الثلاثاء، 31 أغسطس، 2010,8:09 م
موعد مع الرئيس

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٣١ آب ٢٠١٠

مرّة أخرى، الرئيس سعد الحريري في دمشق. ليس الأمر مفاجئاً. لكنّ جدول الأعمال يُحاط، مرّة أخرى، بغموض مشبوه. وفيما يصرّح وزير الإعلام صباحاً بأنّ الحريري يزور دمشق بصفته رئيساً للحكومة، يعود أحد صقور المستقبل (وقد نُتف ريشه في الانتخابات البلدية الأخيرة) ليؤكّد مساءً أنّ الحريري في دمشق في زيارة شخصيّة.
فماذا، يا ترى، يفعل رئيس حكومتنا في الشام؟ وهل يعرف مجلس الوزراء طبيعة مهمّته إلى الجمهورية العربية السورية؟ وهل يذهب ليعزّز العلاقة الندّية بين الدولتين أم ليعزّز حظوة تيّار المستقبل لدى القيادة السوريّة؟
لا إجابة شفافة ترد إلى المواطنين أو إلى الحكومة التي يرأسها الحريري نفسه. وانعدام الشفافية، إضافة إلى ارتباك المقرّبين من الحريري كلّما زار دمشق، مصدرهما واحد: ما زال عصيّاً على أبناء ثورة الأرز الاعتراف بأنّ الرحلات إلى الشام لا تهدف إلا إلى حثّ السوريّين على المزيد من التدخّل في لبنان.
لهذا السبب، في كلّ مرّة يتّجه الحريري إلى دمشق، تسري في أوساطه أهزوجة واحدة تتحدّث عن تباعد بين سوريا وحزب اللّه. كأنّ الحريري، ما إن تطأ رجلاه أرض العاصمة السوريّة، حتّى تتغيّر المعادلات الاستراتيجيّة في المنطقة، أو كأنّ الرئيس بشار الأسد هو من يستنجد بالحريري كي يتمكّن من إتمام خروجه من «محور الشرّ».
للسبب التمويهيّ نفسه، كان الوزير جان أوغاسبيان قد قام بجولات فولكلوريّة عدّة إلى دمشق على رأس وفود من المديرين العامّين، بحجّة دراسة الاتفاقيات بين البلدين. انتهت الجولات إلى اكتشاف أنّ الاتفاقيات عظيمة وما كان يمكن إبرام أفضل منها.
أوغاسابيان، في الحقيقة، لم يكن يقوم بذلك إلا لتغطية مهمّات الموفد الحقيقي إلى الشام، أي وسام الحسن آنذاك. ففيما كان رئيس الحكومة يدّعي ظاهرياً محاولة بناء أسس علاقة ندية بين دولتين، وفاءً منه لشعارات ثورة الأرز، كان يحاول فعلياً ـــــ لا ظاهرياً ـــــ إعادة بناء أسس علاقة بين آل الحريري والقيادة السورية، على غرار ما كان قائماً بين هذه القيادة والرئيس المغدور رفيق الحريري. بقي علينا أن نعرف ما إذا كان سعد يصطحب معه قلماً يضعه في جيب قميصه، ليسجّل «التهديدات» التي يتلقّاها من الرئيس بشار الأسد. وعن هذا الموضوع، راجعوا أرشيف الثورة الملوّنة وأبطالها المتلوّنين.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 30 أغسطس، 2010,8:11 م
فتنة بالسلاح الأبيض

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٣٠ آب ٢٠١٠

لعلّ أطرف وأقسى ما وُصف به حادث برج أبي حيدر، هو أنّه «عادي». مطلق الوصف، وهو مسؤول إعلاميّ، عاد وبرهن على «عاديّة» الحادث، قائلاً إنّ المياه عادت إلى مجاريها بين الطرفين الحزبيّين اللذين تواجه عناصرهما في أحد شوارع العاصمة.
والواقع أنّنا نحن اللبنانيّين نعيش منذ زمن أحداثاً وأوضاعاً لا تمتّ إلى العيش العاديّ بصلة. إلا أنّ كلّ جهد النظام السياسيّ، بأجنحته المختلفة، ينصبّ على مهمّة تكاد تكون وحيدة: إقناعنا أو إيهامنا بأنّ ما يجري عاديّ، لا بل شديد العاديّة، وبشكل مطلق. هكذا «بَلَع» اللبنانيّون أموراً كثيرة، لكن أن يصبح القتل في الشوارع أمراً عادياً بعد مرور ربع قرن على انتهاء الحرب الأهليّة، فهذا ما يتطلّب من السلطة وأجنحتها جهداً دعائياً مضاعفاً.
ويبدو أنّ ثمّة من بدأ يتبرّع ببذل هذا الجهد.
هناك مثلاً من يتبرّم من عدم طيّ صفحة ما جرى. يُراد للأمر أن يتلفلف كما تجري العادة. فاللفلفة هي أيضاً من الأمور العاديّة. وحين لا ينتهي الأمر بتعزية أهالي الضحايا، يجب البحث دائماً عن مآرب سياسيّة خبيثة. صحيح أنّ ثمّة من يحاول استغلال الحادث لإذكاء الفتنة أو لتحقيق مكاسب صغيرة، لكنّ من يحاول التصرّف وكأنّ شيئاً لم يحصل، يسهم هو الآخر في إذكاء الفتنة وفي تحقيق مكاسب سياسيّة صغيرة.
لكنّ ماكينة بروباغندا «تعويد» اللبنانيّين على الحوادث الأمنيّة تشتغل أيضاً على خطّ آخر. وكأيّ بروباغندا ذكيّة، ينبغي للشعار المرفوع أن يمرّر الرسالة بأقلّ الطرق مباشرةً. هكذا طلع علينا شعار جعل بيروت الإداريّة منزوعة السلاح. وبدأت الدولة بأعلى هرمها تؤلّف اللجان للعمل على تحقيق هذا الهدف. لكنّ تخصيص بيروت دون سائر المناطق لا يناقض المساواة بين اللبنانيين وحسب، لكنّه يشرّع بطريقة غير مباشرة انتشار السلاح بين أيدي المواطنين وداخل منازلهم في المناطق الأخرى. فـ«بيروت منزوعة السلاح» تعني «زحلة مسلّحة» أو «صيدا مسلّحة»... بكلام آخر، نودّع 7 أيّار لنستقبل مجزرة حلبا.
لكنّ الأخطر من ذلك كلّه، هو أنّ شعار نزع السلاح من بيروت يعني ضمناً أنّه لا أحد يريد نزع فتيل التفجير السياسي من بيروت. أليس غريباً هنا أن يكون بعض المتحمّسين لنزع السلاح من بيروت هم الذين يصعّدون لتوتير الجوّ السياسيّ، ويعيدون بثّ ذبذبات الحقد الطائفي؟
ثمّة من يحاول أن يقول: أهلاً بالفتنة المذهبيّة... لكن بالسلاح الأبيض.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 23 أغسطس، 2010,7:59 م
الخطّ الأحمر

خالد صاغية

االأخبار عدد الاثنين ٢٣ آب ٢٠١٠


من حقّ رئيس الحكومة سعد الحريري الإعلان أن لا شيء سيفرّقه عن الرئيس فؤاد السنيورة. ولا يملك المرء إزاء ذلك إلا القول: «اللّه يديم الوفق» أو «اللّه يوفّق لنصفّق»، على أمل ألّا يتحوّل الوفاق بين الرجلين إلى مصدر إلهام يمارسه رئيس الحكومة السابق على الرئيس الحالي.
لكن، ما هو غير مفهوم إعلان الحريري أنّ السنيورة «خطّ أحمر». وغير المفهوم يصبح مستنكراً حين يأتي إعلان «الخط الأحمر» بعد نشر صحيفة («الأخبار» أو سواها) تحقيقاً عن نفوذ السنيورة المستمرّ داخل أقبية السلطة، وعن صفقات أصدقائه وحاشيته. والمستنكَر يصبح غير مسموح به حين يرى رئيس حكومة أنّ قيام صحافيّ بواجبه هو طعن بكرامات الناس.
إن كان من خطّ أحمر في هذه المسألة، فهو سلوك رئيس الحكومة الذي لا يمكن تفسير كلامه إلا محاولةً لإسكات أيّ اعتراض على الأشخاص المقرّبين منه. فهذا سلوك يلغي ما بقي من فسحة حريّة في هذه البلاد. اللهمّ إلا إذا كان الحريري يتصوّر مستقبل الصحافة في لبنان على غرار الصحف التي تحتكر تصريحاتُه مانشيتاتها، أو تلك التي تتبنّى على صفحتها الأولى بيانات كتلة المستقبل من دون تحفّظ، ومن دون وضعها حتّى بين مزدوجين. ثمّة بين مستشاري الحريري من ينبغي أن يفسّر له أنّ مستقبل الصحافة مختلف عن صحافة المستقبل، رغم التشابه اللفظيّ بين الاثنين.
غير أنّ ثمّة مفارقة في سلوك الحريري وكلامه المستمرّ على الخطوط الحمر. فبعد أبلسة كلّ من يتفوّه بكلمة نقد لسياسات الرئيس المغدور رفيق الحريري، رفع الوريث شعار «بيروت خط أحمر». وحين كان مخيّم الفقراء في نهر البارد يتعرّض للتدمير، رفع شعار «الجيش خط أحمر». والآن، ينضمّ فؤاد عبد الباسط السنيورة إلى ثوابت «ثورة الأرز»، فيعلنه الرئيس الشاب خطّاً أحمر. المفارقة تكمن في أنّ الحريري يقود تيّاراً يرفع شعار «حبّ الحياة» في مواجهة حزب اللّه. وهو، حين يملّ من التحريض المذهبي، لا يجد إلا تقديم نفسه كـ«ليبراليّ» يعد اللبنانيين بالتسامح والانفتاح و«ثقافة الوصل» والحوار، في مقابل ما يسمّى «ثقافة الموت» والتحريم.
فلندع كلّ ذلك جانباً، ولننتقل إلى الأهمّ. حين يتكلّم الحريري كرئيس طائفة يتوجّه إلى رعاياه، يمكنه الحديث عن خطوط حمر يفرضها باسم طائفته على الطوائف الأخرى. أمّا حين يتكلّم كرئيس حكومة يتوجّه إلى المواطنين، فعليه أن يعرف أنّه موظّف يقبض راتبه من الشعب اللبناني، ويخضع هو وأصدقاء والده لأحكام الدستور، ولرقابة السلطة الرابعة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 20 أغسطس، 2010,8:01 م
سَلَطة

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ٢٠ آب ٢٠١٠

مع الانتقال إلى بيت الدين، بدأت جلسات الحوار تكتسب معناها. الجلسة المقبلة ينبغي أن تُعقَد في بعلبك، تليها جلسة أخرى في بيبلوس. فلبنان بحر وسهل وجبل، وأيّ استراتيجيا دفاعيّة ينبغي أن تأخذ في الاعتبار هذا التنوّع الطبيعيّ. فمن المستحيل تقديم اقتراح قيّم لكيفيّة الدفاع عن لبنان وحدوده، ما لم يختبر الخبراء الاستراتيجيّون المجتمعون الاختلاف في التضاريس ونوعيّة التربة والتحقيب الجيولوجي للمناطق اللبنانيّة.
يمكن هذه الجلسات أن تتحوّل إلى جلسات مفيدة حقاً. فقط لو يقتنع المتحاورون بتحويلها إلى نشاطات ترويجيّة للسياحة، تُقدَّم خلالها اقتراحات في الاستراتيجيا السياحيّة، بدلاً من الاستراتيجيا الدفاعيّة. مهلاً، ليس في الأمر مزاح. فهذا ما يدأب على فعله سياسيّون كُثُر حول العالم. الرئيس باراك أوباما شخصياً، بعدما قرّر التخلّي عن كلّ الخطوات الراديكاليّة لإعادة إحياء الاقتصاد الأميركي، شُغل في الفترة الأخيرة بتشجيع السياحة في مناطق عدّة من الولايات المتّحدة الأميركيّة.
ليس المطلوب من الرؤساء الثلاثة لعب الغولف مع نسائهم وأولادهم أمام الكاميرات، كما تفعل عائلة أوباما مثلاً. يكفي اعتماد بعض الشفافيّة. فبدلاً من التباحث داخل غرفة مغلقة، ثمّ تسريب محاضر الاجتماع في اليوم التالي، فلتُعقَد الجلسات في الهواء الطلق، وليُسمَح للمواطنين بحضورها. على المدخل، يقف موظّف رسميّ حاملاً صندوقاً يجمع فيه بدلات الدخول إلى جلسة الحوار، على أن تذهب هذه البدلات إلى حساب مصرفيّ مخصّص للتنمية السياحيّة، على غرار صندوق دعم الجيش الذي افتتحه وزير الدفاع عن نيّته ونيّة والده.
لمزيد من التشويق، يمكن «الشيف رمزي» أن يفاجئ الحاضرين متأبّطاً أضخم وعاء في العالم. يضعه في الساحة، قبل أن يُوزّع على كلّ من الحاضرين كيلو خيار. فبعد التبّولة والحمّص، لا بدّ من دخول التاريخ من باب السَّلَطة.
حسناً. فلننسَ أمر الاستراتيجيا السياحيّة إن كانت تثير حساسيّات. ولْنُسمِّ وعاء السَّلَطة شكلاً من أشكال الاستراتيجيا الدفاعيّة، تماماً كانتظار الحلول الدبلوماسيّة وتعليق الآمال على اليونيفيل. ولْيُسلِّم حزب اللّه سلاحه ما دام لدينا أكبر وعاء سلطة. فالبلاد التي تأكل السَّلَطة، لا تخسر حرباً. اسألوا فؤاد السنيورة عن فوائد الخسّ.



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 19 أغسطس، 2010,7:31 م
الشراكة مرّة أخرى
خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ١٩ آب ٢٠١٠

في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، كانت الحرب على العمّال وذوي الدخل المحدود قد آتت ثمارها. بات بإمكان الشركات العالميّة دفع رواتب أقلّ، وتحقيق أرباح أعلى. فقد قامت السلطة في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، ثمّ في أماكن أخرى من العالم، بضرب النقابات وتقليص فرص العمل لتركيع الطبقة العاملة ودفعها إلى القبول بمعدّلات استغلال مرتفعة، مخافة الالتحاق بجيش العاطلين من العمل الآخذ بالتوسّع.
لكنّ هذه الشركات نفسها التي باتت تحتاج إلى ساعات إضافيّة كي تحصي أرباحها، وقعت في فخ النظام الرأسمالي نفسه. فحين تعصر العامل في مرحلة الإنتاج، ستواجه مشكلة في مرحلة الاستهلاك، لأنّ العامل الذي لا يجني ما يكفي من الأموال، لن يتمكّن من شراء السلع المعروضة في السوق. هكذا، قد تتبخّر الأرباح التي حقّقتها الشركات بالاستغلال المفرط للعمّال.
كان لا بدّ من مخرج لهذا التناقض، وخصوصاً أنّ رأس المال لن يفوّت تلك الفرصة الثمينة التي جاءته على طبق من فضّة: أجور منخفضة، وأموال تتكدّس في البنوك، ضاعف من حجمها تدفّق عائدات الفورة النفطيّة بعد حرب أكتوبر. طبعاً، ابتُدعت مخارج عديدة. لكنّ أحدهم لمعت في رأسه فكرة جهنّميّة: ما دام عامّة الناس فقدوا القدرة على استهلاك السلع التي تنتجها المراكز الكبرى، فليتّجه رأس المال نحو إنتاج الأساسيات التي لا يمكن المواطن الاستغناء عنها: وسائل النقل، الكهرباء، الماء، الاتصالات... عقبة واحدة واجهت هذا الاقتراح: كلّ هذه القطاعات تقود الدولة عجلة الإنتاج فيها. لذا، كان لا بدّ من اختراع آلهة جديدة: الخصخصة.
وبدأت تظهر فجأةً أطنان من الدراسات التي تقبّح وجه الدولة، وتصوّرها منتجاً غير فعّال مقارنة بالقطاع الخاص الحيويّ والعصريّ. ورغم أنّ الفكرة بحدّ ذاتها شديدة السذاجة، لكون العالم عرف عدداً لا يحصى من الشركات العامّة الشديدة الفاعليّة والشركات الخاصة القليلة الفاعلية، والعكس صحيح، فإنّ متطلّبات رأس المال اقتضت الترويج العلميّ لأمر اليوم: خصخصة.
بعد ثلاثة عقود، خفت «شعاع» الخصخصة. إنقاذ رأس المال بات هذه المرّة يتطلّب تأميماً، كما جرى غداة الأزمة الماليّة الأخيرة. أمّا في لبنان، فيُشغَل مجلس الوزراء بمناقشة «الخصخصة المقنّعة» تحت ستار «الشراكة مع القطاع الخاص». ثمّ يرجئ المجلس النقاش إلى جلسة أخرى. وينتظر انعقاد اجتماعات بين ما يسمّى «المجلس الأعلى للخصخصة» والوزراء المعنيّين. وما زالت الألسُن تسبّح باسم الخصخصة...
ليس هذا من باب التأخّر في ملاقاة العصر، بل نتيجة وضع اقتصادي شبيه بما عرفته دول أخرى بداية الثمانينيات: رواتب منخفضة لدى العامّة، فائض في السيولة لدى المصارف، وشهوة للربح المضمون. الوصفة لتحقيق هذه الشهوة في هذه الظروف باتت معروفة. المؤسف حقاً أنّ نتائجها باتت معروفة سلفاً أيضاً. لكن ثمّة من يصرّ على السير في العتمة بعيون مغمضة، واضعاً على صدره بطاقة: خبير.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 18 أغسطس، 2010,7:32 م
كسر المحرّم
خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٨ آب ٢٠١٠

أقرّ لبنان، أمس، إعطاء بعض الحقوق للفلسطينيّين المقيمين على أرضه. هي حقوق منقوصة من دون شك. لكنّ مجرّد إقرارها يمثّل خطوة إلى الأمام، بانتظار جولات جديدة. فالمهمّ في الأمر أنّ ثمّة محرّماً قد كُسِر. ولا بدّ أنّ المتمسّكين سابقاً برفض أيّ نقاش في موضوع الحقوق المدنيّة للفلسطينيّين، قد انتبهوا إلى أنّ الأرض لم تزلزَل تحت أقدام أحد يوم أمس، وأنّه ما من وحش يدعى التوطين اقتحم أبواب المجلس النيابي، وأنّ فلسطينيّي لبنان ما زالوا متعلّقين بحقّهم الأساسي، وهو حق العودة إلى فلسطين. وبالمناسبة، لا يزال «العيش المشترك» على حاله أيضاً.
حين تجرّأ النائب وليد جنبلاط وفرض الحقوق المدنيّة على جدول أعمال مجلس النوّاب، جوبِهَ بردود فعل شديدة التوتّر. وصُوِّر الأمر كما لو أنّ رئيس اللقاء الديموقراطي يضرب أسس الميثاق الوطني. وفيما خاضت الحملة «أحزاب مسيحيّة» لم تتخلّص تماماً من عقدها التاريخيّة، التحق بها «متنوّرون» من الطوائف كافّة، تبرّعوا بإعطاء الذرائع لإبقاء المخيّمات الفلسطينيّة تحت الحرمان، بحجّة تفهُّم هواجس الأقليّات. أمّا الأكثر تحذلقاً بين أنصار التنوّر الليبرالي، الذين ينادون ليلاً ونهاراً بحصريّة السلاح من أجل بناء الدولة الحديثة، فرفضوا تأييد إعطاء الفلسطينيّين حقوقهم المدنيّة بحجّة أنّ وليد جنبلاط يستغلّ المسألة لتحقيق أهداف سياسيّة لا علاقة لها بالفلسطينيّين. وكأنّ المطلوب رمي الصبيّ مع الماء الوسخ. فالنوّاب ومصالحهم الآنيّة يمرّون مرور الكرام. لكنّ ما يبقى هو الكرامة الإنسانيّة لمئات الآلاف من اللاجئين.
الغريب حقاً كيف تصبح الواقعيّة السياسيّة هي المرشد الروحي الذي يسمح للّيبراليّ بأن يتنازل عن مبادئه حين يشاء. فباسم الواقعيّة، تصبح حقوق الفلسطينيّين هديّة مسمومة. وتصبح الحريات الإعلامية مطلباً مؤجلاً. وتصبح الطائفية السياسية خشبة خلاص. ويصبح السلام مع إسرائيل (أو الاستسلام لها) الممرّ الإجباريّ نحو التنمية.
لكنّ هذه الواقعيّة تتوقّف فجأة حين تدخل المقاومة وسلاحها على الخط، أو حتّى حين تُفتح سيرة المحكمة الدولية وشاهدي زورها. عندها، تعود «العدالة الدولية» صنماً للعبادة، والتعريفات المدرسيّة للدولة الحديثة قدساً لا يمسّ.
الواقعيّة مطلوبة طبعاً. لكنّها قد تتحوّل إلى عكسها حين يكون الداعون لها بعيدين عن الواقع. ولعلّ الفلسطينيّين في الشتات وفي فلسطين أكثر من يعرف هذه الحقيقة، وأكثر من عانى من تداعياتها.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 17 أغسطس، 2010,6:25 م
ليس مجرّد حساب مصرفيّ

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٧ آب ٢٠١٠


يحار المرء ما إذا كان عليه أن يبارك للجيش اللبناني أو يعزّيه بمناسبة فتح حساب مصرفيّ لجمع التبرّعات لشراء سلاح وذخيرة وآليّات... ففي خطوة لم تناقَش داخل مجلس الوزراء، أعلن وزير الدفاع الياس المرّ (وهو نفسه رئيس جهاز مكافحة التجسّس داخل الجسم الصحافي) تبرّعه ووالده النائب ميشال المرّ بمبلغ مليار ليرة لبنانيّة لمصلحة الجيش. وبذلك، يكون وزير الدفاع قد بعث بثلاث رسائل إلى المؤسسة العسكرية:
أوّلاً، رغم الهالة المحيطة بالجيش، فإنّ الطاقم السياسي لن يتورّع عن زجّه في زواريب المصالح السياسية الضيّقة. هكذا، وبمبلغ زهيد نسبةً إلى ما جناه آل المرّ نتيجة (سوء) استخدام النفوذ السياسي، تمكّن الابن البارّ للعائلة الكريمة من استغلال العاطفة الشعبية تجاه الجيش للترويج لشخصه ولشخص والده، في مرحلة يشهد فيها المرّ الصغير ضموراً في حضوره السياسي. وبعدما أعلن المرّ جهاراً تبرّعه للجيش، أصبح من حق أي سياسي آخر أن يعلن أيضاً المبلغ الذي سيتبرّع به، في بازار سيجد الجيش نفسه فيه عرضة لابتزاز «المحسنين» إليه.
ثانياً، رغم الوضوح التامّ لحاجة الجيش إلى الذخائر والمعدّات، فإنّ حملة التبرّعات تؤكّد أنّ الحكومة لن تغيّر من أولويّاتها في سبيل توفير حاجات الجيش. فليس صحيحاً أنّ الموازنة لا تحتمل نفقات عسكريّة، وليس صحيحاً أيضاً أنّ توفير الحكومة حاجات المواطنين الأساسيّة لا يترك لها موارد تنفقها على قوّاتها المسلّحة. فإضافة إلى إنفاق عسكريّ غير مجدٍ نتيجة تعدّد الأجهزة خدمة لحسابات الطوائف والمحسوبيّات، يعاني الجيش وعناصره ممّا يعانيه عامّة المواطنين، أي حجب الأموال عنهم لدفعها فوائد على الدين العام. وتتكشّف السخرية المرّة حقاً حين يقدم مصرف أو سياسي من الذين أسهموا في إدخال البلاد في حلقة الدَّيْن الجهنّمية، بالتبرّع ببعض الفتات بحجّة حرصه على الجيش.
ثالثاً، منذ أوائل التسعينيّات، دخلت البلاد في ثقافة التسوّل. الاسم الرسمي لهذه الثقافة هو المنح والهبات، والاسم المدنيّ لها هو الجمعيّات غير الحكوميّة. وها هو وزير الدفاع يُدخل السلك العسكريّ إلى حضن هذه الثقافة. وإذا كان قصر العدل بات برعاية الوكالة الأميركيّة للتنمية، فلمَ لا يصبح الجيش برعاية آل المرّ وشركاه؟
من العبث إهمال هذه الرسائل الثلاث. فالانصياع لها أو رفضها يسهم في تحديد أيّ جيش نريد، وأي دور لهذا الجيش: جيش العديسة أم جيش نهر البارد؟



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 12 أغسطس، 2010,3:07 م
الياس ابن أبو الياس

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ١٢ آب ٢٠١٠

حين يصبح موضوع العمالة لإسرائيل مزحة على لسان وزير الدفاع الوطني، أو تهمة يطلقها في وجه كلّ من أزعجَ خاطره، يحقّ لنا أن نتساءل: عن أيّ دفاع وطنيّ نتحدّث؟ وأمام أيّ نوع من الوزراء نحن؟
الياس المر على حق. فإذا اكتُشف بعض العملاء داخل المؤسسة العسكرية، يمكن أن تحتوي الصحف، هي الأخرى، على عملاء. لكن أن تُلصَق تهمة العمالة بمن يكتب مقالاً يزعج وزيراً، فهذا ما يدخل في باب الخفّة التي لا تُحتمل.
والواقع أنّ الوزير المرّ خبير في إحراق البلاد من أجل أن يشعل سيجارته. مرّةً يخوض معركة ضدّ مجموعة أصوليّة وهميّة كي يكسب رضىً أميركياً، ومرّةً أخرى يحرق مخيّماً كي يشفي حقداً دفيناً ضدّ الفلسطينيّين اختزنه منذ أن عمل مع بطل مجزرة صبرا وشاتيلا... وحين تفرغ الساحة من الأعداء، يرفع عنتر سيفه ويلاحق «عبدة الشيطان».
لكنّنا نعيش في بلاد يصبح فيها هذا النوع من الوزراء هو ممّن تخاض معارك من أجل ضمان حصّتهم داخل أيّ حكومة. ألم يطالب أبو الياس ذات يوم بحقيبة وزاريّة «تليق بابني الياس»؟ فالوزارات تُفصَّل عندنا على مقاس أبناء العائلات. وغالباً ما تصبح الوزارة ملكاً شخصياً للعائلة تتوارثه جيلاً بعد جيل.
كان يوم أمس، واحداً من تلك الأيّام التي نكتشف فيها القعر الذي انحدرت البلاد إليه. وزير دفاع لا يدافع في الواقع إلا عن مصالحه ومصالح عائلته، يسأل بوقاحة مطلقة: من هو الأصدق، الصحافي أم وزير الدفاع؟ وكأنّ مراقبة عمل الوزراء والمسؤولين ليست واحدةً من المهمّات الأساسيّة للصحافي. وكأنّنا لم نشبع كذباً متواصلاً من المسؤولين في هذا البلد. وبالوقاحة نفسها، يقول وزير الدفاع لأحد الصحافيّين: «معلّمك قال...»، لمجرّد أنّ ذاك الصحافي يعمل في محطّة قريبة من تيّار سياسيّ. أما من معلّم في هذه الجمهوريّة يعلّم المسؤولين كيف يتكلّمون في مؤتمراتهم الصحافيّة؟
يدّعي بعض الباحثين في الفلسفة السياسية أنّ علينا ألّا نقلّل من العامل الشخصي لدى تحليل الظواهر العامة. فالعالم يعاني إجمالاً من حكم أبناء كلّ ما يهتمّون به هو الإثبات لآبائهم أنّهم أصبحوا رجالاً. فماذا فعلتَ بنا يا أبو الياس؟


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 11 أغسطس، 2010,3:09 م
إيّاك والحرّ يا سعد

خالد صاغية

الأخبار عدد الأربعاء ١١ آب ٢٠١٠


الحرّ في بيروت لا يطاق. مجنون من يحزم أمتعته في هذا الطقس، ويعود إلى لبنان، وخصوصاً إذا كان يعيش هانئاً على إحدى الجزر في البحر الأبيض المتوسّط. بعض الشائعات بدأت تسري بأنّ الرئيس سعد الحريري قد يترك سردينيا ويعود إلى بيته في وسط بيروت اليوم أو في الأيّام القليلة المقبلة. تضحية أخرى يقدّمها هذا السياسيّ الشاب من أجل وطنه. فهل يعقل مغادرة تلك الجزيرة الرائعة لتحمُّل حرّ بيروت؟
جرى تبادل لإطلاق النار بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي في بلدة العديسة الجنوبيّة. سقط شهيدان للجيش وزميل صحافي. وتمكّن أحد الجنود اللبنانيين من قتل ضابط إسرائيلي. كادت الحرب تشتعل في المنطقة. نقاشات حول خط الحدود اللبنانية بين لبنان واليونيفيل. فرض قيود على تسليح الجيش اللبناني. رئيس الجمهورية في الجنوب. وسعد الحريري يكمل إجازته في سردينيا.
المحكمة الدولية باتت على المحك. مؤتمر صحافي للأمين العام لحزب اللّه يتّهم فيه إسرائيل باغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. عرض صور جوية وإفادات عملاء. ردود الفعل تنهال من كل حدب وصوب. هذا يشكّك في صدقيّة الصور، وذاك يعتبرها شديدة الأهمية وينتظر قرار المحكمة، وآخر يطرح علامات الاستفهام حول مصدرها. وكثيرون يطالبون بمسار جديد للتحقيقات في جريمة 14 شباط 2005. وسعد الحريري يكمل إجازته في سردينيا.
لا يملك المرء حقاً إلا التعاطف مع السيّد سعد الحريري. فهذا الشاب وجد نفسه مضطراً فجأة للدخول في اللعبة السياسية اللبنانية كي يحافظ على ممتلكات العائلة. ما له وتعلّم القراءة، ومخاطبة الجماهير، والإصغاء إلى متاعب الناس، وتحمّل الضغوط الداخليّة والخارجيّة، ناهيك بحضور اجتماعات مجلس الوزراء وجلسات في المجلس النيابي.
مهلاً، طار الحريري من سردينيا إلى فرنسا للقاء الرئيس نيكولا ساركوزي. لا بأس ما دامت الرحلة لا تزال ضمن الأراضي الأوروبية، وما دام اللقاء في مصيف فرنسي. لكن، إيّاك وحرّ بيروت يا سعد. عُد إلى إجازتك. عائلتا شهيديْ الجيش اللبناني لن تعتبا عليك. وإن اندلعت الحرب، يمكنك دائماً قيادة دفّتها من اليخت.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 10 أغسطس، 2010,3:10 م
(الـ)حقيقة

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٠ آب ٢٠١٠


وليد جنبلاط، هذه المرّة، على حقّ: القرار 1559 هو الذي خرب لبنان. ويمكن القول إنّ الاتهامات المتبادلة باغتيال الرئيس رفيق الحريري باتت كلّها تدور حول هذا القرار.
فجوهر اتّهام سوريا أو حزب اللّه بالاغتيال هو أنّ الحريري شريك في صنع هذا القرار، وقد تواطأ بالتالي مع جهات غربيّة من أجل إخراج الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح المقاومة. فجاءه الردّ سريعاً: سيّارة ميتسوبيشي بيضاء محمّلة بما يعادل 1800 كلغ من الـ تي. أن. تي.
أمّا جوهر اتّهام إسرائيل أو أجهزة استخبارات غربيّة بالاغتيال، فهو أنّ صدور القرار 1559 قد ترافق مع تصميم دولي على تنفيذه. لكنّه تصميم ما كان يمكن ترجمته من دون زلزال كبير كاغتيال الرئيس الحريري.
أيّ تفسير سياسيّ هو الأصحّ؟ هل كان الحريري بطل الـ1559 أم ضحيّته وحسب؟ للإجابة عن هذين السؤالين، من العبث انتظار المحكمة الدولية كي تصدر حكمها. وهذا ما يعرفه جيّداً «أولياء الدم» قبل غيرهم.
فسوريا خرجت فجأةً من الصورة. وقبل تبرئتها رسمياً، نام «ابن الشهيد» نوماً هنيئاً في سرير الرئيس السوري بشار الأسد. وحين توجّه الاتّهام صوب حزب اللّه، رفض الحزب كلّ العروض التخفيفيّة التي تحدّثت عن «عناصر غير منضبطة». وبات واضحاً أنّ البلاد لن تحتمل قراراًَ اتهامياً في هذا الاتجاه، فما بالك بانتظار سنوات حتّى صدور الحكم النهائي الذي يبرّئ الحزب أو يثبت إدانته. أمّا بالنسبة إلى اتهام إسرائيل أو جهاز استخبارات غربيّ، فالجميع يعلم أنّ «العدالة الدوليّة» ليست هنا كي تدين هؤلاء، مذنبين كانوا أو بريئين.
وإذا كانت المحكمة قد باتت عاجزة حقاً عن أداء دورها، وهذا ما هو حاصل فعلاً، فعلينا أن نطوي مرحلة المزايدات بشأن الحقيقة والعدالة، وأن نروّج لحقيقة (قد تكون حقيقيّة) تناسب هذا البلد الواقف على فوهة بركان.
ليس السؤال إذاً هل إسرائيل هي التي اغتالت الحريري. السؤال هو هل يمكن توجيه الاتهام صوب إسرائيل؟ هذا السؤال الأخير هو ما أجاب عنه السيّد حسن نصر اللّه أمس. ولعلّ هذا مغزى تأكيده أنّه لا يقدّم أدلّة بل معطيات. المعطيات وحدها كافية لإنقاذ البلد. الوثائق التي قُدِّمت، أمس، تقول فقط: نعم، يمكن إعادة توجيه الاتهام صوب إسرائيل. وهذا وحده مخرج لائق للجميع. مخرج لمفبركي شهود الزور. مخرج للمتّهمين عن حقّ. مخرج للمتّهمين عن باطل. ومخرج لأولياء الدم.
الساعة الآن الثانية بعد منتصف الليل. فلنتّهِمْ إسرائيل، وليذهب بلمار إلى النوم.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 9 أغسطس، 2010,7:20 م
القتل الرمزي

خالد صاغية


الأخبار عدد الاثنين ٩ آب ٢٠١٠

اللبنانيّون على موعد اليوم مع مؤتمر صحافي قد يطول لساعات. يقال إنّ المعلومات التي ستُعرَض خلاله تحمل الكثير من المفاجآت. كان يمكن المتعةَ أن تكون مضاعفة لولا زيارة الملك عبد اللّه والرئيس بشار الأسد. لكن، رغم أجواء التهدئة، ورغم إخفاء الكثير من المستور، تنبئ التسريبات بليلة مليئة بالتشويق. وهو تشويق لا يضاهيه إلا بدء الاشتباه بشخصيات عامّة ومعروفة بتهمة التعامل مع إسرائيل.
لقد زخرت الأيّام القليلة الماضية بشائعات لا نهاية لها عن توقيف عدد من المشتبه فيهم. قيادة الجيش اضطرّت إلى إصدار بيان نبّه من «مغبّة إطلاق الاتهامات جزافاً»، وحذّرت فيه «مروّجي الشائعات من أنّها لن تتهاون في الحفاظ على سمعة عسكريّيها». لكنّ الشائعات لم تطل الجيش وحده. يكاد كلّ مبنى في لبنان ينظر سكّانه بعين الحذر بعضهم إلى بعض. فبعدما اشتُبه بضبّاط حاليّين وسابقين، وبموظّفين في قطاعات حسّاسة، وبمواطنين عُرفوا بتاريخ نضالي طويل ضدّ إسرائيل، لم يعد أحد «فوق رأسه خيمة». وفي جوّ مسموم بالانقسامات السياسيّة والطائفيّة، يبدو الميل الأوّلي للناس إلى تصديق الشائعات، لا بل تمنّي ثبوت صحّتها.
وذلك من علامات العيش في بلاد لم تتمكّن القنوات السياسيّة من إدارة انقساماتها. حتّى «صيد العملاء» دخل السباق. مقابل فايز ك.، يُنتظر الانقضاض على فريسة دسمة من الطرف الآخر، مِن قِبل جهاز أمنيّ مختلف عن الجهاز الذي أوقف العميد المتقاعد.
كذلك بالنسبة إلى مؤتمر اليوم. لا يبدو التشويق نابعاً من انتظار أدلّة تشير إلى احتمال تورّط إسرائيل في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بقدر ما هو نابع من ترقّب ما إذا كان السيّد حسن نصر اللّه سوف يبوح بأسماء شخصيّات عامّة متورّطة بفبركة شهود الزور.
وبغضّ النظر عن التثبّت من الاتهامات بالعمالة أو عدمه، ومهما يكن حجم التورّط في تضليل المحكمة الدوليّة، فإنّ المدهش حقاً هو هذا الجوع المزمن عند اللبنانيّين إلى «قتل» بعضهم بعضاً. وإذا كان المأمول ألا تتجدّد الحرب الأهليّة التي انتهت منذ عشرين عاماً فقط، فإنّ القتل الرمزيّ هو السائد حالياً. هكذا «يُقتَل» حزب اللّه باتّهامه باغتيال الحريري، وهكذا «يُقتَل» تيّار المستقبل باتّهامه بتضليل التحقيق باغتيال مؤسّسه، وهكذا «يُقتَل» التيّار الوطني الحرّ باتّهام أحد رموزه بالعمالة لإسرائيل...
القتل شغّال. لا داعي لانتظار الحرب.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 5 أغسطس، 2010,7:23 م
عذراً عسّاف

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٥ آب ٢٠١٠

تأخّر مشوارنا، نحن زملاءك، إلى قرية الكفير. وحين زرناها، لم تكن في بيتك كي تستقبلنا. لكنّنا لحقنا بك إلى الكنيسة. هناك حيث تجمّع أحبّاؤك ليحاولوا أن يفهموا سرّك للمرّة الأخيرة. أيّ ملاك كان يقف على كتفك كي يجتمع فيك كل هذا الحبّ وهذه السكينة وهذا العناد في مواجهة قسوة الحياة. هل خانك الملاك في العديسة، أم أنّك أنت من اختار الموت؟
لا أملك إجابة عن هذا السؤال. فأنا لم أكن أعرفك جيّداً. التقينا مرّات في مكاتب الجريدة في بيروت، ولم نلتقِ قط في ميدان عملك، لا في حاصبيا ولا في مرجعيون. فنحن، في مكاتب «الأخبار»، رغم كلّ ما بذلناه منذ البداية كي تُعطى صحافة المناطق حقّها، لم نتخلّص تماماً ممّا ورثناه من نظرة تقليديّة إلى العمل الصحافي، ومن ميل متعاظم إلى ملء الصفحات بأخبار بيروت الكبرى وشخصيّاتها وآخر ترهات سياسيّيها.
لكن، حين وصلنا إلى قريتك الوادعة، انتبهت فجأة إلى ما يعنيه أن يكتب المراسل خبراً، ما يعنيه أن يصنع حدثاً في قرى تبدو كأنّ لا شيء يتحرّك فيها، وربّما لا أحد يسكن فيها. ما يعنيه أن يقطع كلّ تلك المسافات، في طرق مليئة بالتعرّجات، كي يصل إلى مكان غير آمن يحاول أن يعرف منه ماذا يجري على الحدود. وأنت، يا عسّاف، كانت الحدود شغلك الشاغل. تعاينها باستمرار كمن يفتح باب غرفة النوم ليتأكّد أنّ صغيره لا يزال هناك، ينام بهدوء وسعادة.
على مفرق الكفير، انتبهتُ إلى المهنة المتوحّشة التي ننتمي إليها. فداخل مكاتبنا المكيّفة، نتلقّى موادّ المراسلين عبر البريد الإلكتروني. ومن داخل مكاتبنا المكيّفة، نقرّر ما يُنشَر وما لا يُنشَر. ندّعي معرفة في ترتيب الأولويات، وفي اهتمامات القرّاء، وفي أذواقهم أيضاً.
لم يكن أي خبر يستحقّ قطرةً من دمك يا عسّاف. لكنّها لعنة العديسة. أمّك ولدتك هناك، تقول زوجتك. تقولها كما لو أنّ ذلك يفسّر موتك في تلك القرية الحدودية. الملاك خانك يا عسّاف. شجرات السرو التي استشهدت بسببها، قطعها الجيش الإسرائيليّ أمس، ولم يحرّك أحد ساكناً. ليس الملاك وحده من خانك يا عسّاف. الوطن كلّه بات فوق الشجرة.



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 3 أغسطس، 2010,7:27 م
حدث ولم يحدث في آب 2006

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٣ آب ٢٠١٠

في 14 آب 2006، كان على كلّ شيء أن ينتهي.
في ذلك اليوم، أُعلِن رسمياً فشل الحرب الإسرائيليّة على لبنان. وهي لم تكن حرباً إسرائيليّة وحسب. كانت حرباً خاضتها الولايات المتّحدة من أجل شرق أوسطها الجديد. لم تخفِ كوندوليزا رايس هدفها لحظةً واحدة. كانت أيضاً حرباً تعزّز لمرّة أخيرة سلطة فريق من اللبنانيين على الفريق الآخر، وتعلن نجاح «ثورة الأرز». على تلك المائدة في السفارة الأميركيّة في بيروت، كانت البيادق الأميركيّة تستمع إلى أمر اليوم، وهي تأكل السندويش بشهيّة.
في 14 آب 2006، كان على كلّ شيء أن ينتهي.
فالحرب الأميركيّة ـــــ الإسرائيليّة انتهت إلى غير ما كان متوقّعاً لها. هُزم مشروع، ولم يُعلن انتصار مشروع آخر. بقي فؤاد السنيورة في السرايا، لكن كمجرّد ظلّ لفؤاد السنيورة رئيس الحكومة. لم تجتح جماهير المعارضة المقرّ الحكومي الذي بدأ يتعاطى المسكّنات المذهبيّة، لكنّ المقرّ لم يعد مقرّاً، والحكومة لم تعد حكومة.
في 14 آب 2006، كان على كلّ شيء أن ينتهي.
كان واضحاً أنّ ثمّة من يكابر في إعلان لحظة الهزيمة. وثمّة من تواطأ مروّجاً للّاغالب واللامغلوب. مرجعيون لم تكن فضيحة أخلاقيّة. الدموع لم تكن دموع تماسيح. عناق رئيس الحكومة لرايس كطفل خائف يعانق أمّه كان مجرّد جهد دبلوماسيّ. انتصار إسرائيل لم ينتظره أحد في لبنان. ما زالت أمام ثورة الأرز دروب ثوريّة طويلة. ابتسم البعض بخبث، وأخرج من جيبه شعار الفتنة.
في 14 آب 2006، كان على كلّ شيء أن ينتهي.
في تلك اللحظة، كان على «الثورة» أن تعلن فشلها، وعلى «الثوّار» أن يعيدوا حساباتهم. كنّا وفّرنا حروب الأزقّة، والجرائم الصغيرة، وأحداث 7 أيّار، واعتصام وسط بيروت، واتفاق الدوحة... كنّا وفّرنا بعض الأحقاد والاستقطابات المذهبيّة... كنّا وفّرنا على أنفسنا الشلل الحكومي باسم الوفاق الوطني، ومسرحيّة العلاقات الشخصية الممتازة بين «ابن الشهيد» و«المتّهم لسنوات باغتيال الوالد»...
في 14 آب 2006، كان على كلّ شيء أن ينتهي.
لبنان ما بعد حرب تمّوز هو غيره ما قبلها. المنطقة كلّها باتت لا تشبه ما كانت عليه. ثمّة من لم يقتنع بهذه المعادلة بعد. لديه متّسع من الوقت كي يقنع نفسه. وفي الانتظار، يمكنه أن يستمرّ في جرجرة الهزيمة وترقُّب قرار ظنّي، أو حرب إسرائيليّة أخرى.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 2 أغسطس، 2010,7:30 م
لماذا عماد مغنيّة؟

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٢ آب ٢٠١٠

منذ فترة غير قصيرة، بات يمكن إطلاق تسمية بلاد الضريحَيْن على لبنان. في قلب وسط بيروت، والمنطقة التي باتت تحت رحمة شركة «سوليدير» العقارية، يقبع ضريح الرئيس المغدور رفيق الحريري. وفي قلب الضاحية، معقل حزب اللّه، يقبع ضريح الحاج رضوان. لمكانَيْ الضريحين رمزيّتهما. كأنّ كلاً من الرجلين ترك ضريحه شاهداً على الحيّز الذي أسهم في صنعه أو إعادة تشكيله، أو كأنّ اغتيال الرجلين أثبت أنّه أعجز من أن يمحو آثارهما. وإذا كانت «سوليدير» هي طفلة الحريري (وشركته؟)، فإنّ المقاومة، التي تحوّلت الضاحية إلى عاصمتها، هي ابنة عماد مغنية (وابنة «أكثر من أب»).
وإذا كانت الإدارة السوريّة للبلاد قد تمكّنت من تنظيم الخلاف بين مشروعَيْ المقاومة والإعمار، فإنّ ما جاء بعدها لم يترك مجالاً للشك في أنّ انقسام لبنان الأساسي بعد اتفاق الطائف تمحور حول هذين المشروعين.
ولعلّ اختلاف زوّار الضريحين يجسّد هذا الانقسام، وهو انقسام سياسي لا يمكن إغفال بُعده الطائفي.
عنوان الانقسام اليوم هو: المحكمة الدوليّة. وفي التسريبات عن القرار الظني المرجّح صدوره في الأشهر القليلة المقبلة، جرى التطرّق إلى احتمال اتّهام عناصر من حزب اللّه. وللتخفيف من وطأة اتّهام كهذا، سمّيت هذه العناصر «غير منضبطة». إلّا أنّ كلّ التسريبات لم تأتِ لا من قريب ولا بعيد على ذكر اسم عماد مغنيّة. ثمّة من قال إنّهم عناصر من حزب اللّه، وبالتالي حزب اللّه متّهم. وثمّة من قال إنّهم عناصر غير مرتبطين بالمركز. أمّا مغنيّة، فقصّة أخرى. فقد زُجّ باسم القائد العسكري للمقاومة، الذي قضى هو الآخر اغتيالاً، خلال العرض الذي قُدِّم إلى السيّد حسن نصر اللّه كي يقبل التضحية ببعض عناصره، وتحميل مسؤوليّة اغتيال الحريري لمغنيّة الذي لم يعد حيّاً كي يُحاكَم. وربّما لم يُفهم كيف يرفض نصر اللّه عرضاً «سخيّاً» كهذا.
الواقع أنّ العرض أكثر إيذاءً من الاتهام نفسه. ففيما يرفض أصحاب العرض أيّ نقد، ولو صغيراً، لصاحب الضريح الأوّل، يريدون تحويل صاحب الضريح الثاني إلى سفّاح. إنّها حرب الأضرحة إذاً، وهي حرب أخطر ما فيها أنّها لا تُحسَم بالنقاط.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments