الجمعة، 29 أكتوبر، 2010,4:19 م
طربوش

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ٢٩ تشرين الأول ٢٠١٠

كنّا نسمّيها صغاراً «العَبْدة». لم نعرف يوماً اسمها الحقيقي. لكنّها أحدثت انقلاباً في الحيّ. جاءت فجأة مع عائلتها السعيدة، وفتحت دكّاناً ساحراً. كان كلّ ما فيه جديداً على المدينة. كل أنواع «الحراتيق» التي يهواها الأطفال والفتيان، من حمّالات المفاتيح الملوّنة، إلى مجسّمات السنافر، إلى القمصان التي كان يمكننا اختيار أحد أبطال «ديزني» لطباعة صورته عليها.
كانت صاحبة الدكّان تحمل جنسيّة سودانيّة على الأرجح، وكانت بشرتها سوداء. وهكذا كان أبناؤها أيضاً. أمّا زوجها، فلبنانيٌّ من مدينة طرابلس. وفي الواقع، لم يكن الدكان ومنتجاته وحدها ما سحرنا، لكن أيضاً العائلة نفسها التي بدا كل أفرادها جميلين ولذيذين. لقد أحببنا الدكان، وأحببنا أصحابه. لكنّنا لم نحفظ اسمه، ولا اسم أحد من العائلة التي تملكه. كنّا نغادر المنزل كلّما ادّخرنا بعض الفلوس، وإن سُئلنا: «إلى أين؟»، أجبنا: «عند العبدة». وحين نعود إلى المنزل بـ«حرتوقة» صغيرة، ونُسأل من أين اشتريناها، كنّا نقول: «من عند العبدة».
وكانت «العبدة» تحبّنا أيضاً. تنظر إلينا، نحن الذين لم نبلغ العاشرة بعد، وتقول: «هيدول زبوناتي». لم أشعر وقتها بأنّ ثمّة ما هو خاطئ في تسميتي لصاحبة الدكان. كنت أدعوها «العبدة» بحبّ واحترام كاملين. لكن، حين أتذكّر ذلك الآن، أشعر بخجل عميق.
أُقفلَ الدكان منذ زمن بعيد، ولا أعرف إن كانت العائلة قد عادت إلى الهجرة. لكنّي ما زلت حتّى الساعة أخاف أن ألتقي بصاحبته صدفةً. أخاف أن تكون قد عرفت بالاسم الذي كنت أناديها به.
تذكّرت كلّ ذلك حين صادفت اليوم مركبات إعلانية تجوب شوارع بيروت لتروّج لمنتج «طربوش». و«طربوش» اليوم ليس إلا «راس العبد» سابقاً. بعد حملات عدّة، بدّل معمل «غندور» أخيراً اسم منتجه الفريد. بات بإمكاننا أن نذهب إلى دكان ما، ونطلب «طربوش غندور»، بدل أن ندلّ إليه بإصبعنا ونخجل من مناداته باسمه الوحيد المتوافر سابقاً، أي «راس العبد».
و«طربوش» هو أكثر من اسم جديد. إنّه باب أمل بأنّ التغيير يمكن أن يطال عادات وأسماءً كنّا نظنّ أنّها راسخة إلى ما لا نهاية. إنّه باب أمل بأن يمرّ أسبوع من دون أن تقضي عاملة أجنبيّة بعد «سقوطها» من الشرفة، وأن يمرّ يوم من دون الاعتداء على عامل سوريّ أو مصريّ. إنّه باب أمل بأن يوضع يوماً ما حدّ لكلّ تجارة الرقيق التي بات اللبنانيّون لا يعرفون العيش من دونها.
أيّتها الجارة، يا صاحبة الدكان السحريّ، أينما كنتِ في هذه الساعة، أريدك أن تعرفي أنّك غيّرتِ حياتنا إلى الأبد، وأنّ ظهورك المفاجئ في الحيّ، بدّل ملامحه الكئيبة. وأريدك أن تغفري لنا الاسم الذي اخترعناه لكِ. لقد كنتِ أوّل امرأة ذات بشرة سوداء أتعرّف إليها. ولهذه المناسبة، أهديك «طربوش غندور».



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 27 أكتوبر، 2010,4:21 م
حريري «لايت»

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٧ تشرين الأول ٢٠١٠


تماماً كما باتت الشركات الكبرى تقدّم لنا الحياة بسعرات حراريّة أقلّ، تجري مساعٍ كي تتمكّن الدول الإقليميّة من أن تقدّم لنا سعد الحريري بسعرات سياسيّة أقلّ. فعلى ما يبدو، باتت معظم القوى في لبنان وسوريا والسعوديّة مقتنعة بضرورة بقاء الحريري رئيساً للحكومة، شرط ألّا يبقى سعد الحريري هو سعد الحريري نفسه. يريدون الحريري من دون إعلامه، ومن دون 14 آذاره، ومن دون قوّاته اللبنانيّة، ومن دون صقور «المستقبل»، ومن دون الشعارات التي أطلقها في ساحة الشهداء، ومن دون المحكمة الدوليّة.
وعلى ما يبدو، فإنّ سعد الحريري مستعدّ لتقديم نسخة منقّحة عن نفسه، شرط أن يحصل مقابل ذلك على معارضة خالية من الدسم هي الأخرى. واللبنانيّون الذين باتت أكثريّتهم الساحقة تتّبع «الريجيم»، خفضوا سقف توقّعاتهم حتّى باتوا راضين بالحدّ الأدنى: الأمن.
الجميع متّفق إذاً على اتّباع شروط الحياة الصحية. الخلاف هو على حجم التضحيات المطلوبة من كلّ فريق، وعلى نوع «البازار» المفتوح. حتّى الآن، المطلوب من الحريري واضح وصريح. أمّا الثمن المقابل، فما زال مجهولاً. فماذا يعني مثلاً تسهيل مهمّة الحريري في الحكم؟ هل ستزول أيّ معارضة للمشاريع التي يطرحها أو يدعمها على طاولة مجلس الوزراء؟ هل نعود إلى صيغة حصر صلاحيات مجلس الوزراء مجتمعاً بيد رئيس الحكومة وحده، كما كانت الحال أيّام الرئيس المغدور رفيق الحريري؟ هل تطوى فجأة الملفات التي بدأت رائحة العفن تتصاعد منها؟
حتّى الساعة، لم يوعَد الحريري بالكثير، ولا هو أبدى استعداداً لتقديم الكثير. فمن جهة، يبدو أنّ ثمّة من يريد أن يقايضه على المحكمة بملف شهود الزور وحسب، أو أن تُهمَل المحكمة ككفّارة عن الأعوام الخمسة السابقة التي اعترف الحريري بأنّه ارتكب أخطاءً سياسيّة فادحة خلالها. وهذا كلّه لا يفقد المعارضة دسمها. ومن جهة أخرى، يبدو أنّ ثمّة من يحسب أنّ بإمكانه أن يكتفي برمي كرة المحكمة في ملعب مجلس الأمن. وهذا وحده لا يرفع السيف عن رقبة المعارضة.
المطلوب انخراط أكبر في لعبة «الدايت». أغمضوا أعينكم وفكّروا في عالم خالٍ من السكّر، وفي قهوة خالية من الكافيين. فكّروا في حريري «لايت»، ومعارضة «لايت». معاً من أجل بيئة نظيفة. مع تحيّات شركة «سوكلين».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 26 أكتوبر، 2010,12:38 م
محاكمة النهب المنظّم (2)

خالد صاغية
الأخبار عدد الثلاثاء ٢٦ تشرين الأول ٢٠١٠

من المعلوم أنّ المعارضة اللبنانيّة السابقة التي انضوت في حكومة الوفاق الوطني، ليست فريقاً سياسياً متجانساً. وهي لا تملك رؤية موحّدة للسياسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وقد لا يملك معظم فصائلها أيّ رؤية أصلاً لهذه السياسات. لكنّ ذلك لم يمنع هذه المعارضة من استخدام الملف الاقتصادي كلّما أرادت الهجوم على الحريريّة السياسيّة، ثمّ تعود وتضع الملفّ نفسه في الثلاجة حين يسود التفاهم على مسائل لا علاقة لها البتّة بالاقتصاد.
هكذا، وخلال اعتصام المعارضة الشهير في وسط بيروت، تحوّل الخطباء إلى يساريّين أشدّاء في نضالهم ضدّ الرأسماليّة المتوحّشة، وأصابت سهامهم السياسات الماليّة والضريبيّة على حدّ سواء، ولم يوفّروا المصارف و«سوليدير» ووزراء المال المتعاقبين. لكنّ البازار الراديكالي سرعان ما أُقفل، وتولّى اتفاق الدوحة ختمه بالشمع الأحمر.
غير أنّ الأمانة تقتضي التمييز بين أطراف المعارضة السابقة. فهذا التجمّع يضمّ بين صفوفه زعماء تقليديّين لا يختلفون في الشقّ الاقتصادي عن نظرائهم في الموالاة. فهم من هواة المحاصصة وأكل الجبنة، وما كانت الحريريّة لتحقّق مشروعها المنحاز طبقيّاً، لو لم يسهّل لها هؤلاء الأمر مقابل بعض المكاسب والغنائم.
وفي المعارضة أيضاً حزب اللّه الذي قضى أعواماً يتفرّج على النهب المنظّم ينهش جسم البلاد من دون أن يحرّك ساكناً، مرتضياً بذلك تقسيم العمل الذي أدارته سوريا في لبنان: أعطِ ما للمقاومة لحزب اللّه، وما للاقتصاد لرفيق الحريري. كما قدّم حزب اللّه خدمته الكبرى للحريريّة عبر لجم فقراء الضواحي وتقنين حركاتهم الاعتراضيّة.
وتضمّ المعارضة، ثالثاً، شخصيات وفصائل يساريّة، إلا أنّها ليست في موقع يسمح لها بالتأثير على موقف المعارضة ككلّ. ناهيك بفقدانها أي حيوية فعلية.
يبقى إذاً التيّار الوطني الحر الذي لم يكن شريكاً للحريريّة في عمليّة النهب، ولا في تقاسم العمل والنفوذ. قضى التيّار تلك الحقبة مهمّشاً ومبعداً عن السلطة، فلم يشارك في غنائمها ولم يبصم على أخطائها. لكنّ التيّار لم يحمل في خطابه أيّ رؤية اقتصاديّة، ولا حتّى نقداً اقتصادياً حقيقياً للحقبة السابقة، وتأرجح في أدبيّاته بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، قبل أن يستقرّ على شعارات شعبويّة من قبيل مكافحة الهدر والفساد. لكن، رغم ذلك، يتمتّع التيّار بميزتين: أوّلاً، عدم مشاركته في السلطة سابقاً تعفيه من الدفاع عن إرثها وتركيباتها. ثانياً، إنّ أيّ تسوية بين «المستقبل» وحزب اللّه للعودة إلى المعادلة السابقة ستكون حتماً على حساب التيّار، وهذا ما يجعل الأخير أكثر تمسّكاً بالمساءلة والمحاسبة وإجراء تغيير في السياسات الاقتصاديّة المتّبعة منذ الطائف. ولا يمكن تجاهل ما قام به النائب ابراهيم كنعان في لجنة المال والموازنة، ولا ما يقوم به الوزير شربل نحّاس داخل وزارته وداخل مجلس الوزراء. إلا أنّ هاتين التجربتين لا تزالان في بداياتهما، ولا شيء يمنع التيّار من التضحية بهما عند أوّل فرصة سياسيّة سانحة. فماذا لو توسّعت مروحة المحاصصة لتضمّ التيّارَ ممثِّلاً عن المسيحيّين؟ وماذا لو كان الانخراط في الصفقات المشبوهة المغطّاة من الدولة أكثر إغواءً من معارضة قد لا تعطي ثمارها؟ يبقى الرهان إذاً على محاسن الصدف. تلك الصدف التي تجعل من تراجع التيّار الوطني الحرّ عن تبنّي خطاب إصلاحيّ حقيقيّ عمليّةً أشبه بالانتحار السياسيّ. المشكلة هي أنّ الجنرال لم يلغِ من قاموسه يوماً الخيارات الانتحاريّة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 25 أكتوبر، 2010,12:40 م
محاكمة النهب المنظّم (1)

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٢٥ تشرين الأول ٢٠١٠


افتتحت النائبة بهيّة الحريري الحرب المضادّة. ما إن اعترف أركان فريقها السياسيّ بوجود تشوّهات ماليّة وإداريّة منذ 1993، حتّى وضعت أيّ محاولة للمساءلة ولتوزيع المسؤوليّات عن النهب المنظّم الذي كان مستشرياً في الحقبة السابقة في إطار «محاكمة مسيرة رفيق الحريري». وهي محاكمة غير جائزة، على ما يبدو، لكون الرئيس الحريري قضى اغتيالاً.
وإذا ما طبّقنا وصفة النائبة الكريمة، أصبح على اللبنانيّين أن يتبنّوا من دون أيّ مساءلة مسيرة معروف سعد وكمال جنبلاط وبشير الجميّل ورشيد كرامي ورفيق الحريري وآخرين كثر. وهي مسيرات متناقضة، حملت الكثير من الإيجابيّات والسلبيّات. وما التغاضي عن محاكمتها ومساءلتها إلّا إمعان في الفصام الذي يعاني منه اللبنانيّون.
لكنّ الأدهى أنّ السيّدة الحريري ربطت بين من اغتال رئيس الحكومة الأسبق ومن يريد محاكمته اليوم، إذ قالت: «يعتبرون أنّ اغتيال رفيق الحريري بأطنان المتفجرات هو أقلّ ممّا يستحقّ من عقاب وأحكامٍ أصدروا بعضها في عام 98 وبعضها الآخر عام 2004». كأنّ النائبة الحريري تعود خمسة أعوام إلى الوراء، يومَ رأى ابن شقيقها أنّ كل صوت انتخابيّ لـ14 آذار هو رصاصة إلى صدر القتلة، وأنّ الصوت المعاكس هو صوت للقتلة أنفسهم. فعن أيّ قتلة تتحدّث السيّدة الحريري اليوم؟ عن قتلة نام سعد في سريرهم؟ أم عن قتلة تحالف معهم في الانتخابات؟
لكنّ الغريب فعلاً أنّ العائلة الحاكمة لا تخجل من الادّعاء أنّها تريد نقل حكم السلالات إلى لبنان، فتقول نائبة صيدا مثلاً: «إنّ بهيّة الحريري على أتمّ الاستعداد لتحاكَم نيابة عن شقيقها»! كأنّ كرامة العائلة هي المقصودة، وليس السؤال عن أيّ لبنان نريد؟ وأيّ سياسات اجتماعيّة واقتصاديّة ننشد؟
ولكي ترتاح السيّدة الحريري، لا بدّ من تذكيرها بأنّ أوّل الخارجين عن سياسات شقيقها المغدور هو تيّار المستقبل نفسه الذي أصدر وثيقة اقتصاديّة تؤدّي تحيّة لفظيّة للسياسات السابقة، لكنّها تحوي الكثير ممّا يناقض ما فرضه رفيق الحريري نفسه. فالواقع أنّ الحريري لم يخترع البارود. جلّ ما فعله هو تطبيق للوصفات النيوليبراليّة، بعد تكييفها مع الواقع الزبائني والطائفي. وهي وصفات تخطّاها الزمن، وباتت نتائجها الكارثيّة فاقعة، ولا سيّما بعد الأزمة الماليّة العالميّة. فقد ساد منذ نهاية السبعينيّات تيّار هيمن على السياسات الاقتصاديّة في معظم أنحاء العالم. تيّار أعاد هيكلة اقتصادات الدول لمصلحة الطبقات الثريّة (السادات ثمّ مبارك وشركاؤه في مصر مثلاً، والحريري وشركاؤه في لبنان)، ورمى الفتات للأشقياء (تنك زيت، ومنح تعليميّة...). وحين كانت القدرة الشرائيّة لعموم المواطنين تتقلّص، كان المضاربون العقاريّون وأصحاب المصارف يجنون الأرباح الطائلة.
فهل المطلوب السير في السياسات نفسها؟ وهل المطلوب الاستمرار بتهميش الفئات الأوسع من الشعب اللبناني، وفاءً لذكرى الشهيد؟ آن لهذه الدورة الشيطانيّة أن تتوقّف. آن للّبنانيّين بعد كلّ التضحيات التي قدّموها منذ خمسة أعوام أن يستحقّوا وطناً أفضل، وسياسات اجتماعيّة واقتصاديّة أكثر عدالةً، ودولة توفّر لهم الخدمات الأساسيّة بأسعار أقلّ وجودة أعلى.
أمّا الشهداء، فمن المعيب استغلال ذكراهم لنهب مزيد من الثروات.
(غداً: ماذا عن المعارضة؟)


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 22 أكتوبر، 2010,12:41 م
الرجل الأخضر

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ٢٢ تشرين الأول ٢٠١٠


راجت منذ فترة قصيرة نكتة عن الرجل الذي يهوى الأخضر. يستيقظ في غرفة نومه الخضراء. ينظر إلى المنبّه الأخضر. يخلع بيجامته الخضراء. يستحمّ في حمّامه الأخضر. يغسل أسنانه بفرشاة خضراء. يلبس ثيابه الخضراء. يخرج من باب بيته الأخضر. يستخدم المصعد الأخضر. يركب سيّارته الخضراء. يسير في الطريق المزيّحة بالأخضر. يضغط على دعسة البنزين الخضراء، فيصطدم بعمود الكهرباء الأخضر. يأتي الصليب الأحمر، فيفسد النكتة.
لا تقول النكتة من هو الرجل الأخضر. والحضور المفاجئ للصليب الأحمر منعنا من معرفة سائر الأشياء الخضراء التي يهواها ذاك الرجل. لكنّ جلسة مجلس الوزراء، أوّل من أمس، أفصحت لنا عن هويّته، وعن بعض هواياته الخضراء.
فالرجل الأخضر، منذ صغره، يهوى النظافة. ولأنّه كذلك، تُعدّ «سوكلين» شركته المفضّلة. يحلم بالركوب في شاحناتها الخضراء، ويحبّ النظر إلى مستوعباتها الخضراء، وقد اقتنى يوماً ثياب عمّالها الخضراء، وانتظر طويلاً فرصة عمل في مكاتبها الخضراء. حين يضجر الرجل الأخضر، يقود سيّارته ويقف وراء شاحنة «سوكلين» يتأمّل كيف تُصنَع النظافة.
الرجل الأخضر، ولأنّه يحبّ اللون الأخضر، لا يكترث لمن يقف وراء هذه الشركة التي حظيت فجأة باحتكار النظافة. ولا تعنيه كلفة التنظيف المرتفعة التي يدفعها المواطنون من جيوبهم. ولا يريد أصلاً الاطّلاع على العقود الملتبسة التي وقّعتها الدولة مع تلك الشركة، ولا معرفة لماذا يصرّ رئيس الحكومة على عدم إطلاع وزرائه عليها. لا يعرف لماذا انكفأت البلديّات عن واجباتها في التنظيف، ولا لماذا يكلّف تنظيف شارع في مدينة أوروبيّة أقلّ ممّا يكلّف تنظيف شارع في بيروت.
الرجل الأخضر لا يسأل عن عمّال «سوكلين». تستهويه ثيابهم الخضراء وحسب. لا يسأل كيف تتحوّل شركة تنظيفات إلى قناة لتوزيع الأموال من العامّة إلى الأثرياء. ولا يسأل نفسه كيف تحوّل هو، الفتى الذي لم يولد وفي فمه ملعقة ذهب، إلى خادم أمين لمصالح مافيا التنظيفات.
يوسف سعادة، يا من صوّتَّ وحيداً بين وزراء المعارضة دعماً لسوكلين... لقد عرفناك من ربطة عنقك الخضراء. ومن حزبك الأخضر. غداً، حين تحضر إلى جلسة أخرى للحكومة، ستجد بانتظارك كرسيّاً أخضر، وقلماً أخضر، وأوراقاً خضراء، وحاسوباً أخضر. وحين يرفع زملاؤك أيديهم للتصويت، أرِنا إصبعك الملوّث بالأخضر.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 20 أكتوبر، 2010,12:42 م
ماذا يفعل؟

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٠ تشرين الأول ٢٠١٠


ماذا يفعل السياسيّ حين يخسر مشروعه؟
في الأحوال الطبيعيّة، يتنحّى. يترك السلطة للمشروع المقابل، وينتقل إلى صفوف المعارضة.
ماذا يفعل السياسيّ اللبنانيّ الذي راهن على قلب الطاولة في لبنان، فوجد نفسه عاجزاً عن الحكم إلا من خلال حكومة يملك فيها خصومه ثلثاً معطّلاً؟
ماذا يفعل السياسيّ اللبنانيّ الذي راهن على مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي سيقلب الطاولة في سوريا، فلم يتورّع عن اتّهامها علناً بكلّ الاغتيالات منذ 2005، فضلاً عن تحميلها منفردة مسؤوليّة كلّ موبقات هذا البلد من قمع وطائفيّة وفساد ودين عام... ثمّ عاد واعتذر بحجّة أنّه أخطأ؟
ماذا يفعل السياسيّ اللبنانيّ الذي ترقّب نتائج حرب تمّوز، فخذلته. وظلّ مصرّاً على الخصومة مع الحزب الذي خرج من الحرب مثخناً بالجراح، لكن منتصراً.
ماذا يفعل السياسيّ اللبنانيّ الذي راهن على ابتعاد سوريا عن إيران وحزب اللّه، فخذلته.
ماذا يفعل السياسي اللبناني الذي تعامل مع الحكم كعقار يُتوارَث، لكنّه لم يفلح في ترؤّس اجتماع، ولا في إدارة نقاش، ولا في معالجة ملفّ؟
ماذا يفعل السياسيّ اللبنانيّ حين يشعر بأنّه بات كالطابة تتقاذفها كلّ دولة من ميل. ما إن يتّجه يميناً، حتّى يجد من يردّه إلى الوسط. وما إن يتّجه يساراً، حتّى يعيدوه إلى اليمين. وما إن يقف مكانه، حتّى يأتي من وراء البحار مَن يهزّه؟
الجواب الطبيعي: في الأحوال الطبيعيّة، يتنحّى. أمّا رئيس الحكومة اللبنانيّة سعد الحريري، فلا يستطيع أن يتنحّى. فقد خسر مشروعه، لكنّه لم يخسر زعامته. قد تكون التركيبة اللبنانية ونظامها الطائفي هما السبب، وقد يكون أكثر من ذلك. لكنّ هذا المزيج بين الخسارة والربح هو ما يبقي الحريري واقفاً على رجليه. لكنّه واقف من دون أن يدري ماذا بعد الوقوف، ومن دون أن يعرف خصومه ما إذا كان عليهم أن يزيحوه أو يتحدّثوا معه. وفي الانتظار، لا حديث إلا عن المحكمة وقرارها الظنّي. وإنّ بعض الظنّ إثم.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 19 أكتوبر، 2010,6:31 م
بيروت ــ ناراياما

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٩ تشرين الأول ٢٠١٠


يحمل الشاب أمّه على ظهره، ويمضي بها في الرحلة الأخيرة إلى الجبل. تلك الرحلة المفروضة على كلّ مَن يبلغ السبعين. فالبلاد لا تتّسع للجميع. وعلى العجزة أن يخلوا المكان. ينتهي درب الجلجلة في ساحة تملأها العظام البشريّة، وتحلّق فوقها الغربان الجائعة، وهي تنعق بانتظار كتلة جديدة من اللحم. يجهش الشاب بالبكاء. أمّا الأمّ، فتفرش حصيرتها بصمت، وتومئ إلى ابنها كي ينصرف إلى القرية، قبل أن تضمّ يديها لتبدأ بالصلاة لإله الجبل.
وحدها السينما تستطيع تكثيف قسوة الحياة في مشهد واحد. وهذا بالضبط ما فعله المخرج الياباني شوهيه إيمامورا في فيلمه «أنشودة ناراياما» الذي عُرض للمرّة الأولى في 1983، بعد عام على الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الأمّ نفسها، التي تصعد إلى حتفها قانعةً، اطمأنّت إلى عائلتها بعدما خطّطت لمجزرة أجهزت على العائلة الأفقر في القرية.
كأنّ «أنشودة ناراياما» تتردّد هنا. كلّ ربع قرن، يقود جيل جديد الرحلة الأخيرة إلى قمّة الجبل. منّا من يصعد إليها بصمت كتلك الأمّ المؤمنة، ومنّا من يصرخ رافضاً الرضوخ للعنة القدر. لكنّ الجميع ينتهي طعاماً للغربان التي تنتظرنا واحداً تلو الآخر.
لأيّ إله سنصلّي وسط ذاك الركام من الجثث؟ لإله المقاومة؟ لإله المحكمة الدوليّة؟ لإله الطوائف التي ينهش بعضها بعضاً في مواسم الجفاف؟ وماذا لو صعدنا جماعات لا فرادى، كما يحدث عادةً في الحروب الأهليّة؟ هل ستتّسع الجبال لبقايانا؟
كأنّ «أنشودة ناراياما» تتردّد هنا. على هذه البقعة، لا صوت إلا للغربان. ولا شيء يزيل رائحة الموت التي تملأ الذاكرة. لكنّه موت غاوٍ، لا نكاد نرجمه حتّى نندفع إليه كالذاهبين إلى رحلة حقاً، إلى نزهة في البراري. نحمل الزوّادة بيد، ونرفع هويّتنا كخطيئة أصليّة باليد الأخرى.
أرشدْنا أيّها الغراب. إلى أيّ جبل سنصعد هذه المرّة؟ جبل 1975؟ جبل ما بين النهرين؟
أرشدْنا أيّها الغراب. ها قد هيّأنا كلّ شيء. بانتظار صفارة النعيق. وكأيّ عجوز في تلك القرية اليابانيّة من القرن التاسع عشر، سنصعد إلى الجبل بلا تردّد. رجاؤنا الوحيد هو أن ندرك القمّة في ليلة يتساقط فيها الثلج، فتكون نهايتنا أقلّ شقاءً.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 18 أكتوبر، 2010,5:30 م
وسيلة بلا غاية

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٨ تشرين الأول ٢٠١٠


الحرب الأهليّة على الأبواب... ثمّة انقلاب تهيّئ له المعارضة... القرار الظنّي سيتسبّب بفتنة يعرف الجميع متى تبدأ، لكن ما من أحد يعرف متى تنتهي... بعدما تَلَبْنَنَ العراق، جاء دور عَرْقَنَة لبنان... البلد لا يتحمّل حلقة تلفزيونيّة... إنّه فيلم 1975 يُعاد عرضه الآن... أمر اليوم لدى جميع الأحزاب: العودة إلى التسلّح...
تختلف أساليب التعبير، لكنّها كلّها تتحدّث عن مخاوف واحدة. وهي تجد أرضاً خصبة في نفوس اللبنانيّين، الذين ما زالت ذكرى الحرب الأهليّة طريّة في أذهانهم. ذكرى لم تساعد على محوها حقبة «السلم الأهلي»، وأعادتها فجأةً إلى السطح الاغتيالات المتتالية منذ 2005، ثمّ دمار حرب تمّوز، فأحداث الجامعة العربيّة و7 أيّار.
لكن كلّ هذا الخوف يستدعي سؤالاً أساسياً: ما هما المشروعان السياسيّان اللذان يتنافسان في لبنان؟ فحتّى النزاع الطائفيّ يتطلّب طربوشاً سياسيّاً ما.
في 2005، كانت الصورة أوضح. كانت مفاعيل 11 أيلول لا تزال سارية، والمشروع البوشيّ مُكمِلاً طريقه. يومها، راج الحديث عن «الشرق الأوسط الكبير» ثمّ «الشرق الأوسط الأكبر»، قبل المضيّ في صناعة «الشرق الأوسط الجديد». كانت ثورة لبنان الملوّنة جزءاً من هذا المشروع في مواجهة الضفّة الأخرى التي كان لبنان ينتمي إليها، والتي تجاهر بتحالفها مع سوريا المتحالفة بدورها مع إيران. الضفة التي لا ترى تحريراً للأراضي المحتلّة ولا سلاماً في الأفق من دون تعزيز قوى المقاومة المسلّحة.
في ركب الصناعة الأميركيّة الجديدة، التحق مَن رأى مصلحته تتقاطع مع المصلحة الأميركيّة. هكذا وُلد القرار 1559، وهكذا خرجت إلى الشوارع طوائف 14 آذار وجماهيرها. كان الشعار الاستهلاكي: بناء الدولة. المشروع السياسي المتلطّي خلف ذاك الشعار: نقل لبنان إلى الضفّة الأخرى. الوسيلة لتحقيق ذاك المشروع: المحكمة الدوليّة.
مأساة اليوم هي أنّ الممارسة الحكوميّة منذ 2005 أسقطت الشعار الاستهلاكي الذي لم تبقَ منه سوى مليارات ضائعة تُسأل عنها «المسكينة» ريّا الحسن. المشروع السياسي تبخّر مع رحيل المحافظين الجُدد من البيت الأبيض. وكلّ ما بقي «محكمة دوليّة» فقدت معناها في غياب المشروع الأصليّ.
لم يبقَ على المسرح إلا الدمى، وشدّ خيوط لتوزيع الحصص داخليّاً وإقليميّاً. مشهد لا يستحقّ حرباً أهليّة!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 13 أكتوبر، 2010,5:31 م
«بلا لعب يا ولاد»!

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٣ تشرين الأول ٢٠١٠


في لبنان، من بات يقلقه فجأةً تحقيق العدالة. دروس أخلاقيّة يوميّة تُتلى على اللبنانيّين عن العلاقة التي لا فكاك منها بين المجتمعات الحديثة والالتزام بمعايير العدالة. وفصول من التاريخ تجري مراجعتها لإثبات سلبيّات التفلّت من العقاب. ومن تعوزه العدّة الأخلاقيّة والفلسفيّة، يلجأ إلى التهديد بعودة الجرائم والاغتيالات السياسيّة ما لم تُترَك المحكمة الدوليّة تأخذ مجراها حتّى النهاية.
ولا تقتصر هذه الدروس على الساحة المحليّة، بل تتعدّاها إلى «العالم الحرّ». فترفع الولايات المتّحدة يديها مستسلمةً أمام استقلاليّة القضاء الدولي. وهي، بالمناسبة، الدولة نفسها التي ما زالت عالقة في أوحال غوانتنامو. وهي الدولة التي بإمكانها، عكس ما تدّعي، إلغاء أو إبطال مفاعيل أيّ قرار دوليّ لا يتناسب وسياستها.
الغريب حقاً أنّ المتحمّسين في لبنان اليوم لسلطة العدالة، هم من الذين لم تزعجهم سابقاً أحكام العفو العام، ولا أحكام العفو التي صدرت لاحقاً كما جرى مع سمير جعجع مثلاً. عدا عن أولئك الذين لو طُبِّقت عليهم معايير العدالة، لما بقي أحد منهم خارج السجن. فمن لا تطَلْه جرائم الحرب الأهليّة، فهو غارق حتّى أذنيه في مستنقعات الفساد والنهب المنظّم وغير المنظّم. وها نحن نعيش في بلاد ارتضت لنفسها أن يحكمها مجرمو حرب، وأن تطوي ملفّ المجازر من دون محاكمات ولا محاسبة ولا من يحزنون. وقد تمّ كلّ ذلك تحت شعار الحفاظ على التوازنات الطائفيّة، والربط بين الطوائف وزعمائها.
الغيارى على العدالة حقاً، مدعوّون لفتح ملفّ حقبتي الحرب الأهليّة و«السلم الأهلي». ولتبدأ المحاسبة وتوزيع المسؤوليّات. لأنّ المواطن والوطن اللذين يقبلان بالتنصّل من كلّ المجازر عبر إلصاقها بـ«حروب الآخرين»، ثمّ بالوصاية السوريّة، هما مواطن ووطن بعيدان تماماً عن أيّ مفهوم للعدالة.
لنضع التكاذب جانباً إذاً. نحن أمام ملفّ سياسيّ يدعى «المحكمة الدوليّة». وإذا كان اللعب السياسي مسموحاً، فإنّ حدوده تبقى ضمن إطار الحفاظ على الأمن. وقد لعب كثيرون في السابق بهذا الملف، وتمكّنوا من الاستيلاء على السلطة بواسطته. أمّا وقد بدأ الملفّ يهدّد الاستقرار، فعلى هذا اللعب أن يتوقّف.
«بلا لعب يا ولاد»!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 12 أكتوبر، 2010,5:33 م
الربح السريع والخسارة القاتلة

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٢ تشرين الأول ٢٠١٠


«لن نستمع إلى قرار ظنّي مبني على التزوير، وفيه أيّ دليل إسرائيلي مباشر أو غير مباشر»... «إذا انطوى القرار على هذه التلفيقات [دير شبيغل]، فسنرفضه من أساسه»... «لن نقبل بقرار يلتفّ سياسيّاً حول رقبة المقاومة، أو حول سلاح المقاومة الذي يبحث على طاولة الحوار»... «سنواجه المحكمة التي تأتينا بأدلّة إسرائيلية لاتهام المقاومة»...
هذه العبارات وردت، أمس، على لسان النائب الأقرب إلى رئيس الحكومة سعد الحريري. وهي ليست بالضبط العبارات التي تريح حزب اللّه، لكنّها تقترب من أن تكون كذلك، خصوصاً إذا ما ردّدها رئيس الحكومة لا أحد نوّابه. لكن مجرّد خروج تلك العبارات إلى العلن يعني أنّ ما من حائط مسدود من جهة تيّار المستقبل، في ما يتعلّق بإصدار موقف رافض لأيّ قرار اتّهامي يصيب حزب اللّه أو عناصر منه. وذلك برغم كلّ المواقف التصعيديّة التي أدلت بها، أمس، شخصيّات «مستقبليّة» ساءها ما ورد على لسان النائب أعلاه.
وفي المقابل، صدرت تصريحات عديدة من جهة المعارضة السابقة تتمسّك بسعد الحريري رئيساً للحكومة، لا بل تقرّ بأنّ البحث عن بديل له هو بحث غير واقعيّ مطلقاً. وهذا لا ينبع من كون «تركيبة البلد» طائفية وحسب، بل من كون «تركيبة» المعارضة طائفية أيضاً. تلك المعارضة التي لم تنجح في أن تكون ما ادّعته يوماً «المعارضة الوطنيّة اللبنانيّة». وفي حال كهذه، يمكن البناء على التصريحات المطمئنة للحريري، خصوصاً إذا ما صدرت عن المعارضة السابقة مجتمعة.
هذان الموقفان، المعارض والموالي، يصلحان كسدّ في وجه الفانتازمات التي تراود الطرفين في لبنان: فانتازم «الانقلاب»، وفانتازم «العدالة الدوليّة»، في ظلّ وجود سياسيّين باتوا معتمدين لدى الطرفين من أجل الترويج لفانتازمات كهذه.
بات عالم الخيال هذا هو الخطر الحقيقي على لبنان، خصوصاً أنّه خيال إغوائيّ. فلعلّ أكثر ما يحتاج إليه اللبنانيّون اليوم، ولا سيّما زعماؤهم، هو قدر من الواقعيّة والعقلانيّة، أي قدر من السياسة في إدارة شؤون البلاد. فعالم المال، تماماً كعالم العسكر، هو عالم المجازفات. عالم الربح والخسارة. عالم الربح السريع والخسارة القاتلة. وهذا بالضبط ما ينبغي إبعاد البلاد عنه.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 11 أكتوبر، 2010,5:34 م
لذّة الحداد

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١١ تشرين الأول ٢٠١٠


في سياق نشرة أخبار «أو. تي. في» الخميس الفائت، عرضت المحطّة التلفزيونيّة شريطاً مدّته دقيقة ونيّف عن زيارة العماد ميشال عون إلى دير مار أنطونيوس في بعبدا، التي جاءت بعد جلسة حوار في الجامعة الأنطونيّة. الزيارة إلى الدير تضمّنت حفل غداء شارك فيه بعض نوّاب عون وأساتذة من الأنطونيّة، إضافة إلى رهبان الدير طبعاً. أمّا المشهد الذي عُرض على الشاشة، والذي توجد نسخة منه على موقع «يوتيوب» (www.youtube.com/watch?v=E_-dv4YM5FU)، فيظهر الحاضرين يشربون نخب لبنان ويرفعون كؤوس النبيذ عالياً، فيما ينشدون لفيروز. ونرى عون يغنّي واقفاً ومتأثّراً، وكذلك يفعل الرهبان المحيطون به: «بمجدك احتميت، بترابك الجنّة، عَ إسمك غنّيت عإسمك رح غنّي، وإحمل بإيدي كاسك المليان، وإرفعو لفوق... لفوق... لمطرح اللي بيوقف الزمان... وإسكر بإسمك مجد يا لبنان»!
بعد ساعات من هذا الغداء، كانت فيروز نفسها تطلق ألبومها الجديد في مجمع «البيال» في وسط بيروت، حيث أحيت أمسية غنائيّة هي الأولى لها منذ سبعة أعوام. الأمسية ـــــ الحدث ترافقت مع الأمل بأن يكون صوت فيروز موحِّداً للّبنانيّين الذين باتت إجماعاتهم تضيق يوماً بعد يوم.
المناسبتان، رغم التفاوت الكبير بينهما، ورغم الفرح الذي عمّ كلّ من شارك فيهما، تثيران حزناً عميقاً. فالاحتفال بفيروز وبأغانيها الجديدة في «البيال»، كما رفعُ نخب لبنان على وقع أغانيها في دير مار أنطونيوس، يبدوان أقرب إلى إعلان الحداد على بلاد كانت هنا ذات يوم، وعلى «أيقونة» حاولت المستحيل لتخلق وطناً من لا شيء.
هكذا يودّع الرهبان الوطن الذي ارتبط بطائفتهم يوماً، ليصبح مصيره مجهولاً، وفي أفضل الأحوال معلّقاً بانتظار صراعات الطوائف الأخرى العاجزة عن القيام بدور الوريث. كلمة عون في الأنطونيّة كانت معبّرة في هذا السياق. فالجنرال المبشِّر باستعادة الدور واستعادة الوطن، قال كمن يعزّي نفسه والآخرين: «قيمتنا ليست في عدد الدبابات التي نملكها، بل في عدم خوفنا من عدد الدبابات (اقرأ: من حزب اللّه). قيمتنا ليست في كثرة المال الذي نملكه، قيمتنا في عدم وقوعنا في إغراء المال (اقرأ: في إغراء الحريريّة)».
صحيح أنّ عمل فيروز الجديد حمل عنوان «إيه في أمل»، لكنّ الحنين الذي لا شفاء منه لدى سماع أغنية «حمرا سطيحاتِك» يكفي لتذكيرنا بأنّ الماضي قد مضى.
«في أمل إيه في أمل»... لكنّه «أوقات بيطلع من ملل».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 6 أكتوبر، 2010,5:41 م
ثمن للصداقة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٦ تشرين الأول ٢٠١٠


حين ذهب سعد الحريري إلى دمشق للمرّة الأولى، تمنّى جزء كبير من أنصاره لو تنشقّ الأرض وتبلعهم. يومها، قيل إنّ الحريري رئيس حكومة لبنان، ولا يمكن من هو في هذا الموقع أن يقاطع سوريا. لقد كانت زيارة دولة لدولة، لا زيارة شخصيّة. وثمّة من تبرّع ليضيف أنّ ما قام به الحريري لا يعني أبداً التراجع عن اتّهام سوريا باغتيال والده.
لكنّ رئيس الحكومة اللبنانية الذاهب إلى دمشق في زيارة غير شخصيّة، أصرّ على النوم في القصر الرئاسيّ السوري، وتناوُل الفطور مع الرئيس بشّار الأسد، والجلوس إلى جانبه في سيّارة واحدة من أجل «كزدورة» من رجل دولة إلى رجل دولة في شوارع دمشق القديمة.
رغم هذا المشهد، عاد الحريري إلى بيروت، لا ليعطي زيارته طابعاً رسميّاً لبنانيّاً وحسب، بل ليضعها في سياق المصالحات العربيّة ـــــ العربيّة التي كان قد بدأها الملك السعودي في الكويت. وكأنّه بذلك يؤكّد أنّه ما زال هو وجمهوره على حق في كلّ ما فعله سابقاً، لكنّ «الصالح العربيّ العام» يقتضي بعض التضحيات.
ومن «الصالح العربي العام»، بدأ الحريري يتّجه نحو «الصالح اللبناني العام» الذي يعني طبعاً الطلب من سوريا التدخّل في الشؤون الداخليّة اللبنانيّة لحثّ حلفائها على تسهيل مهمّة الحريري الابن في رئاسة الحكومة. وتدرّجت العلاقات من «دولة إلى دولة» إلى ترداد لازمة «العلاقات الشخصيّة الممتازة» بين الرئيسين سعد الحريري وبشّار الأسد.
وفي خطوة تالية، انتقلنا من «عدم التراجع عن اتّهام سوريا» إلى الاعتذار العلني عن الاتهام السياسي لسوريا، والاعتراف بوجود شهود زور أساؤوا إلى العلاقات بين البلدين الشقيقين.
المشهد مؤثّر فعلاً، وخصوصاً حين نتذكّر أنّ طوله يمتدّ بضعة أشهر وحسب. لكن خلف هذا المشهد، ثمّة أصوات حريريّة كانت توحي دائماً بأنّ ما يجري ليس حقيقيّاً، كما لو أنّ الحريري حين ضحك على أنصاره، قائلاً إنّه جزء من المصالحات العربية ـــــ العربية، صدّق نفسه. كأنّ الحريري صدّق فعلاً أنّ بإمكانه أن يقبض ثمن صداقته لدمشق، وأنّ هذا الثمن لن يكون أقلّ من رأس حزب اللّه.
على الحريري أن يستفيق من أوهامه. وليراجع في هذا الخصوص المحاضرة الأخيرة لإليوت أبرامز.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 5 أكتوبر، 2010,5:39 م
نهاية حكومة

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٥ تشرين الأول ٢٠١٠


يتحوّل مكتب وزير العدل إبراهيم نجّار إلى مستودع تُرمى فيه كلّ الملفّات التي لا طاقة للحكومة على مناقشتها. بدأ الأمر مع شهود الزور، وانتقل إلى مذكّرات التوقيف السوريّة. غداً، قد تُحال عليه مشاريع موازنتَيْ 2010 و2011، وربّما مشروع تأليف الهيئة الوطنيّة لإلغاء الطائفيّة السياسيّة.
برنامج العمل الجديد لوزير العدل ليس إلا دليلاً على الشلل الحكومي. لقد سقطت حكومة الوحدة الوطنيّة، سواء بقيت أو جرى تغييرها. فهي لم تتمكّن من إنجاز أيّ شيء، وغرقت في النكايات السياسيّة التي عرقلت حتّى المشاريع الجديّة التي امتلكتها قلّة من الوزراء. وحتّى لا يستمرّ المرء بالاختباء وراء إصبعه، ينبغي الاعتراف بأنّ هذه الحكومة لا يمكنها أن تستمرّ إلا بقوّة العجز.
فمن ناحية أولى، يقف على رأس هذه الحكومة سعد رفيق الحريري المتمسّك بالمحكمة الدولية التي يعرف تماماً أنّها ستصدر قريباً قراراً يتّهم حزب اللّه (أو بعض عناصره غير المنضبطين) باغتيال والده. أي إنّ رئيس الحكومة يقود فريق عمل يضمّ مَن تعتقد المحكمة الدوليّة أنّهم قتلة والده.
ومن ناحية ثانية، يشارك في هذه الحكومة وزراء من حزب اللّه وحلفائه الذين يعتقدون أنّ المحكمة الدوليّة التي يتمسّك بها رئيس الحكومة تحاول إلصاق جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بالحزب إرضاءً لرغبة أميركيّة وإسرائيليّة في التخلّص من المقاومة. أي إنّ وزراء حزب اللّه يعملون بقيادة من يعتقدون أنّه ضالع، عن قصد أو غير قصد، في مؤامرة دوليّة للتخلّص منهم.
فإذا كان الوزراء عاجزين عن النظر بعضهم في أعين بعض، فكيف يُطلَب منهم أن يديروا بلداً؟ يتطلّب الأمر أكثر من رئيس توافقيّ وأكثر من جدول أعمال خالٍ من الدسم.
لا شكّ في أنّ فريق رئيس الحكومة بات مدركاً لهذه الحقيقة. لذلك، عاد شدّ العصب الطائفيّ لإثبات أن لا بديل من «زعيم السنّة» على رأس الحكومة، لا بل بات كبار الموظّفين الأمنيّين المقرّبين منه يتباهون بأنّهم يتحوّلون هم أيضاً إلى رموز للطائفة. وبعضهم لا يخجل من خلع النجوم عن كتفيه للمشاركة في البازار الطائفي تحت شعار «بناء الدولة».
لعلّ أخبث ما في الاستراتيجيا الطائفيّة أنّها غالباً ما تكون ناجحة، وخصوصاً حين لا تجد في مواجهتها إلا المرايا.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 4 أكتوبر، 2010,5:37 م
سباق الممحاتين

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٤ تشرين الأول ٢٠١٠


بدأت اللعبة كلّها بوليد جنبلاط وجميل السيّد. اللعبة نفسها، إن قُدِّر لها أن تطوي أحد فصولها الأخيرة، فستطويه بوليد جنبلاط وجميل السيّد. إنّه القدر من دون شك. لكنّها أيضاً الحلقة اللبنانيّة الفارغة، حيث يحدث التغيير وتسيل الدماء كي يبقى كلّ شيء مكانه.
في 14 آذار 2005، كانت الجماهير التائقة إلى التخلّص من القبضة السوريّة. وكانت الطوائف اللاهثة لتحسين مواقعها. وكانت الولايات المتّحدة الأميركيّة والشرق الأوسط الجديد. وكان شبح الثورات الملوّنة فوق سماء بيروت. وكان الغضب من عودة الاغتيالات، ومن اغتيال رفيق الحريري تحديداً. لكن، قبل هذا كلّه، ومن أجل هذا كلّه، كان وليد جنبلاط. الزعيم اللبناني الوحيد الذي كان قادراً آنذاك بإيماءة واحدة منه أن يعلنها «ثورة» أو «انتفاضة». صحيح أنّه زعيم الطائفة الأصغر، لكنّ نقطة الضعف هذه لم تكن إلا نقطة القوّة القادرة على أداء دور الحلقة الجامعة للدوائر الأكبر.
في 14 آذار 2005، وعلى المقلب الآخر من المشهد، كان جميل السيّد. لم يكن حاضراً بجسده بين الجموع. لكنّه كان حاضراً بصورته المرفوعة، مرفقة بعبارة «ارحل». كان إلى جانبه ضبّاط آخرون يقاسمونه الصورة، لكنّه كان هو الرمز لما عُرف آنذاك باسم «النظام الأمني اللبناني ـــــ السوري المشترك». ذاك النظام الذي حُمِّل مسؤوليّة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والذي أُريدَ إعفاء السياسيين من أي دور فيه، فجرى تجسيده بوجه جميل السيّد.
وفيما نعيش اليوم لحظات حاسمة بالنسبة إلى المحكمة الدوليّة التي كانت مطلباً أساسياً لـ«انتفاضة الاستقلال»، يعود وليد جنبلاط وجميل السيّد إلى الواجهة. لكن، هذه المرّة، لإثبات أنّ شيئاً لم يكن. وإذ يتولّى جنبلاط منذ مدّة مهمّة محو الأحداث التاريخيّة باسم منع الفتنة وتفضيل الاستقرار والسلم الأهلي على المحكمة، يتولّى جميل السيّد ملفّ شهود الزور، الذي قد يفضي في نهاية المطاف إلى «هَرْكَلة» التحقيق الدولي، وبالتالي القرارات الاتّهامية، ما دام إلغاء المحكمة الدوليّة متعذّراً.
يمكن القول إنّه فيما يحاول جنبلاط محو ما اقترفته يداه، يجهد جميل السيّد لمحو ما اقترفته يدا جنبلاط. السؤال المهمّ: هل ستنتصر الممحاة؟ السؤال الذي لا يقلّ أهمية: ممحاة مَن هي التي ستنتصر؟


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments