الخميس، 30 سبتمبر، 2010,9:12 ص
حتّى لا نضطرّ إلى الاعتذار

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٣٠ أيلول ٢٠١٠


قبل خمسة أعوام، دخلت البلاد منطقة الخطر. كانت أعين العالم كلّه شاخصة على ثورة الأرز كنموذج للتغيير الذي تنشده الإدارة الأميركية للمنطقة. وهو نموذج لم يكن بعيداً أصلاً عن تطلّعات قسم لا بأس به من الشعب اللبناني. تطلّب الأمر جهداً كبيراً، حتى فرض القسم الآخر نفسه، حتّى لا تحجب وجهه الأغلفة الملوّنة للمجلات الغربية. وفي ظلّ هجمة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كانت تراه كوندوليزا رايس في أحلامها، كان الرهان على حكمة الزعماء اللبنانيين، من مؤيّدي مشروع رايس ومعارضيه، كي لا ينجرّوا إلى التماهي المطلق مع المشاريع الخارجية، فيتحوّلوا مجرّد أداة، ويحوّلوا البلاد إلى مجرّد مختبر.
اليوم، مع تراجع الزخم الأميركي في المنطقة، باتت الآية معكوسة. أصبح الرهان على حكمة القوى الخارجية الممثّلة بمعادلة س ـــــ س كي تلجم تهوّر الزعماء اللبنانيين الذين بات الرهان على حكمتهم ضرباً من الجنون.
فعلى ما يبدو، ورغم الكلام الكثير على عدم وجود مصلحة لأي طرف في اشتعال الفتنة، ثمّة استسهال مشترك في توفير الظروف الموضوعية اللازمة لاندلاع فتنة كهذه.
فمن ناحية، هناك من لا يزال مصراً على عدم الاعتراف بالشغف الطائفي الذي يمثّل المحرّك الأساسي للانتماءات والعواطف السياسية. ويتجلّى عدم الاعتراف هذا في اعتبار بعض المسؤولين في حزب اللّه أن إخلاصهم في العمل المقاوم ضد إسرائيل قد يشفع لهم في حال اندلاع فتنة سنية ـــــ شيعية، ولعلّ الشعار المبتذل لتفكير كهذا ساد خلال أحداث ٧ أيار حين رأت وسائل الإعلام التابعة للحزب أنّ ما يجري هو «استعادة بيروت لوجهها العروبي». وفي السياق نفسه، ثمّة من يستعيد سذاجة يسارية، فيرى أنّ الفتنة، حتى لو وقعت، فإنها سرعان ما ستتحوّل إلى نوع من الصراع الطبقي!
أما من الناحية الأخرى، فثمة من لا يزال يرى أن حقه في معرفة قتلة الرئيس رفيق الحريري، واحترام اللبنانيين لهذا الحق، سيشفع له في البقاء متفرّجاً حتى صدور القرار الاتهامي عن المحكمة الدولية. وبسذاجة مطلقة، ثمة من يطالب بتفحّص الأدلّة التي ستقدّمها المحكمة، غير مدرك أنّه قبل أن يتفحّص أي شيء، ستكون المشاعر الطائفية قد تفحصت كل شيء عنه.
من أجل رئاسة الحكومة، قضى سعد الحريري ليلة هانئة في ضيافة بشار الأسد، واعتذر عن اتهام سوريا بقتل والده. يستحق السلم الأهلي موقفاً مسؤولاً حتّى لا نضطرّ إلى أن يعتذر بعضنا من بعض بعد خراب البصرة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 29 سبتمبر، 2010,9:13 ص
حرّيات

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٩ أيلول ٢٠١٠


فرع المعلومات حرّ. إنّه جهاز غير شرعي، لكنّه يريد الاستمرار في العمل. يكشف شبكات تجسّس، يحافظ على أمن المواطنين، يقود تحقيقات، ويرشد المحكمة الدوليّة إلى القتلة. حرّ.
فؤاد السنيورة حرّ. بقي سنوات رئيساً لحكومة (غير شرعيّة؟). أنفق أموالاً على ذوقه، ولا يريد أن يطلع أحداً كيف أنفق هذه الأموال. وإن أصرّ أحدكم على مساءلته، فسيبكي. حرّ.
ديتليف ميليس حرّ. سطع نجمه في لبنان. سمّت الأمّهات أطفالها على اسمه. أراد أن يستخدم شهود زور ليتّهم سوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري. المعطيات التي كانت بين يديه واهية، لكنّه قرّر أن يصدّقها. حرّ.
دانيال بلمار حرّ. يريد أن يتّهم حزب اللّه بقتل الحريري. ويريد أن يسرّب أو يسمح بتسريب أو لا ينزعج لتسريب أنّه يريد أن يتّهم حزب اللّه بقتل الحريري. طوِّل بالك يا داني. روق شوي. حرّ.
كتلة المستقبل حرّة. لم تسمع بشهود زور. لم تسجن أحداً. ولا تريد أن تحاسب أحداً ممّن فَبْرك أو موّل أو لقّن أولئك الشهود. وهي في الوقت نفسه تريد الحقيقة. حرّة.
حزب اللّه حرّ. يؤكّد أنّ ما حصل في المطار سيحصل من جديد كلّما يشاء له أن يحصل. حرّ.
وليد جنبلاط حرّ. يخرج من جيبه ورقة يقرأ منها خطاباً عروبياً واشتراكياً. يضع الورقة في جيبه. ثمّ يخرج ورقة يقرأ منها خطاباً ليبرالياً. يضع الورقة في جيبه. ثمّ يخرج ورقة يقرأ منها خطاباً ضدّ الاستعمار. يضع الورقة في جيبه. ثمّ يخرج ورقة يؤيّد فيها الاستعمار بصفته حاملاً للتقدّم. يضع الورقة في جيبه. حرّ.
ريّا الحسن حرّة. هي وزيرة تنفيذ الأوامر. لا تضع سياسات، ولا تعرف كيف تناقشها. لكنّها وزيرة المال. حرّة.
بطرس حرب حرّ. رأى في تقرير «هيومن رايتس ووتش» حول عاملات المنازل إساءةً لسمعة لبنان. كلّ ما يُقترَف بحق العاملات لم يهزّ الوزير. لكنّ معاليه لم يتحمّل ما ورد في التقرير. حرّ.
غازي يوسف حرّ. يجمع منصبين خلافاً للقانون. لكنّه يريد الاحتفاظ بهما معاً. وبوقاحة مطلقة، يقول إنّ بينه وبين شربل نحّاس حساباً. حرّ.
اللبناني، عموماً، حرّ. أمّا جبران باسيل، فصهرٌ وحرٌّ وحرٌّ وحرُّ.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 28 سبتمبر، 2010,9:14 ص
«لأجل لبنان»

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢٨ أيلول ٢٠١٠


منذ خمسة أعوام ونحن نعيش في ظلّ شعار واحد: «الحقيقة لأجل لبنان». وأنا شخصياً مع الحقيقة، ومع لبنان. لكنّي، لسبب ما، لم أقتنع يوماً بما بين الحقيقة ولبنان، أي لم أقتنع بتلك الـ«لأجل». ثمّة حقيقة في مكان ما. وثمّة وطن ينبغي المحافظة عليه. أمّا الرابط بينهما، فما زال غامضاً.
ربّما كانت المسألة لغويّة وحسب. فأنا لا أستسيغ استخدام «لأجل» في أيّ جملة. ورغم معرفتي المقبولة بقواعد اللغة العربية، لم أتمكّن بعد من فهم أهميّة «المفعول لأجله». ما كان اختراعه ضروريّاً لتثبيت أيّ منطق لغويّ.
لكن، بما أنّ الهدف العلنيّ للجميع هو العمل «لأجل لبنان»، أقترح شعارات أخرى أكثر سهولةً على الهضم. ففي ظلّ التوتّر الحالي، والمستمرّ منذ زمن، باتت عضلات المعدة بحاجة إلى بعض المساعدة كي تتمكّن من العمل جيّداً. وكي أسهم في فكفكة تشنّجات معدتي ومعدات الآخرين، إليكم الاقتراحات الآتية:
فليصمت محمّد كبّارة «لأجل لبنان».
فليكفّ نوّاف الموسوي عن أداء دوره الجديد، «اللي مش لابقلو»، «لأجل لبنان».
فليحلّ ميشال عون عن التوطين «لأجل لبنان».
فليعتزل أحمد مرجعيون فتفت السياسة «لأجل لبنان».
فليبتسم محمّد رعد «لأجل لبنان».
فليكفّ فؤاد السنيورة عن اعتبار افتتاح «مول» تجاريّ قمّة التنمية المستدامة «لأجل لبنان».
فليضبّ أمين الجميّل سلالته «لأجل لبنان».
فليعبس عمّار حوري «لأجل لبنان».
فليكفّ سمير جعجع عن مخاطبة التاريخ «لأجل لبنان».
فليخفّف عقاب صقر عدد الكلمات في الجملة الواحدة «لأجل لبنان».
فلتستقل جلبيرت زوين «لأجل لبنان».
فلتُختَصَر البرامج التلفزيونيّة الصباحيّة «لأجل لبنان».
فلينكُشْ طلال أرسلان شعرة واحدة من رأسه «لأجل لبنان».
فليمارس مصطفى علّوش الطبّ «لأجل لبنان».
فليكفّ رياض سلامة عن أداء دور الملاك «لأجل لبنان».
فليخجلْ طارق متري «لأجل لبنان».
فليورّث ميشال المرّ الزعامة لغير ابنه «لأجل لبنان».
فلتكتفِ «سوليدير» بما نهبته حتّى الآن «لأجل لبنان»...
بدأت أشعر بتحسّن في أعصاب المعدة. وحين تتحسّن معدتي، تتحسّن «لأجل لبنان».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 27 سبتمبر، 2010,9:16 ص
عزيزي السيّد كاسيزي

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٢٧ أيلول ٢٠١٠


في مقابلته التلفزيونيّة الأخيرة، حذّر النائب سليمان فرنجيّة من صدور قرار عن المحكمة الدوليّة يتّهم أفراداً من حزب اللّه باغتيال الرئيس رفيق الحريري، مشيراً إلى أنّ قراراً كهذا هو بمثابة إعلان حرب. في المقابل، أعلن، أمس، رئيس حزب الكتائب، أمين الجميّل، أنّه «إذا كان الخيار بين المحكمة ـــــ ولو حصلت بعض الإشكالات على الأرض ـــــ واللامحكمة، فأنا مع المحكمة»، مضيفاً إنّه يؤكّد موقفه هذا «مهما تكُن تداعيات القرار الظنّي».
يكاد هذان الموقفان يختصران الموقف اللبناني من المحكمة الدولية. فالخيار الحقيقي الوحيد المطروح أمام اللبنانيّين اليوم هو الآتي: إمّا المحكمة والفتنة، وإمّا اللامحكمة واللافتنة. أمّا الموقف المبدئيّ القائل بالمزاوجة بين المحكمة والسلم الأهليّ، كما يعبّر عنه سمير جعجع مثلاً، فلا مكان له في عالم السياسة وعلى أرض الواقع. قد تكون هذه الحقيقة جارحة وموجعة، وهي كذلك فعلاً، لكنّها الحقيقة الواقعة اليوم، الآن وهنا.
باستطاعة البعض التذاكي، كما يفعل بعض نوّاب المستقبل حين يتساءلون: ومن قال إنّ المحكمة ستتّهم أفراداً من حزب اللّه؟ وباستطاعة آخرين أن يقلّلوا من هول المأساة، مذكّرين بأنّ الكثير من القرارات الاتّهاميّة لم تصمد أمام المحاكم الدوليّة وجرى التراجع عنها في سياق المحاكمات. لكنّ الجميع يعرف أنّ الجميع بات يعرف أنّ أصابع الاتّهام ستُوجَّه نحو عناصر من حزب اللّه، وأنّ دولاً تتدخّل لتأجيل صدور القرار، وأنّ المدّعي العام الدولي دانيال بلمار لا يعيش في جزيرة «العدالة» المعزولة.
الواقع أنّه لو كان القرار الاتّهاميّ حكماً مبرماً، لربّما جازت المجازفة في شأنه. فمن حقّ شعب أن يقرّر خوض حرب من أجل الدفاع عن مفهوم العدالة على أرض وطنه. لكنّ المأساة الحقيقيّة هي أنّ القضاة والعدالة الدوليّة باستطاعتهم أن ينتظروا سنوات كي يتأكّدوا من صحّة اتّهاماتهم، وأن يأخذوا وقتهم في المرافعات أمام قوس المحكمة، لكنّ لبنان 2010 لا يستطيع أن ينتظر. لأنّ لبنان 2010 يقع على الضفّة الشرقيّة للبحر الأبيض المتوسّط، في تلك المنطقة التي غزاها الجيش الأميركي يوماً باسم «حرب عادلة»، وسبّب غزوه انفجار ما يسمّى الفتنة السنّية ـــــ الشيعيّة.
عزيزي السيّد كاسيزي،
من حقّك أن تصرّح بأنّ أحكام العفو السابقة لم تساعد لبنان على العيش بسلام. ومن حقّك أن تصرّ على أن تأخذ العدالة مجراها، هذه المرّة، مهما كان الثمن. لكن، عليك أن تدرك جيّداً أنّ مقرّ المحكمة الدوليّة هو في لاهاي، أمّا قراراتها، فستنفجر في بيروت.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 22 سبتمبر، 2010,9:18 ص
معركة أخلاقيّة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٢ أيلول ٢٠١٠

لم يكن الصراع الناشب في لبنان منذ خمسة أعوام حتّى الآن سياسيّاً وحسب. حاول الطرفان المتنافسان إضفاء طابع أخلاقيّ عليه، ما سهّل اتّساع الهوّة بين فريقَيْ 8 و14 آذار، وصولاً إلى تصوُّر كلٍّ منهما أنّه ينتمي إلى معسكر الخير في مقابل انتماء الآخر إلى معسكر الشرّ.
العدّة «الأخلاقيّة» لـ14 آذار يمكن تلخيصها بالآتي:
1) نحن نريد محاسبة القَتَلة لتحريم مسلسل الاغتيالات السياسيّة في لبنان. أمّا سوانا، فيريد تبرئة المجرمين.
2) نحن نريد بناء الدولة التي لا يمكن أن تستقيم من دون احتكارها وسائل العنف. أمّا سوانا، فيصرّ على التمسّك بسلاحه الخارج عن أمرة الدولة.
3) نحن نريد تحصين استقلال لبنان بعد خروج الجيش السوري. أمّا سوانا، فتابعٌ لسوريا، ويريد إدخال البلاد في أحلاف إقليميّة في غير مصلحتها.
طبعاً، يمكن إضافة عناوين أخرى أقلّ جدّيّةً كـ«حبّ الحياة» في مواجهة «ثقافة الموت»، أو «ثقافة الوصل» في مواجهة «ثقافة الفصل»، كما ورد في إحدى وثائق 14 آذار.
العدّة «الأخلاقيّة» لـ8 آذار كانت مختلفة. تحصّنت بالمقاومة أساساً، قبل أن يمدّها التيّار الوطني الحرّ بشعار «مكافحة الفساد». لكنّ هذا الفريق الذي بقي مدّة طويلة في موقع دفاعيّ، عمل على كسر ادّعاء التفوّق الأخلاقيّ لخصومه أكثر ممّا عمل على إثبات تفوّقه. وإن كان بند «بناء الدولة» لم يحتج تفنيده إلى جهد كبير ـــــ فمآثر الحريريّة في الدولة أكبر من أن تحصى ـــــ فإنّ تجربة «الشركات الأمنية» لـ«المستقبل» التي انهارت في 7 أيّار أسقطت أيضاً أطروحة «احتكار العنف». لكنّ حرب تمّوز تبقى هي من رفع سلاح المقاومة إلى مقام أسمى من أن تصيبه السهام الداخليّة. أمّا بند «الاستقلال»، فرفعت 8 آذار في مواجهته شعار «من عنجر إلى عوكر»، ولم يخذلهم خصومهم في مشهد الذلّ في السفارة الأميركيّة خلال حرب تمّوز. وإن كان الارتباط بالسعوديّة لم يمثّل مادّة تجاذب، فإنّ «الانتفاضة» سقطت برمّتها عند عتبة رستم غزالي التي عادت لاستقبال الضيوف، وتكرّس سقوطها في زيارات رئيس الحكومة المتكرّرة لدمشق، التي لا علاقة لها ببناء العلاقات بين دولتين.
بقي البند الأوّل. ملاحقة شهود الزور ومُفبرِكيهم يرمي، في أحد أهدافه، إلى القول إنّ فريق 14 آذار لم يكن حتّى مشغولاً باكتشاف الحقيقة، وإنّ «الحقيقة» لم تكن شعاراً أخلاقياً، بقدر ما كانت استغلالاً «غير أخلاقيّ» لجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. المفارقة، كلّ المفارقة، أنّ هذه المعركة الأخلاقيّة يخوضها عن 8 آذار جميل السيّد!



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 21 سبتمبر، 2010,9:17 ص
لبنانان: قنديل أو صقر

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢١ أيلول ٢٠١٠


وحدها شاشة «أم. تي. في» استطاعت، أمس، تقديم المشهد السياسي اللبناني. فضمن برنامج «بموضوعيّة»، استضاف الزميل وليد عبّود النائب عقاب صقر والنائب السابق ناصر قنديل. وكما هو معروف، فإنّ هذين الرجلين اكتسبا شهرتهما من قدرتهما على الكلام من دون توقّف لتسويغ أيّ موقف رسميّ يصدر عن «النظام».
النظام الحريريّ بالنسبة إلى الأوّل، ونظام الإدارة السوريّة (التي كانت الحريريّة جزءاً منه) بالنسبة إلى الثاني. استطاعت الشاشة أن ترسم، أمس، مشهداً سوداويّاً. فمَن نُكِب بمتابعة البرنامج، ساوره شعور بأنّ كلّ ما تشهده البلاد اليوم من سجالات وتوتّرات، يمكن اختزاله بنوعَيْن من الـ«لبنان» يقترحهما الطاقم السياسي على اتّساع مروحة اختلافاته: لبنان ناصر قنديل أو لبنان عقاب صقر.
أمّا من أسعفه الحظّ في تجنّب هذا البرنامج، فلا بدّ أنّه سمع خلال نشرات الأخبار الموقف الأسبوعي الذي أدلى به النائب وليد جنبلاط إلى جريدة «الأنباء». وجنبلاط، عادةً، لا تعوزه المواقف. فهزّة رأس منه تتصدّر العناوين الأولى لصحف كثيرة. لكنّ جنبلاط خذل جريدته الحزبيّة هذا الأسبوع. وبدلاً من أداء دور السياسي، اختار كتابة مقال ساخر من النوع الذي يكتبه الصحافيّ حين «يُزرَك» بالوقت، أو حين تفرغ جعبته من المواضيع. وحين يقوم بذلك سياسي من طراز وليد جنبلاط، فهذا يعني أنّه رغم التوتّر الشديد الذي يسود البلاد، فإنّ السياسة في استراحة هذا الأسبوع، حتّى لا نقول إنّها دخلت في إجازة مفتوحة.
فأيّ دور للسياسة والسياسيّين ما دام الضبّاط يتولّون السجال وصناعة الأحداث بأنفسهم. وأيّ دور للسياسة والسياسيّين ما دامت الدول الراعية لهذا الفريق أو ذاك، اختارت أن تأخذ دور المتفرّج ريثما تُحلّ الأمور العالقة في ما بينها في أماكن أخرى من المنطقة. وأيّ دور للسياسة والسياسيّين حين تكون شروط اللعبة السياسية غير موجودة، ووسائل «الأكشن» قد أصبحت في مكان آخر.
بات الترحُّم على الطاقم السياسي التقليدي غير مستبعد. فـ«أكلة الجبنة»، مهما بلغ بهم الفساد دهراً، تبقى مصلحتهم الأساسيّة الحفاظ على «الجبنة». العزاء الوحيد هو أنّه لا يمكن ناصر قنديل وعقاب صقر أن يصرخا معاً إلا في برنامج تلفزيوني. أمّا على أرض الواقع، فصراخ أحدهما يعني انتهاء دور الآخر.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 20 سبتمبر، 2010,6:51 م
رحلة سعيدة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثتين ٢٠ أيلول ٢٠١٠

ذات يوم من أيّام 2004، سقط خمسة قتلى في حيّ السلّم برصاص الجيش اللبناني. حدث ذلك أثناء تظاهرة ضدّ ارتفاع سعر البنزين. يومها، خرج الأمين العام لحزب اللّه، السيّد حسن نصر اللّه، لينتقد بتهذيب إطلاق النار على الشباب المحتجّين، فقال: ماذا يفعل «جيش لبنان العظيم» في زواريب حيّ السلّم؟
أوّل من أمس، لم يطلق حزب اللّه النار على أحد. لكنّه نظّم حركة استفزازيّة لم تطل سهامُها ما بقي من مجموعة 14 آذار السياسيّة والشعبيّة وحسب، بل طالت أيضاً كلّ من لا يزال يؤمن بضرورة الحفاظ على ما بقي من الدولة. صحيح أنّ الجميع دون استثناء أمعن نهشاً في هذا الجسم الهزيل المسمّى مؤسّسات رسميّة، وصحيح أيضاً أنّ قوى 14 آذار ابتذلت مفهوم بناء الدولة حتّى الثمالة، فباتت الدولة أشبه بورقة تين تنتظر موسم الخريف، لكنّ الصحيح أيضاً هو أنّ ورقة التين هذه، رغم كلّ شيء، ما زالت تستر عُرْيَنا جميعاً.
إذا كان من رسالة تحدٍّ أراد حزب اللّه توجيهها إلى سعد الحريري أو إلى فريق 14 آذار أو إلى مَن وراءهما، فقد كان الأجدى به توجيهها من دون اعتماد المبالغات المبتذلة في المَظاهر الأمنيّة، ومن دون تأكيد المؤكَّد مرّة أخرى، وهو قدرة الحزب، متى شاء، على استباحة الشوارع والمؤسّسات. فالجميع مُدرك لقدرات الحزب العسكريّة والأمنيّة، لكنّ الحزب يُفترض أن يكون مدركاً هو الآخر أنّ ثمّة من يريد مواجهة سلاحه بسلاح المذهبيّة.
ثمّة ضابط سابق ظلم كثيرين قبل أن يتعرّض للظلم، وها هو يقسم بنيل حقّه بيده ما لم يعطِه إيّاه القانون. وثمّة ضابط يقف الآن على رأس مؤسّسة أمنيّة، يطلق التهديدات وينصّب نفسه قاضياً يضع الناس في السجون. وثمّة ضابط ثالث تلاعب بمصير البلاد فصاغ المادّة الأوّليّة لاتّهام حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري، قبل أن يصبح واحداً من العائدين إلى طرق أبواب رستم غزالي. وحين يختفي من أمام أعيُننا مشهد الضبّاط، نجد نوّاباً منتخبين من الشعب باتت وظيفتهم مقتصرة على التحريض المذهبي، قبل أن يطلّ علينا وزير يرى أنّ ما يجري لحظة مناسبة للتلاعب بلقمة عيش المواطنين، فيصدر قراراً بخفض وزن ربطة الخبز...
حتّى الساعة، لم نفهم: ماذا كان «حزب اللّه العظيم» يفعل في زواريب مطار بيروت؟


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 17 سبتمبر، 2010,6:52 م
شروط اللعبة

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ١٧ أيلول ٢٠١٠

ثمّة قوى قريبة من سوريا تذهب إليها وتعود منها لتبشّر بفوائد الاعتدال، وضرورة الالتزام بالتهدئة. وهي تقسو على أقرب حلفائها حين يخرجون عن هذا الخطاب، ويعودون إلى أحلام تحقيق الانتصارات المطلقة. وثمّة قوى قريبة من سوريا، هي الأخرى، تذهب إليها وتعود منها لتبشّر بضرورة قلب الطاولة. وهي تتصرّف كما لو أنّها تملك أمر اليوم، وكما لو أنّ حلفاءها الذين لا يشاطرونها الرأي لم يلتقطوا بعد الإشارات السوريّة الحقيقيّة.
في الخانة الأولى، يمكن وضع حلفاء سوريا الذين يريدون لمرحلة 2005ـــــ2010 أن تزول من التاريخ، وأن تعود عقارب الساعة إلى 1993 حين أعيد تركيب البلاد بعد الحرب الأهليّة، بإدارة سوريّة حازمة للتناقضات اللبنانيّة المذهبيّة والسياسيّة، بما في ذلك تقسيم العمل بين المقاومة و«الإعمار». وعلى رأس هذه الخانة، يتربّع الثنائيّ الحالم بعودة «الزمن الجميل»، أي نبيه برّي ووليد جنبلاط.
أمّا في الخانة الثانية، فيمكن وضع حلفاء سوريا الذين يريدون لمرحلة 2005ـــــ2010 أن تؤسّس للبنان مختلف يؤدون فيه أدواراً مختلفة. فالتيّار الوطني الحرّ، مثلاً، لا مكان له في لبنان 1993. وحزب اللّه يرى أنّه ليس هو من بدأ بتغيير قواعد اللعبة. فلبنان بعد القرار 1559، وبعد حرب تمّوز، لا يمكنه أن يكون هو الوطن نفسه قبل هاتين العاصفتين. وإذا كان الحزب قد عرض على سعد الحريري في مرحلة معيّنة العودة إلى تقسيم العمل السوريّ بين «الإعمار» والمقاومة، فما من أحد قادر اليوم، على ما يبدو، على إعادة المارد إلى القمقم.
سعد الحريري العائد إلى الحلف مع سوريا، يقف حائراً بين هاتين الوجهتين. وتزيده حيرةً المقارنة بين حُسن الضيافة السوريّة وقسوة الكلام التي تختلط بعسله.
يمكن الاستنتاج من هذا المشهد تهيئة مثاليّة لعودة الحَكَم السوري إلى الملعب اللبناني. حَكَم باتت الأطراف الفاعلة كلّها مجمعة عليه، ومترقّبة لصفّارته. يمكن الاستنتاج أيضاً أنّ ثمّة قوى، كالقوّات والكتائب والأمانة العامّة لـ14 آذار، باتت مستبعدة عن الملعب حُكماً لنيلها بطاقات حمراء في مباريات سابقة.
بتنا نعرف اللاعبين إذاً. بقي أن نعرف شروط اللعبة. ولعلّ هذا ما يقلق الجميع، وعلى رأسهم سعد الحريري. فالتوافق السعودي ـــــ السوري يمكن أن يضعه على رأس الحكومة كما وضع والده من قبل. لكنّ الحريري الأب حكم البلاد عبر استرضاء زعماء الميليشيات السابقين. وهو استرضاء معروفة قنواته وأدواته. أمّا استرضاء عون وحزب اللّه، فيحتاج إلى قوانين جديدة، حتّى ولو عدنا إلى اللعبة القديمة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 15 سبتمبر، 2010,6:54 م
«شاهد ما شافش حاجة»

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٥ أيلول ٢٠١٠


انتقدت كتلة «المستقبل»، أمس، المواقف التي تلت تصريحات الرئيس سعد الحريري لصحيفة «الشرق الأوسط». ووضعت الكتلة أقوال الحريري المستجدّة في سياق «الجرأة»، لا «التراجع». يبدو موقف الكتلة التي اجتمعت برئاسة «الخط الأحمر»، غريباً بعض الشيء. فأوّلاً، لا تناقض بين الجرأة والتراجع، لا بل إنّ التراجع يتطلّب غالباً بعض الجرأة. ثانياً، يمكن وضع تصريحات الحريري الأخيرة في سياق الإيجابيّة وحسّ المبادرة، لكنّ كلّ ذلك لن ينفي عنها طابع التراجع. فكلّ الحديث إلى «الشرق الأوسط» بُني أساساً من أجل التراجع عن الاتّهام السياسي لسوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومن أجل التراجع عن موقف كتلة المستقبل النافي لوجود شيء يسمّى «ملف شهود الزور».
لكنّ الكتلة، على ما يبدو، أرادت الإيحاء أنّ التراجع عن تلك المواقف ينبغي ألا يُفهَم تراجعاً في القوّة والحضور السياسيّين. أي إنّ الحريري يستطيع أن يرهن البلاد خمسة أعوام كاملة تحت شعار اتّهام سوريا باغتيال والده، ويستطيع أن يحمي مَن فَبرك له شهود الزور لإثبات التهمة على سوريا، وأن يستثمر ذلك كلّه باعتلاء المنابر لبثّ الحماسة في نفوس الجماهير الغفيرة. ثمّ، بغفلة عين، حتّى لا نقول بانقشاع الغشاوة عن تلك العين، يستطيع الحريري الذهاب إلى سوريا برعاية سعوديّة ويمسح كلّ ما جرى خلال خمسة أعوام، من دون أن يخسر أيّ شيء من قوّته وحضوره السياسيّين. لا بل إنّ زياراته المتكرّرة لسوريا ستسهم في تقوية موقعه.
المنطق الكامن وراء موقف الكتلة وخطّها الأحمر، هو أنّ المحاسبة تكون داخل جدران القصور بين الرؤساء. فإذا تفاهم الحريري والرئيس السوري بشار الأسد على طيّ صفحة الماضي، تطوى الصفحة في لبنان على المستوى الشعبي والرسمي. وبإمكان الحريري العودة إلى المنابر نفسها لإلقاء الخطب (غير) الحماسيّة نفسها، لكن ضدّ عدوّ آخر يُخترَع في قريطم بإشراف مُفَبركي شهود الزور القدماء أنفسهم.
بكلام آخر، تريد الكتلة وخطُّها الأحمر وبطلُ مرجعيونِها، تحويل الشعب اللبناني كلّه وزعمائه المعارضين للحريري والمتحالفين معه، إلى «شاهد ما شافش حاجة» طوال خمسة أعوام، بعدما أريد لنا جميعاً أن نتحوّل إلى نوع الشاهد نفسه عن مرحلة خمسة عشر عاماً سابقة، بحجّة أنّ انتقاد سياسات الشهيد هو كالمشاركة في اغتياله.
يبدو أنّ كتلة المستقبل لم تنتبه بعد إلى أنّ الحريري، مع الأسف الشديد، ليس وحده من يتردّد على قصر الشعب.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 14 سبتمبر، 2010,6:55 م
الصراخ ليس علاجاً

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٤ أيلول ٢٠١٠


قبل إنجاز استدارته، بدا وليد جنبلاط مسكوناً بهاجس بين هواجسه الكثيرة: يستطيع سعد الحريري أن يغيّر خطابه ساعة يشاء، وسيجد دائماً الملك السعودي ليوفّر له التغطية. أمّا هو، أي جنبلاط، فعليه أن يبحث عن اللحظة المناسبة كي يحصل على غطاء مماثل. لذلك، كان على جنبلاط أن يسبق الحريري. أن يفعلها هو أوّلاً حين كانت العلاقات السعوديّة ـــــ السوريّة لم تُزل عنها أكوام الجليد بعد. كان يعرف أنّ أيّ تأخير أو أيّ تسرُّع سيفقده دوره. بدأ بالسير خطوةً نحو المقاومة، ثمّ خطوتين نحو سوريا، لكنّ عينه لم تكفّ عن النظر إلى السعوديّة.
اليوم، بعدما عادت معادلة «سين ـــــ سين» القريبة من قلب الرئيس نبيه برّي لتحكم التوازنات اللبنانيّة، بات جنبلاط أكثر ارتياحاً في موقعه الجديد. وهو يستمرّ في تشجيع زميله في «ثورة الأرز»، سعد الحريري، على مزيد من التنازلات، مستنداً إلى علاقات بدأت تميل إلى الدفء بين السعوديّة وسوريا.
لكنّ ثنائيّ الثورة هذا، إذ ينتقل إلى موقعه الجديد، يترك وراءه مجموعة من الرفاق السابقين على قارعة الطريق. وهم مجموعة غير متجانسة، منها من لا حيثيّة شعبيّة له، ومنها من يملك حيثيّة لا تتجاوز حدود قريته، ومنها قوى وأحزاب كالكتائب والقوّات اللبنانيّة. رغم عدم التجانس هذا، وُجد من يضع هذه المجموعة في سلّة واحدة سُمّيت ذات يوم «مسيحيّي 14 آذار».
المأزق الذي تعيشه اليوم هذه المجموعة المعزولة أوضح من أن تمحوه بعض الخطابات المتوتّرة. أو، بالأحرى، إنّه المأزق الذي يسبّب تلك الخطابات المتوتّرة. فها هو سامي الجميّل يعود إلى خطاب «لبناننا»، تماماً كما عاد إلى الحروب العائليّة الصغيرة داخل حزبه الصغير. أمّا سمير جعجع، فبات شعاره «ثورة الأرز باقية باقية باقية». يردّدها ثلاثاً كما لو أنّ التكرار علاج للتخلّص من آلام الواقع. ويمكننا أن نضيف إلى الاثنين البطريرك الماروني الذي تذكّر فجأةً أنّ ثمّة بين أبناء طائفته من لم تأكلهم الثورات الملوّنة.
مأزق العزلة واضح ومفهوم، لكنّه لا يستوجب كلّ هذا الصراخ. لا بدّ من علاجات أخرى. فالعزلة، كما يدلّ عنوان تلك الرواية، قد تستمرّ مئة عام.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 13 سبتمبر، 2010,7:57 م
شهود الزور

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٣ أيلول ٢٠١٠


حاول القاضي دانيال بلمار ذات مرّة الفصل بين السياسي وغير السياسي في شأن المحكمة الدولية. كان ذلك حين سئل عن جرائم ومجازر جماعيّة لم تُنشأ من أجلها محاكم دوليّة، فيما المحكمة تقام اليوم من أجل اغتيال شخص واحد. ردّ بلمار آنذاك بما معناه أنّ قرار إنشاء المحكمة قد يكون سياسيّاً لكونه صادراً عن مجموعة دول مجلس الأمن، لكنّ عمل المحكمة شأن مختلف. فمنذ لحظة إنشائها، تستطيع المحكمة أن تمارس مهماتها باستقلاليّة تامّة عن السياسة.
لكنّ الوقائع التي تلت إنشاء المحكمة تترك أقلّه شكوكاً في ذهن أيّ مراقب محايد. وقد لا يكون ذلك بسبب فريق المحكمة نفسه أو الخروق الاستخباريّة الممكنة له، بل بسبب الظروف السياسيّة الشديدة التعقيد التي تعمل المحكمة في ظلّها. فلا يمكن مثلاً تخيُّل قرار يدين رأس نظام دولة ما (سوريا مثلاً)، في ظلّ عدم استعداد دوليّ لتغيير النظام في تلك الدولة. ولا يمكن تخيُّل قرار يدين جهة سياسيّة كبرى (حزب اللّه مثلاً)، في ظلّ عدم رغبة دولية في التخلّص من تلك الجهة، أو أقلّه الحدّ من نفوذها.
صحيح أنّه لا يمكن النظر إلى العدالة الدوليّة كمجرّد ألعوبة في أيدي الدول الكبرى، لكن، تماماً كما قيل ذات مرّة إنّ الحروب أشدّ خطورةً من أن تُترك للجيوش، فإنّ التوازنات الدقيقة في منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط، هي أشدّ خطورة من أن تُترك لقرار اتّهاميّ يصدر عن محكمة دوليّة.
لذلك، يبدو «تسييس» المحكمة قدراً أكثر منه فعلاً إرادياً. وهو تسييس يصيب المتّهِمين والمتّهَمين على حدّ سواء. فتماماً كما شاءت الصدف أن تُتّهم سوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري في زمن الهجمة الدولية على سوريا، ويُتّهم حزب الله في زمن الهجمة الدولية على سلاحه، كذلك بات ملفّ شهود الزور قضيّة مركزيّة لدى الجهة المقابلة.
والواقع أنّ هذا الملفّ، تماماً كالاتّهامات التي سبقته، لا يمكن إخفاء وجهه السياسيّ. الملفّ يمثّل دون شك ورقة قوية في وجه صدقيّة المحكمة، لكنّه مرتبط أيضاً باللعبة السياسيّة. فما لم تشأ المعارضة السابقة أن تناله قسراً بعد أحداث 7 أيّار، يراد اليوم أخذه تحت شعار «شهود الزور». أي المطلوب، بكلّ بساطة، ليس تغيير الطاقم المحيط بالرئيس سعد الحريري وحسب، بل تفكيك «دولة» فؤاد السنيورة أيضاً. إنّه نوع من تصحيح «الحماقة» التي ارتكبت في الدوحة، حين جرت الموافقة على إعادة السنيورة نفسه إلى كرسيّ الرئاسة الثالثة مقابل تعديلات في زواريب الدوائر الانتخابيّة.
لقد بدأ سعد الحريري بتقديم التنازلات في دمشق. المطلوب أن يخلع ثيابه في بيروت.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 8 سبتمبر، 2010,7:59 م
«انتهى»

خالد صاغية
الأخبار عدد الاربعاء ٨ أيلول ٢٠١٠

بات التاريخ يحفل بنوعين من الاعترافات الضخمة: اعترافات جان جاك روسو في كتابه الشهير، واعترافات سعد الحريري في حديثه الأخير إلى صحيفة «الشرق الأوسط». وإذا كان الفيلسوف الفرنسي من دعاة نظرية الإنسان الطيّب الذي يفسده المجتمع، بقي علينا أن نعرف من الذي أفسد رئيس الحكومة كي يتبنّى «الاتهامات السياسية» التي وصفها بالخاطئة، ومن الذي أرسل إلى التحقيق شهود الزور الذين اتّهمهم الحريري نفسه بـ«التضليل».
من الآن وإلى أن نعثر على الجواب، يمكننا أن نتأمّل تلك الكلمة السحرية: «انتهى». تلفّظ بها الحريري كأنّه يخبرنا عن أطباق إفطاراته اليوميّة. كأنّه ما من بلاد وقفت أكثر من مرّة على شفير الحرب الأهليّة بسبب ذلك «الاتهام السياسي» الذي «انتهى». كأنّه ما من جيل كامل تفتّح وعيه على شعارات لن تخرج سريعاً من ذاكرته، قبل أن يقرّر دولتُه أنّ الاتهام «انتهى». كأنّه ما من حرب تمّوز، وما من أحداث حصلت في الجامعة العربية، وما من 7 أيّار، وما من اغتيالات تلت اغتيال «الوالد»، وما من تفجيرات ذهب ضحيّتها مواطنون لا ناقة لهم ولا جمل في إعادة تكوين الإمبراطوريّة الحريريّة... إذا كان هناك شيء اسمه «البيئة الحاضنة»، فإنّ ذاك «الاتهام السياسي» وما تلاه من تداعيات، مثّل البيئة الحاضنة لكلّ تلك الأحداث. وها نحن نعرف الآن من صحيفة سعوديّة أنّ كلّ شيء «انتهى».
وإذا كان من المؤسف النظر إلى نوّاب المستقبل وهم يلحسون كلّ أقوالهم السابقة، ويجهد بهلوانهم في إعادة صياغة الخطابات حتّى تبدو كالتجاعيد التي قبّحتها عمليّات تجميل فاشلة، فإنّ من المحزن حقّاً الاستماع إلى من بدأوا الإشادة بجرأة الحريري الاستثنائيّة، وبترداد حكمة «التراجع عن الخطأ فضيلة». كأنّنا أمام خطأ عابر لم يترك آثاره المدمّرة.
ذات يوم، اعترف روسو بسرقة حزام معلّمته. اليوم، بعد نحو ثلاثة قرون، نعرف تماماً أنّ الحزام لم يكن ذا قيمة، وأنّ السرقة لم تكن بحدّ ذاتها هي المسألة. لكنّ ما أثقل ضمير روسو هو أنّه اتّهم شخصاً آخر بالسرقة. الحريري و14 آذاره لم يسرقوا الحزام وحسب. هذا ما علينا أن نتذكّره جيّداً، وخصوصاً أنّ الاعترافات لا تبغي إلا مزيداً من السرقة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 6 سبتمبر، 2010,8:05 م
التنوير أوّلاً

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٦ أيلول ٢٠١٠


يشهد أكثر من مكان في العالم العربي حروب «خلافة». من جهة، يرفض الإصلاحيّون التوريث أو التمديد. ومن جهة أخرى، يتمسّك آخرون بالتوريث أو التمديد من أجل متابعة المسيرة، الإصلاحيّة هي الأخرى، بحسب تعبيرهم.
لنضع المعارضة جانباً الآن، ولنركّز على عريضتين ظهرتا في مصر وتونس. العريضة الأولى تؤيّد توريث الرئاسة لجمال مبارك، وعلى هامشها ظهرت حملة تأييد غامضة لرجل الاستخبارات عمر سليمان. أمّا العريضة الثانية، فتناشد الرئيس زين العابدين بن علي البقاء في منصبه.
يمكن، للوهلة الأولى، النظر بخفّة إلى مروّجي هذه العرائض، ووصفهم بالانتهازيّين أو الوصوليّين أو الجبناء أو الساعين وراء لقمة العيش. لكنّ هذه النظرة تحمل الكثير من التبسيط، ولا سيّما عند التمعّن بأسماء الموقّعين. ففي مصر، أثار توقيع الباحث الليبرالي وأحد مروّجي أهزوجة «المجتمع المدني»، سعد الدين إبراهيم، عاصفة لم تهدأ بعد، إثر إعلان تأييده ترشيح مبارك الابن. أمّا العريضة التونسيّة، فضمّت أسماء أكاديميّين وفنّانين كمفيدة التلاتلي ولطفي بوشناق، حتّى لا ننسى هند صبري.
ثمّة ما يتجاوز الطابع الشخصي لهذه التواقيع. ففي زمن سابق، كان اليسار عموماً والقوميّون المتحمّسون للحرب على الاستعمار، متّهمين بالتواطؤ على الحريات العامّة بحجّة بناء الاشتراكيّة، أو الانشغال بدحر الأعداء عن أسوار المدينة. وظيفة الليبراليّين كانت الدعوة إلى الانفتاح وتفكيك الأوهام السوفياتيّة والتصالح حتّى مع فكرة الاستعمار لما حمله من تقدّم إلى المنطقة، وتركيز الجهود على بناء الفرد وضمان حريّاته الخاصّة والعامّة. كان المطلوب التسامح مع أمور كثيرة، لرفض فكرة واحدة، سمّيت التوتاليتاريّة، كي تنفتح آفاق التنمية والتقدّم والإصلاح. وبعد ذلك، نحلّ أمورنا مع إسرائيل ومع العدالة الاجتماعيّة، وإن شئتم... مع الوحدة العربيّة.
الوظيفة الليبراليّة باتت اليوم مختلفة. فمع صعود الإسلام السياسي، وتسلّم بعض أطيافه دفّة مقاومة إسرائيل، بات الديكتاتور حليفاً. ليست الحريات ما يشغل ليبراليّينا (وبعض اليسار) اليوم، بل الدفاع عن فكرة غامضة أخرى تدعى «التقدُّم». وإذا كان من المُغري حقاً التدقيق في المصطلحات المستخدمة في عريضة العار التونسيّة: «طريق الإصلاح والتحديث»... «التغيير الاجتماعي والبناء الحضاري»... فإنّ من المضحك المبكي أن يصبح التوريث مطلب طبقة رجال الأعمال، وأن تصبح جزمة الاستخبارات في مصر «البديل الحقيقي» للتوريث من أجل «ركب التقدّم والتطوّر» و«لتصعد مصر إلى مصاف الدول المتقدّمة» وألّا «تنجرف إلى نفق مظلم يكرّس تخلفها وتأخّرها»...
نحن الآن أمام حلف جديد في المنطقة: الديكتاتور في خدمة التنوير. فإلى الظلاميّة، يا شباب!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 2 سبتمبر، 2010,8:06 م
الإمبراطوريّة الجريح

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٢ أيلول ٢٠١٠


من النادر أن يعثر المرء على وزير دفاع يتمتّع بحسّ فكاهة. لكنّ الولايات المتحدة الأميركية تملك واحداً من هؤلاء. فلمناسبة سحب عدد من الجنود الأميركيين من العراق، علّق روبرت غيتس قائلاً: «إنّ مشكلة الحرب بالنسبة إلى الأميركيّين تكمن في أنّ الأسباب التي قُدِّمت لتبريرها لم تكن صالحة»، أي إنّ الحرب خيضت بحجّة أسلحة دمار شامل، تبيّن أنّها غير موجودة. لكنّ ذلك لم يمنع السيّد غيتس من التوصّل إلى خلاصة مفادها أنّه بالرغم من هذا التضليل في البداية، فإنّ «النتيجة جيّدة من وجهة النظر الأميركيّة».
إذا وضعنا الفكاهة جانباً، فمن الصعب الاستنتاج كيف وصل وزير الدفاع الأميركي إلى هذه النتيجة «الجيّدة». فالأرقام المتوافرة تشير إلى 4400 قتيل أميركي، أكثر من 35000 جريح، وما يفوق 700 مليار دولار حُرِم المواطن الأميركيّ منها كي تستخدمها حكوماته لتمويل حربها في العراق. علماً بأنّ رقم المليارات المتداول هذا متواضع قياساً لحسابات قام بها اقتصاديّون ضمّنوا نفقات الحرب مليارات إضافيّة من التكاليف غير المباشرة.
فلنضع الأرقام جانباً، إذ يمكن وزير الدفاع أن يعتبر كلّ ذلك عَرضياً لو كانت الولايات المتحدة الأميركية قد تمكّنت من تعزيز موقع هيمنتها على العالم. لكنّ الوقائع تشير إلى أنّ أحد الدروس العراقيّة المهمّة هو أنّها أظهرت حدود استخدام التفوّق العسكري الأميركي، وإن كانت الإدارة الأميركيّة عازمة على عدم التعلّم من هذا الدرس، فتراها تكرّر الأخطاء نفسها في أفغانستان.
لكنّ الأهمّ هو أنّ التعثّر العسكريّ الأميركيّ في القرن الحادي والعشرين لا يشبه التعثّر الذي أصاب الإمبراطوريّة خلال حرب فييتنام. فبخلاف ستّينيّات القرن الماضي، لم تعد الولايات المتحدة تملك تفوّقاً في مجال الإنتاج الاقتصادي، الذي انتقل إلى مناطق أخرى من العالم تتمتّع بيد عاملة رخيصة. وبخلاف بدايات هذا القرن، سقطت أسطورة الاقتصاد المالي، وها هي الإمبراطوريّة تعاني أسوأ أزمة اقتصاديّة منذ عام 1929.
الولايات المتحدة الأميركية اليوم هي أمّة تلبس ممّا لا تنسج، وتنفق ممّا تقترض، وتقترع لمن يعدها بإعادة جيشها إلى البيت. هذا لا يعني بالطبع نهاية الإمبراطوريّة، لكنّه يعني أنّ الإمبراطوريّة ليست بخير. أمّا العراق، فحكاية أخرى.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments