدفة وحدها ما يجعل قادةً مسيحيّين يؤدّون هذا الدور العنيد، فيما يتروّى الطرفان الأساسيّان لدى السنّة والشيعة. وإذا كان التفسير الطائفيّ لهذه المسألة واضحاً، فإنّه يبدو خطيراً، وخصوصاً أنّ المثال العراقيّ ماثل أمام أعين الجميع.
كان يمكن المرء أن يتصوّر دوراً مختلفاً للقوى المسيحيّة في لبنان. دور أكثر تعقّلاً لا يلغي الاصطفاف هنا أو هناك. إلا أنّ التهميش والإبعاد عن السلطة لا ينتجان، على ما يبدو، إلا مزيداً من التعطّش إليها... حتّى لو كان تعطّشاً على حافّة الانتحار.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 4 نوفمبر، 2010,4:13 م
جسر فؤاد شهاب

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٤ تشرين الثاني ٢٠١٠


حاجز مفاجئ للدرك، ثمّ طلب هادئ بالركون إلى اليمين. يسأل الدركيّ عن أوراق السيّارة ورخصة السوق، قبل أن يقرّر بتهذيب شديد أنّي تجاوزت السرعة المسموح بها، وقد صوّر الرادار ذلك. دركيّ آخر يحرّر محضر الضبط، يطلب منّي التوقيع، يردّ أوراق السيّارة ويحتفظ برخصة السوق، ثمّ يبلغني أنّ عليّ التوجّه إلى مركز الطيّونة خلال عشرة أيّام لتسديد 50 ألف ليرة واسترداد الرخصة.
بدوت أثناء كلّ ذلك مصاباً بدهشة تامّة. فلم أسأل عن الإشارة التي تحدّد السرعة، ولم أطلب إثباتاً لا يملكونه على أنّي تجاوزتُها، ولم أفتح موضوع إشارات السير المتوقّفة عن العمل منذ أشهر. كنتُ في الواقع سعيداً وأنا أوقّع على المحضر.
ربّما كانت هذه السعادة نتيجة فقدان أمل معظم اللبنانيين بملاقاة وجه الدولة في وضح النهار، فإذا بها تواجهني بعد منتصف الليل. فرئيس الحكومة يخترع أعذاراً كي لا تُعقد جلسة لمجلس الوزراء، ورئيس الجمهوريّة يدعو إلى جلسة حوار قد لا يحضرها أحد، وسيناريوهات انهيار البلد تنهال علينا من كلّ حدب وصوب، فضلاً عن وزراء يجاهرون بجهلهم أمور وزاراتهم، وملفّات فساد ورشى تبدأ صغيرة ثمّ لا نلبث أن نكتشف أنّها تكاد تطال الجمهوريّة برمّتها. يحدث ذلك فيما السياسة معلّقة تماماً، تكاد تنحصر في برامج صباحيّة لم تعد تسلّي أحداً.
وبرغم كلّ ذلك، ثمّة دركيّان مهتمّان بتخطّي السرعة التي لا أعرف منذ متى باتت محدّدة برقم معيّن في بلاد كلّ شيء فيها مباح. وددتُ أن أصافح ذاك الدركيّ. أن أسأله إن كان يعرف زملاء له في القطاع العام يقودون باصات حديثة للدولة يمكنني أن أستقلّها. وددتُ أن أسأله عن حال الجامعة اللبنانيّة. أن يدلّني على عنوان المستشفيات الحكوميّة الرائدة. أن يرشدني إلى مهندسين استخدمتهم الدولة للإشراف على بناء مساكن شعبيّة.
تخيّلت لو أنّ ذاك الدركيّ يعرف حقاً زملاء له في تلك الميادين، ربّما خفّت قليلاً مهزلة أن تكون لبنانيّاً اليوم. فمن دون شرطيّ السير وأستاذ التعليم الرسمي وسائق النقل العام والطبابة المجانية والشواطئ الشعبية، كيف يمكن اللبنانيّ أن يكفّ عن كونه شيعياً أو سنّياً أو مسيحياً أو درزياً؟ كيف يمكن اللبناني أن يكفّ عن كونه سعودياً أو سورياً أو إيرانياً أو أميركياً أو فرنسياً؟ كيف يمكن اللبناني أن يكفّ عن كونه من القرية الفلانيّة والحيّ الفلاني والعائلة الفلانيّة؟
ربّما كانت الصدفة وحدها هي التي جعلت ذاك الدركي يقف على جسر يدعى «جسر فؤاد شهاب».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 3 نوفمبر، 2010,4:14 م
الخيبة والوقاحة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٣ تشرين الثاني ٢٠١٠

يدفع باراك أوباما اليوم ثمن تردّده، وعدم إقدامه على اتّخاذ خطوات جريئة لتحفيز الاقتصاد الأميركي بعد الأزمة العاصفة التي لم يشهد مثيلاً لها منذ الثلاثينيّات. وإذا كانت الواقعيّة تقتضي عدم انتظار أيّ تدابير من النوع الذي يحدث تغييرات جذريّة في الاقتصاد الأميركي، فإنّ أضعف الإيمان يفترض قيام الدولة بالعلاجات الكينزيّة البسيطة مثل تعزيز الإنفاق العام لضخّ الأموال في اقتصاد يُشغل المدينون فيه بتسديد الدين وفوائده، ويصرّ الدائنون على تكديس الأموال وعدم المخاطرة في أيّ استثمارات في ظلّ الركود الحالي.
لكنّ الغريب في هذه الانتخابات ليس دفاع أوباما عن تردّده، ولا ادّعاءه أنّه أرسى القواعد الصحيحة لتغيير سيأتي بعد حين. وهذه ليست نهاية عهده بالتأكيد. فخسارة الانتخابات النصفيّة ـــــ إن تأكّدت ـــــ لا تسحب نفسها على الانتخابات الرئاسيّة بعد سنتين. الغريب حقاً هو إصرار الجمهوريّين على تأمين شروط استمرار اللعبة نفسها كأنّ شيئاً لم يكن، ورفضهم أيّ محاولة لتدخّل الدولة لتحريك الاقتصاد. ورغم أنّ سياسات جورج بوش الابن هي التي أنفقت من الخزينة من دون حساب لخوض الحروب بالدرجة الأولى، وهي التي استمرّت في تشجيع المواطنين على الاقتراض إلى ما لا نهاية، فإنّ الجمهوريّين يدافعون اليوم عن سياسة «شدّ الأحزمة». فحين تقتنع الدولة بشدّ حزامها، يسهل تبرير عدم المسّ بثروات الأغنياء ومداخيلهم، والمضيّ في مزيد من الإعفاءات الضريبيّة.
ما يحدث في الولايات المتّحدة اليوم يثبت صحّة التحليلات المتشائمة التي لم ترَ في الأزمة الماليّة العالميّة نهايةً للنيوليبراليّة. فحتّى لو فرضت تلك الأزمة تغييراً في بعض السياسات الآنيّة، فإنّ جوهر المشروع النيوليبرالي بقي محافظاً على نفسه، وهو القاضي بإعادة تأمين تسلُّط الأكثر ثراءً، وفرض السياسات التي تضمن مصالحهم حصراً. وهذا ما حصل حين تحرّكت الدول لإنقاذ البنوك، ثمّ أُعيد كفّ يد الدول نفسها بعد حين. وهذا ما حصل حين لم تأبه كبرى المؤسّسات الماليّة العالميّة بكلّ النقد الذي وُجِّه لها، فاستمرّت في توزيع المكافآت الضخمة على مديريها، وهي مكافآت مجبولة بتشريد الآلاف ممّن لم يتمكّنوا من تأمين متطلّبات قروضهم العقاريّة.
إذا كانت الخيبة ما يسم العامين المنصرمين من عهد أوباما، فإنّ الوقاحة هي ما ينطبق على ردّ الفعل الجمهوريّ. وهي وقاحة لا تقتصر طبعاً على اليمين الأميركي. اسألوا فؤاد السنيورة ومندوبيه في وزارة المال.



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 2 نوفمبر، 2010,4:16 م
عودة اللبناني إلى رشده

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢ تشرين الثاني ٢٠١٠


«نعيش أوقاتاً صعبة، لكنّها ليست نهاية العالم»... «بدلاً من مهاجمة بعضنا بعضاً، الأَوْلى بنا أن نقبل بواقع أنّ لدى كلّ فرد رأياً مختلفاً»... «هل بإمكاننا أن نفكّر عندما نكون خائفين؟»...
عشرات الآلاف من الأميركيّين ردّدوا هذه الشعارات في واشنطن خلال تجمُّع نُظّم تحت عنوان «التجمّع من أجل استعادة رشدنا»، في إشارة اعتراضيّة على مستوى الجدل السياسي في الولايات المتّحدة التي تستعدّ لخوض الانتخابات النصفيّة، ولمواجهة تنامي المحافظين المتشددين في حزب الشاي.
الطريف أنّ الدعوة إلى إضفاء بعض التعقّل على الحياة السياسيّة الأميركيّة جاءت من مقدّمَي البرنامجين السياسيّين الساخرين الأكثر شهرة، ستيف كولبرت وجون ستيوارت. وقد ارتدى الأخير سترة بألوان علم بلاده، مطالباً بإعلاء السياسة فوق الانقسامات. فالهدف من التجمّع، كما رأى القيّمون عليه، هو إعادة إعلان قدرة الأميركيّين على العيش معاً، والعمل معاً، بصرف النظر عن الاختلافات الأيديولوجيّة، إضافة إلى توبيخ السياسيّين ووسائل الإعلام التي تروّج للاستقطابات الحادّة.
والجدير بالذكر أنّ ستيوارت وكولبرت ليسا حياديّين بالمرّة، وتجمّعهما هو في جانب منه ردّ على تجمّع آخر نظّمه زميل لهما، لكن من قناة «فوكس» اليمينيّة المتطرّفة. لكنّ التوجّه السياسي الواضح لم يمنعهما من رؤية الهاوية التي تقود إليها الاستقطابات الآخذة في التوسّع في المجتمع الأميركي بعد الأزمة الماليّة.
التجمّع برمّته يصلح لنقله إلى ساحة رياض الصلح أو ساحة الشهداء في بيروت. فالدعوة الحقيقيّة الوحيدة التي تحمل معنى اليوم، هي الدعوة إلى استعادة رشدنا. ذلك أنّ أفلام الخيال العلميّ بدأت تطغى على المشهد اللبناني، من لقطة عناصر من لجنة التحقيق الدولية داخل عيادة طبّ نسائي في الضاحية الجنوبيّة، إلى اختيار التوقيت المناسب لخروج سعد الحريري من جلسة مجلس الوزراء واضعاً حدّاً للتصويت، إلى التجارب المخبريّة لاستنساخ 7 أيّار، فضلاً عن عناصر التشويق التي يقودها الفتى الخفيّ ـــــ عبد العزيز بن عبد اللّه ـــــ بين دمشق والرياض، حتّى بتنا نصدّق أنّنا كشعب مستعدّون للانقضاض بعضنا على بعض ما لم يتحقّق التوازن في معادلات سين ـــــ سين الكيميائيّة.
«نعم... نستطيع» كان شعار حملة أوباما الانتخابيّة الواعدة بالتغيير. و«نعم... نستطيع» كان شعار الفريقين المتصارعين في لبنان، إذ أطلق كلٌّ منهما وعوداً لا تنتهي عن التغيير. أتركوا الخيبات يجرجر بعضها بعضاً على مهل. لا حاجة إلى الضجيج. دعوا اللبنانيّين يستعيدوا رشدهم.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 1 نوفمبر، 2010,4:17 م
التصنيم

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١ تشرين الثاني ٢٠١

٠

يقول الخبر: لمناسبة ذكرى ميلاد الرئيس، انطلق عدّاؤون كشفيّون من كل المحافظات، حاملين الأعلام الوطنيّة وأعلام الحزب الحاكم ورسائل تأكيد لنهج الرئيس والولاء لسياسة نجله حامل الأمانة. وبعد وصول العدّائين إلى ضريح الرئيس، وضعوا أكاليل من الزهر على ضريحه وأضرحة رفاقه، وتلوا سورة الفاتحة على أرواحهم الطاهرة، وذلك بحضور أعضاء مجالس المفوضيات المشاركة.
قد يكون هذا الخبر عاديّاً في أكثر من مكان في العالم، لكنّه لم يكن في يوم ما عادياً في لبنان أن تجري احتفالات عامّة في ذكرى ميلاد رئيس أو رئيس مجلس وزراء، حيّاً كان أو راحلاً. لكنّ الخبر أعلاه، مع الأسف، هو خبر لبناني. والرئيس الذي جرى الاحتفال بعيد ميلاده ليس إلا الرئيس المغدور رفيق الحريري، وحامل الأمانة ليس إلا رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري. أمّا الكشّافة، فهم كشافة «المستقبل»، والحزب الحاكم هو تيّار «المستقبل».
ولو اقتصر الأمر على الجراميز والجوّالة، لكان يمكن مروره مرور الكرام، إلا أنّ شخصيّات ونوّاباً أبوا إلا أن يحتفلوا بالمناسبة. وأحدهم تقمّص شخصيّة المسيح مخاطباً إلهه على الصليب حين قال: «اغفر لهم يا أبتاه». فإذا بنائب دكتور، وفي «بطاقة معايدة إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري لمناسبة ذكرى مولده» (How cute)، يخاطب «سيّد الشهداء» قائلاً: «اغفر لهم»، من دون أن تخلو البطاقة من مشاعر صادقة وعبارات إبداعيّة من نوع: «خيراً فعلت، واليوم شرّاً تلقى».
لا شكّ في أنّ للرئيس رفيق الحريري أياديَ بيضاء على كثيرين. والوفاء واجب في ذكرى اغتياله. أمّا الاحتفال بعيد ميلاده، فقصّة أخرى. قصّة تُدخل فريق «بناء الدولة» في لبنان في دوّامة عبادة الأشخاص وأَسْطَرة الإنجازات. ولو كانت تلك «العبادة» داخل الغرف المغلقة، لما كان للأمر أن يتّخذ أبعاداً خطيرة، لكنّهما عبادة وأسْطرة باتتا تدخلان في صلب نقاش الموازنات والسياسات العامّة، ولا سيّما الاجتماعيّة والاقتصاديّة منها. هكذا أصبح بإمكان وزيرة المال مثلاً أن ترى في البحث عن سياسات أكثر عدالة، أو المساءلة وفضح التزوير، نوعاً من المحرّمات، وتجرّؤاً على المقدّس.
...وكأنّ البلاد لا يكفيها ما فيها من أصنام.



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments