الأربعاء، 30 يونيو، 2010,3:20 م
الفايسبوك يدخل النفق

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٣٠ حزيران ٢٠١٠


السياسة في أزمة لدى جميع الطوائف. لكنّها أزمة وجدت أخيراً تعبيراتها الحادّة لدى المسيحيّين. كأنّ زعماء هذه الطائفة الذين وجدوا في الانسحاب السوري فرصة لاستعادة دورهم، اكتشفوا أنّ ما جرى خلال العقود الماضية لا يسهل محوه بقرار دولي، وهو أعقد من رواية الوصاية السوريّة. البطريرك الذي فقد موقع القيادة السياسيّة مع عودة ميشال عون من المنفى وخروج سمير جعجع من السجن، بدأ يرفع من حدّة مواقفه، لعلّ السقف العالي ينتصر على الصوت الخافت.
قائد القوّات اللبنانيّة يجول على عواصم «عرب الاعتدال» وباريس وواشنطن بحثاً عن غطاء يحميه من محاولات العزل المتواصلة التي تشجّعها سوريا ويتحمّس لها لبنانيّون كثيرون لم يتعلّموا من دروس «عزل الكتائب».
العماد ميشال عون يكتشف يوماً بعد يوم حدود مشروع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. يتصرّف تارةً كأغلبيّة جرى التآمر عليها، وطوراً كأقليّة تبالغ في أداء دور الضحيّة. وبين الاثنين، يلوح شعار «مسيحيّو الشرق» كتعويذة لا تنقذ أحداً.
وما يزيد الأمور تعقيداً، هو أنّ المسيحيّين خسروا أصدقاءهم وأعداءهم على حدّ سواء. فسوريا التي عاداها الجنرال طويلاً، أعلن تصالحه معها بعد الانسحاب من لبنان. وحلفاء جعجع لا يكفّون عن الاعتذار عنه، واعدين بتغيّر سلوكه. وسلوكه تغيّر فعلاً. فبات رفع الصوت ضدّ حزب اللّه تعويضاً عن خفته ضدّ سوريا.
أمّا الراعي الغربي، فأعطى أكثر من إشارة على أنّ صداقته للمسيحيّين لا تعني أنّهم لا يزالون أطفاله المدلّلين.
إزاء هذه الأبواب المقفلة، بدأت السياسة تخلي مواقعها لما دونها.
بدلاً من «الأم الحنون» التي كانت تخترع الأوطان، لم يبقَ إلا الفاتيكان كي تطوّب القدّيسين.
وبدلاً من خطاب الحرية والسيادة والاستقلال في وجه سوريا، بدأت كرنفالات الابتذال ضدّ الفلسطينيّين وحقوقهم المدنيّة.
وبدلاً من السعي إلى استعادة بعض صلاحيّات رئاسة الجمهوريّة التي صودرت في اتفاق الطائف، ها هي جائزة الترضية تأتي من القضاء هذه المرّة. فرئيس الجمهورية في لبنان لن توسَّع صلاحيّاته، على ما يبدو، لكنّ القضاء سيتحرّك ويعتقل شباباً تجرّأوا على... «الإساءة» إلى رئيس الجمهورية. والزعماء المسيحيّون سيهلّلون لهذه الاعتقالات.
اطلبوا النجدة، ولو من الفايسبوك!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 29 يونيو، 2010,3:19 م
حتبقى العيشة جنان

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢٩ حزيران ٢٠١٠


«فاليري جيسكار ديستان... والستّ بتاعه كمان... حيجيب الديب من ديله... ويشبّع كل جعان».
اقرعوا الطبول. وزّعوا المناشير. قفوا باحترام، وأدّوا التحيّة. لقد وصل النفط إلى لبنان. وها هو يدخل سريعاً، وهو لمّا يزل داخل باطن الأرض، في نفق السجالات السياسيّة. لا بدّ من تحديد طائفته قبل أن يبصر النور. ولا بدّ من توزيع عائداته، وتحديد الحصص في الشركات التي ستتولّى التنقيب عنه واستخراجه. وبما أنّ الحقول قد تكون مشتركة مع إسرائيل، فإنّ الخطابات الوطنيّة التي تتحدّث عن لبنان وشعبه ومؤسّساته، بات بإمكانها أن تضيف اليوم: «ونفطه».
«ياسلامْلَمْ يا جدعان... ع الناس الجنتلمان... داحنا حنتمَنْجه واصل... وحتبقى العيشه جنان».
يفرك المتفائلون أيديهم منذ الآن، منتظرين عائدات إضافية ستدخل إلى موازنة الدولة. لقد كبرت الكعكة من جديد، وبات بالإمكان تقاسمها براحة أكبر. فقد ولّت أيّام القحط. لن نجلس من الآن فصاعداً لنناقش في دستوريّة مادّة أو مادّتين من الموازنة، ولن يكون علينا التفتيش عن كلّ مليار يضيع هنا أو هناك. ستمطر الدنيا أموالاً. وستزهر الوعود الربيعيّة من جديد.
«التلفزيون حَيْلوّن... والجمعيات تتكوّن... والعربيّات حَتْموّن... بدل البنزين بَرْفان».
حتّى لو كان استخراج النفط سيتأخّر ثماني سنوات أو عشراً. سننتظر. وسيكون انتظاراً مليئاً بالآمال والأحلام. سيمتنع المعلّمون عن المطالبة بحقوقهم. ولتُرفَع الضريبة على القيمة المضافة. ولتستمرّ أسعار البنزين في صعودها الصاروخي. ما همّنا يا رجل. لقد بات لبنان دولة نفطيّة.
«حتحصل نهضه عظيمه... وحتبقى علينا القيمه... في المسرح أو في السيما... أو في جنينة الحيوان».
ومع كلّ برميل نفط، سنكتشف قدّيساً جديداً. ومع كلّ برميل نفط، سنكتشف شهيداً جديداً. ومع كلّ برميل نفط، سنكتشف متاريس جديدة ترتفع بيننا. أمّا بخصوص الأموال، فبإمكان الجميع أن يطمئنّوا. هناك من يجلسون الآن على كراسيّ جلديّة مريحة، وعلى وجوههم تظهر ابتسامات ماكرة. فهم يعرفون جيّداً أنّ أيّ فلس سيدخل إلى خزينة الدولة، سواء عبر النفط أو النهب، سيعود ويدخل إلى جيوبهم. فهم الدائنون، وإليهم ستذهب فوائد الدين العام.
أمّا الفقراء، فـ«حياكلوا بطاطا... وحيمشوا بكل ألاطه... وبدال ما يسمّوا شلاطه... حيسمّوا عيالهم جان».
رحم اللّه الشيخ إمام.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 28 يونيو، 2010,3:18 م
اطلبوا العلم في رومانيا

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٢٨ حزيران ٢٠١٠


يمثّل عدم الاكتراث بقضايا الاقتصاد العالمي إحدى النواقص الأساسيّة في الإعلام اللبناني المرئي والمكتوب على حدّ سواء. التشابك بين اقتصادات الدول الذي بات أكثر شفافيّة وحدّة في زمن العولمة، لم يسهم في حلّ هذه المشكلة. حتّى الأزمة المالية العالمية غير المسبوقة منذ ثمانين عاماً، لم تستفزّ الكثير من الأقلام. وإن فعلت، فلفترة وجيزة لم تفلح الأزمة اليونانية والسجال حول اليورو في تمديدها.
وسط هذا الخمول الذهني، تطلع علينا إحدى المحطات التلفزيونية المحلية، في شريط أخبارها، بخبر استمرّ بثّه طيلة أربع وعشرين ساعة. فحوى الخبر: قرّرت الحكومة الرومانيّة زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 19% إلى 24% بهدف الحدّ من عجز الموازنة. الغريب أنّ عدم الاكتراث بالاقتصاد العالمي لا يضاهيه عادةً إلا عدم الاكتراث بأخبار بلد كرومانيا. فمن أين جاءت هذه الهمّة لملاحقة آخر الأخبار الاقتصادية لبلد أوروبي شرقي؟
ما يزيد الأمر غرابة هو أنّ خبر الزيادة على الضريبة على القيمة المضافة جاء مفصولاً عن سياقه. فلم يُذكَر مثلاً أنّ رومانيا موعودة بمساعدات من صندوق النقد الدولي بقيمة 20 مليار يورو، وأنّ هذه المساعدات مشروطة بخطّة تقشّف من النوع العزيز على قلب الصندوق، أي تلك التي تحدّ من التقديمات الاجتماعية لعموم المواطنين، ولا سيّما الأقلّ يسراً. ولم يذكر الخبر أيضاً أنّ المحكمة الدستورية في رومانيا قرّرت رفض اقتطاع نسبة 15% من معاشات التقاعد في البلاد، وهو ما كانت تنصّ عليه خطّة التقشّف التي عرضتها حكومة يمين الوسط، إذ رأت المحكمة أنّ الاقتطاع من معاشات التقاعد غير دستوريّ.
كلّ ذلك يزيد الاستغراب في الترويج للخبر الآتي من رومانيا. لكنّ العجب يبطل حين ندرك أنّ الشاشة التي هلّلت للخبر، ليست إلا الشاشة المملوكة من آل الحريري، وأنّ زيادة الضريبة على القيمة المضافة كانت جزءاً أساسياً من مشروع موازنة 2010 في لبنان، وقد حُذف بعد التفاوض مع سائر القوى السياسيّة في البلاد، من دون أن يمنع ذلك وزيرة المال ريا الحسن من التهديد بأنّ إلغاء الزيادة هذا العام لا يعني إلغاءها من مشروع موازنة 2011.
لقد رفعوا الضريبة في رومانيا. احذروا التقليد في لبنان!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 25 يونيو، 2010,3:15 م
حادث فردي

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ٢٥ حزيران ٢٠١٠


تتكاثر الأحداث الفرديّة في لبنان. تتكاثر لدرجة أنّه إذا جُمع عددُ الأفراد المسؤولين عن هذه الأحداث الفردية، فسنحصل على مجموع يفوق عدد أفراد الشعب اللبناني.
فإن رمت عاملة سريلانكية نفسها من الشرفة، تكون الحادثة فردية. وإن وُجد عامل سوريّ مطعوناً، تكون الحادثة فرديّة. وإن عُلِّقت لافتة تعلن تقديم مريول مجاني مع كل «خادمة» جديدة، عُدّ ذلك خطأً فردياً...
آخر تلك الحوادث الفردية حصل في منطقة الأوزاعي. القصّة باتت معروفة. دهمت قوّة من الأمن العام صالة يقيم فيها مواطنون سودانيّون حفلاً خيرياً، فتحوّل الحفل إلى كرنفال امتزجت فيه الفحولة بالعنصريّة.
الحادثة، على فظاعتها، كان يمكنها أن تمرّ مرور الكرام. لكنّ تحرّك الشعب السوداني داخل بلاده تضامناً مع مواطنيه، وتضافُر أسباب سياسية واقتصادية، وضعا الحكومة اللبنانية وأطرافاً سياسية عديدة في وضع المجبَر على إدانة الحادثة. ونقول «المجبَر» لأنّ هذه الأطراف عينها لم تحرّك ساكناً لممارسات مشابهة كثيرة.
وزير الخارجية علي الشامي رأى أن الحادثة «فردية». السفير السوداني في لبنان إدريس سليمان أراد بدوره أن يكون مهذّباً، فساير المسؤولين اللبنانيين، ورأى أنّ «الحادثة فردية ولا يمكن أن تعبّر عن حقيقة المشاعر التي يكنّها اللبنانيون تجاه إخوانهم السودانيّين».
لكنّ الجميع يعرفون أنّ الحقيقة في مكان آخر، وأنّ الحادثة ليست فرديّة مع الأسف، وهي تعكس حقيقة المشاعر التي يكنّها لبنانيّون تجاه إخوانهم السودانيّين. العناصر الذين كلّفوا تنفيذ المهمّة مسؤولون طبعاً عن عملهم المشين. لكنّ هؤلاء العناصر والمسؤولين عنهم عكسوا ثقافة المؤسسات الأمنية في هذه البلاد، لا بل عكسوا الثقافة السائدة في المجتمع ككلّ. فبعيداً من تبادل اللياقات الاجتماعية، وبعيداً ممّا نُقل عن رئيس الحكومة سعد الحريري بعد جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، يعرف الجميع أنّنا نعيش في بلاد يرتفع فيها «دوز» العنصريّة في ظلّ إصرار عنيد على عدم وضع أيّ قانون يجرّمها.
السفير اللبناني في السودان، أحمد شمّاط، قرّر أن «يلعبها لبنانيّةً» حتّى النهاية. استنكر الحادثة، لكنّه طالب السودان بالاعتذار من الشعب اللبناني، إذ رأى أنّ شعارات المتظاهرين السودانيين «إهانة للدولة والشعب اللبنانيّين»!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 23 يونيو، 2010,3:13 م
لكن ليس في لبنان

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٣ حزيران ٢٠١٠


«لا أريد التشكيك في من قدّم هذه المبادرات، ولكنه من حيث لا يدري يفتعل مشكلة في غير موقعها، بينما يجب التركيز على المأساة التي تحصل في فلسطين وتهويد القدس». هكذا انضمّ الرئيس أمين الجميّل، أمس، إلى محبّي فلسطين والمدافعين عنها، شرط ألا يستدعي هذا الحبّ لأرض فلسطين أيّ تقديمات لأهل فلسطين، أي الفلسطينيّين أنفسهم. لقد بات الجميّل من المدافعين عن عروبة القدس والمستعدّين للنضال من أجلها، شرط عدم السماح لأيّ فلسطينيّ في لبنان بالاستفادة من الضمان الاجتماعي!
وطالب الرئيس الجميّل «بعدم المزايدة في موضوع العلاقة مع الفلسطينيين». فهو، كما نُصح والده ذات يوم، سيضع فلسطين على لسانه ثمّ يفعل ما يشاء. فبعد وصفه إعطاء الفلسطينيين الحقوق المدنية بـ«التوطين المقنّع»، لم يتوانَ عن التهديد: «كما وقفنا في السبعينيات في وجه مشروع الوطن البديل... موقفنا واضح في إطار وقوفنا في وجه أي قانون يؤدّي إلى التوطين».
وتماماً كما حصل إبّان معركة المتن الفرعيّة يوم جرى التباري حول من كان صاحب اليد الطولى في مجزرة مخيّم تل الزعتر، وتماماً كما حصل خلال معركة تدمير مخيّم نهر البارد يومَ فاض حبُّ الوطن حقداً على اللاجئين الفلسطينيّين، انضمّ العماد ميشال عون مساءً إلى كلام الجميّل الصباحي. فالتمسّك بلبنان، على ما يبدو، يحتاج دائماً إلى اختراع عدوّ عربي. وبقدر ما يجري التقارب مع سوريا، يجب تأكيد العداء للفلسطينيّين.
وإذ استنكر عون وصف مواقفه الرافضة لإعطاء الحقوق المدنية للفلسطينيين بالعنصريّة، أضاف موقفاً عنصرياً جديداً، لكن هذه المرّة ضدّ البدو. لكن، حتّى لا يُفهَم موقف عون معادياً للشعب الفلسطيني، ها هو يعلن استعداده للمطالبة لهم «بحق التجوّل في العالم وحق العمل أينما كان في أي دولة، في كل الدول التي صوّتت على قرار تقسيم فلسطين»... لكن ليس في لبنان.
وفي نفيه تهمة العنصرية، استعار عون كلّ المفردات التي يستخدمها اليمين الأوروبي المتطرّف ضدّ المهاجرين، فقال: «نحن نتحدّث عن قضية تتعلّق بموضوع اقتصادي وكثافة سكّان وإمكانات مادية».
وبدلاً من التساؤل عن السياسات التي أدّت إلى إضعاف الضمان الاجتماعي، تساءل «كيف تدخل 550 ألف فلسطيني إلى ضمان صحّي مفلس؟». وتماماً كالجميّل، استعاد السبعينيات وطلب عدم المزايدة.
الغريب أنّ عون أنهى كلامه بالسؤال عن «عدد اللبنانيين في بلاد الهجرة منذ التسعين حتى اليوم». لكنّه لم يسأل عن الحقوق التي يحصل عليها اللبنانيون في بلدان الهجرة.
المؤسف حقاً أنّ الكلام العنصريّ الذي يصدر عن بعض السياسيين هذه الأيام، يجد من «يُرَوْتِشُهُ» ببراعة. فتصبح حقوق الفلسطينيين غير مشروعة اليوم لمجرّد أنّ وليد جنبلاط طالب بها لأسباب سياسية تخصّه. وكأنّ الأطراف السياسية في أي بلد من العالم حين تدعم مشروعاً ما، تدعمه لأسباب إنسانية بحتة حتّى لو كان يضرّ بمصالحها السياسية. إنّه بيع الأوهام مرّة أخرى، لكنّه اليوم يصبّ في خدمة أبشع المشاعر بحجّة الدفاع عن أنْبَلها.



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 22 يونيو، 2010,3:11 م
المخيّلة المريضة

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢٢ حزيران ٢٠١٠


لم تكن المسألة يوماً ملهاةً، لكنّها بدأت تتكرّر بأشكال أكثر مأسويّة. حيثما تجد تحرّكاً نقابياً أو مطلبياً، تجد في مواجهته رجلاً منحدراً من تجربة يساريّة يحتلّ اليوم موقعاً في السلطة أو في حواشيها وحاشيتها. توكَل دائماً إلى رجل كهذا مهمّة قمع هذا التحرّك أو إجهاضه بأيّ طريقة. فالآتون من تجارب يساريّة يفهمون آليات العمل النقابي، وهم بالتالي أدرى بكيفيّة تفكيكها. وغالباً ما يفعلون ذلك بأثمان بخسة لا ترتقي بالضرورة إلى نيل رتبة «وزير».
هذا بالضبط ما يحصل مع رابطة الأساتذة التي تكاد تكون آخر النقابات في لبنان. وهي، كنقابة موحّدة، تمثّل الاستثناء الذي يثبت قاعدة تآمر الأطراف السياسية كافة على العمل النقابي في لبنان خلال فترة «السلم الأهلي»، وذلك إفساحاً في المجال أمام مشاريع النهب المنظّم التي سمّيت زوراً «إعادة إعمار». وهذا ما يفسّر استشراس رئيس الحكومة ووزيره الأمين في رفض مطالب الأساتذة.
بدأ الأمر بعجرفة لا مثيل لها حين أعلن رئيس الحكومة أنّه كـ«فلان ابن فلان» لن يقبل بلقاء الأساتذة. ولمساعدته على عدم النزول من برجه العاجي، حاولت المخيّلة المريضة للفريق الحاكم ابتكار البدعة تلو الأخرى من أجل إفشال تحرّك الأساتذة. ولم يتورّع بعض الصبية الذين لا يعرفون معنى أن تكون وزيراً أو مسؤولاً في الدولة، عن التباحث على طاولة مجلس الوزراء في السبل الممكنة لتفتيت رابطة الأساتذة. وبدأ كلّ منهم يستعرض عضلاته: «نحن نسحب جماعتنا»... و«نحن نطلب من رفاقنا»... ثمّ تلت ذلك زيارات لوفود «وهميّة» من الأساتذة والأهالي، أمّت كلّها مبنى وزارة التربية كي تتضامن... ضدّ نفسها.
وكاد وزير التربية يضطر نزولاً عند رغبة الجماهير إلى فصل كلّ الأساتذة المعترضين، لو لم تراوده فكرة أكثر ديموقراطيةً: إذا كان الأساتذة لن يصحّحوا الامتحانات، فلنلغِ الامتحانات ونوزّع إفادات نجاح على الطلاب. وربّما يقترح الوزير لاحقاً إلغاء المدارس من أصلها ما دامت تسبّب له ولـ«فلان ابن فلان» وجع الرأس.
أخيراً، تراجع رئيس الحكومة، فتنازل ووافق على مقابلة وفد من الأساتذة اليوم. يا لروعة التواضع. فها هو دولته، بين سَفرة وأخرى، يجد وقتاً كي يسهر على شؤون الرعيّة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 21 يونيو، 2010,3:09 م
31 و32: طارت الهدايا

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٢١ حزيران ٢٠١٠


المادّتان 31 و32 من مشروع الموازنة ليستا فريدتين. كثيراً ما يحفل جدول أعمال مجلس الوزراء ببنود يبدو ظاهرها بريئاً، أمّا جوهرها فيحمل أكثر من لغم مستتر. لكنّ هناك دائماً من يعرف ما تعنيه بنود كهذه. على الأقلّ، من وضع تلك البنود على جدول الأعمال ومن استعجل بتّها، يعرف جيّداً ماذا يفعل.
هاتان المادّتان اللتان جرى تهريبهما خلافاً للدستور بأغلبية النصف زائداً واحداً في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، أصبحتا بحكم الملغاتين بعد فضح لادستوريّة ما قام به مجلس الوزراء. لكنّ السؤال هو كيف تحصل هاتان المادتان أصلاً على أصوات 16 وزيراً من أصل 22 كانوا حاضرين؟
المعروف أنّ المادتين تصبّان في مصلحة الشركات العقارية والمصارف على حساب الدولة، إذ تمنحان خفوضات ضريبية هي بمثابة هدايا للمتاجرين بالعقارات. وتفيد الحسابات التقديريّة بأنّ شركة «سوليدير» وحدها كانت ستجني 1.3 مليار دولار من دون أيّ عناء، لو أقرّت هاتان المادّتان (راجع ص 3). وهذه الـ1.3 مليار دولار هي بالضبط ما كان ينبغي أن تجنيه الدولة بدلاً من العملاق العقاري. لكنّ اللاهثين وراء زيادة الضريبة على القيمة المضافة، والزاحفين باتجاه الخصخصة، بحجّة تأمين موارد للدولة، كانوا مستعدّين للتبرّع بهذه الإعفاءات الضريبية بكرم مريب.
ولمّا كان معروفاً من هو التيّار السياسي المرتبط عضوياً بالمضاربات العقارية وبمصالح المصارف، لم يكن مستغرباً أن يصوّت فريق رئيس الحكومة وحلفاؤه مع المادتين السيّئتَي الذكر. لكن، في ظلّ حضور 22 وزيراً للجلسة، ما كان يمكن هؤلاء وحدهم أن يؤمّنوا 16 صوتاً. وهذا ما يطرح بعض الأسئلة البريئة:
لماذا، مثلاً، يصوّت الوزير يوسف سعادة، ممثّل تيّار المردة داخل الحكومة، مع المادّتين؟ هل بات للتيّار حصص بالغة الأهمية في «سوليدير»؟ هل نسي الوزير سعادة خطب قائده إبّان اعتصامات المعارضة عن رهن البلاد للمصارف وأرباحها؟
وماذا عن وزراء البيك العائد إلى اشتراكيّته؟ هل باتوا من حيث لا ندري أعضاءً في مجالس إدارة المصارف؟
لماذا يصوّت الوزير فادي عبّود مع المادّتين، وهو يعرف أنّ زميليه في الكتلة نفسها صوّتا ضدّ هذه الإعفاءات الضريبيّة؟ وهل الإصلاح والتغيير وفقاً للسيّد عبّود يقتصران على صناعة الحمّص والتبّولة؟ وهل مكافحة الفساد تعني بالنسبة إليه ملاحقة صغار الموظّفين بسبب رشى صغيرة، فيما يرفع إصبعه ليمرّر الرشى الكبيرة؟
ليست المرّة الأولى التي يرتبك فيها وزراء المعارضة. وليست المرّة الأولى التي يرفع فيها وزراء آخرون أيديهم من دون أن يعرفوا على ما يصوّتون. حين يفعلون ذلك، عليهم أن يدركوا أنّهم يسحبون اللقمة من فم مواطن ليودعوها في الحساب المصرفي لمواطن آخر.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 18 يونيو، 2010,3:07 م
«يصطفل» رشيد الضعيف

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ١٨ حزيران ٢٠١٠


«يصطفل» رشيد الضعيف. بإمكانه أن يكتب ما شاء من الروايات، وأن يستهدف كلّ الفسحات بين المرأة والرجل. لكنّ رجالاً سيأتون بلباسهم العسكريّ ذات يوم، ليمنعوا صعود شخصيّاته إلى الخشبة.
«تصطفل» الجالية السودانيّة في لبنان. بإمكانها أن تمتلك حسّاً عالياً من المسؤوليّة، فتنظّم حفلاً لجمع التبرّعات من أجل طفل مصاب بالسرطان. لكنّ رجالاً سيأتون بلباسهم العسكريّ ذات يوم، ليسخروا من لون المحتفلين ومن أغانيهم وملابسهم الملوّنة. فإنقاذ طفل في لبنان يحتاج إلى ترخيص.
«يصطفلوا الفلسطينيّي». بإمكانهم أن يطالبوا بحقوقهم المدنية أو الإنسانيّة من الآن وحتّى قيام الساعة. لكنّ رجالاً سيأتون بربطات عنق ذات يوم، ليعطوا دروساً في حقوق الإنسان التي يجب أن تبقى حكراً على أصحاب الدم الأزرق.
«تصطفل» رابطة الأساتذة. بإمكانها أن تصرّ على أنّ العمل النقابي ما زالت له مساحته في هذا العالم. وبإمكانها أن تعتبر مطالبها محقّة. لكنّ مثقّفي السلطان سيأتون ذات يوم، ليحجبوا عنهم حقوقهم. فالقانون لم يوضع دائماً من أجل التطبيق، والحقوق لا تعطى إلا للحاشية ولروابط الطوائف. الدولة لديها ما يكفي لتنفقه على رحلات الرؤساء العقيمة، وعلى إشباع نهم حيتان المال، أمّا الأساتذة فلينتظروا جيلاً آخر.
«يصطفلوا» السريلانكيات. بإمكانهنّ ألا يتحمّلن الإهانات والتعذيب، وأن يعتبرن حياتهنّ غير قابلة للاستمرار. لهذا السبب، أقمنا في بيوتنا شرفات. فليرمين أجسادهنّ منها.
«يصطفل» اللبنانيّون جميعاً. ستقرّ الموازنة هذا المساء. وسيفقد مزيد من المواطنين حصانتهم أمام الضغط المعيشي، فيما تحمى المضاربات العقارية بقوانين إضافيّة. وسيأتي خبراء ذات يوم، يتأبّطون ملفّات كثيرة ليقنعونا ببيع ممتلكات الدولة، وبالحاجة إلى المزيد من الاستدانة، وبأن نطلق النار على أرجلنا. في تلك اللحظة التي نضغط فيها على الزناد ونصرخ «آخ»، سنعلم أنّ هناك من لن «يصطفل». أنّ هناك من يحتفل بترقية جديدة كلّما «اصطفلنا». وهناك من يحتفل بثروة جديدة كلّما «اصطفلنا». وهناك مدينة تخسر اسمها لا يمكن أن نتفرّج عليها وهي «تصطفل».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 17 يونيو، 2010,3:06 م
جلبيرت إن حكت

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ١٧ حزيران ٢٠١٠


على فلسطينيّي لبنان أن يهدأوا قليلاً. صحيح أنّهم لم يحصلوا على حقوقهم، لكنّهم نجحوا في ما هو أهمّ من ذلك. نجحوا في حثّ النائبة جلبيرت زوين على الكلام. لقد نطقت سعادة النائبة. أصدرت بلاغها الأوّل بعد تجديد انتخابها، لتعلّق على ما جرى أمس في المجلس النيابي.
نطقت فقالت إنّه لو أقرّت أمس المشاريع المتعلّقة بالحقوق المدنية للفلسطينيّين، لكانت ستعيد المجتمع اللبناني «إلى غريزته». وهذه كارثة طبعاً. فالمجتمع اللبناني يتمتّع حالياً بفائض من العقلانيّة. والدليل إعادة انتخاب السيّدة زوين بعد النجاح المنقطع النظير الذي حقّقته في الندوة البرلمانية.
تعدّد سعادة النائبة شروطاً تعجيزيّة قبل التمكّن من إعطاء الفلسطينيين بعض حقوقهم، كأن «تتمكّن الدولة من دمج طوائف لبنان وملله ضمن كيان لبناني أوحد»، أي إلغاء الطائفية السياسية، و«أن ينال المسيحيّون في لبنان حقوقهم». لكنّ الشرط «الكيوت» (Cute) فعلاً، هو الأخير: «لا يجوز شرعنة أي حق من حقوق أي شعب في الدولة اللبنانية، والدولة اللبنانية غائبة وغير مكترثة لحقوق المرأة والطفل».
نستنتج من كلّ ذلك أنّ السيّدة زوين تحترم حقوق الإنسان، لكنّها تريد السير بالأمر تدريجاً: حقوق الدولة أوّلاً، حقوق المسيحيين ثانياً، حقوق المرأة ثالثاً، والطفل رابعاً... ثمّ نبحث في حقوق الفلسطينيّين.
والأمر منطقيّ حقاً. فما دمنا نتحدّث عن الإنسان وحقوقه، لا بدّ من تقسيم أبناء البشر إلى مراتبَ ودرجات قبل البحث في إعطائهم حقوقاً.
السيّدة زوين من حيث لا تدري أمينة على المفهوم الاستعماري لحقوق الإنسان. حقوق الدولة أوّلاً. حقوق البيض ثانياً. حقوق المرأة ثالثاً. ثمّ نبحث في ما نفعله بالمهاجرين والسود...
السيّدة زوين من حيث لا تدري أمينة على تمثيل دور الضحية التي تستمتع بوضعها ما دامت قادرة على اضطهاد غيرها. فزوين لا تبحث عن الدولة المدنية. تريد الاستمرار في لعبة الطوائف والنقّ المستمر من وضعها الأقلّوي، شرط تمكينها من اضطهاد الفلسطينيّين، وربّما ضرب «الخادمة».
السيّدة زوين ليست مجرّد نائبة. كانت تنطق أمس باسم مجموعة كبيرة من النوّاب ومن الناس الذين تمثّلهم. جلبيرت زوين... احفظوا هذا الاسم جيّداً. لبنان كلّه سيبدأ منذ اللحظة بترداد تنويعات على أقوالها.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 16 يونيو، 2010,3:04 م
62 عاماً أخرى

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٦ حزيران ٢٠١٠


انتظروا 62 عاماً، فلينتظروا 62 عاماً أخرى.
هكذا قرّر مجلس النوّاب اللبناني تأجيل البحث في منح فلسطينيّي لبنان بعض حقوقهم الإنسانيّة. فالإنسانيّة يمكنها أن تنتظر حتّى تثبت حكومة الوحدة الوطنية نجاحها. والوحدة بين الطوائف، كما هو معروف، لا يمكنها أن تستقيم ما لم توجَّه كراهيتنا نحو آخر ما. لقد فعلناها من قبل حين انتهت الحرب الأهليّة. يومها، ما كان للعفو العام أن يمرّ لو لم يقترن بالتوافق على عدم إجراء مصارحات ومصالحات. فالآخرون صنعوا لنا حروبنا. و«الآخرون» ليست إلا استعارة لما يسمّى عادةً بوقاحة مطلقة «الفلسطيني».
انتظروا 62 عاماً، فلينتظروا 62 عاماً أخرى.
وخلال الـ62 عاماً المقبلة، يمكننا أن نحرق المزيد من منازلهم، وندمّر أكثر من مخيّم، ونقترف أكثر من مجزرة. الخطيئة لم تحصل أمس. ما زلنا نجرجر خطايا الماضي التي تجدّدت في الحرب على مخيّم نهر البارد. تلك الحرب التي شهدت إجماعاً غير مسبوق في تمجيد العنف وتشريد اللاجئين والإمعان في إذلالهم. الخطيئة لم تحصل أمس. ما زلنا نجرجرها منذ أن رضخ الجميع لاعتبار المخيّم ساحة حرب، ومنذ أن صمت الجميع حين نُهبت منازل اللاجئين بعد توقّف إطلاق النار، ومنذ أن تواطأ الجميع على تأجيل إعادة الإعمار.
انتظروا 62 عاماً، فلينتظروا 62 عاماً أخرى.
الطاقم السياسي الذي لا يملك ما يقدّمه لشعبه أكثر من النهب في انتظار المزيد من قوانين تشريع النهب، والذي لا يملك أكثر من إثارة العصبيات الطائفية في انتظار المزيد من حروب الشوارع، يجد دائماً ما يقدّمه لشعبه: صحن حمّص عملاق مجبول بالكراهية. كراهية العمّال العرب. كراهية عاملات المنازل. كراهية الفقراء. كراهية المهمّشين...
حتّى وليد جنبلاط الذي حمل أمس بشجاعة مطالب الفلسطينيين إلى البرلمان، لم يتورّع عن استخدام منطق التخويف. كاد يصرخ: أعطوهم حقوقهم حتّى لا يتحوّلوا إلى أصوليّين! تماماً كذاك الإعلان التلفزيوني لإحدى الجمعيّات الخيريّة الداعية إلى معاملة عاملات المنازل برفق: أعطوهنّ حقوقهنّ حتّى يخدمنكم بشكل أفضل!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 15 يونيو، 2010,3:02 م
صحوة ضمير

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٥ حزيران ٢٠١٠


«هذه الخطوة إنما تنبع من قناعتي بأن أتحمّل ما يعود إليّ من مسؤولية في ما جرى، وهي نابعة أيضاً من إيماني والتزامي بتطوير وإنجاح خط تيّار المستقبل ومسار دولة الرئيس سعد الحريري، وهي أيضاً نداء لكل مسؤول في تيار المستقبل مهما يكن موقعه لاعتبار ما جرى على مستوى الوطن يحتّم علينا الإدراك أنّ هناك أخطاءً يجب معالجتها، على وجه السرعة، حتى لا نكون من النادمين حين لا ينفع الندم».
هكذا قرّر النائب أحمد فتفت إعلان وضع استقالته من تيار المستقبل بتصرّف رئيس الحكومة سعد الحريري، بعد النتائج الهزيلة التي حقّقها «المستقبل» في الانتخابات البلدية والانتخابات الفرعية في منطقة المنية ـــــ الضنية التي تُعَدّ أحد معاقله الحصينة. وقد ختم فتفت بيانه بالقول: «لم أبحث يوماً عن زعامة أو «ولاية»، وإنما فقط أن أكون على مستوى أي مسؤولية يوليني إيّاها مواطنيّ وتيار المستقبل».
يمكن القول إنّ استقالة فتفت جاءت في التوقيت الخطأ ومن الموقع الخطأ.
فالواقع أنّ من تنحصر همومه بأن يكون «على مستوى أي مسؤولية يوليني إيّاها مواطنيّ»، كان ينبغي أن يستقيل في 6 تشرين الأوّل 2006 من منصبه الوزاري. ففي ذلك التاريخ، ارتكبت جريمة في وضح النهار على خلفية قرار فتفت منع مخالفات قائمة في منطقة الرمل العالي بالقوّة، ومهما كلف الأمر. وإثر ذلك، قُتل الفتى حسن سويد وأصيب أربعة أشخاص آخرين بجراح بالغة، بينهم طفل لم يتجاوز عشر سنوات. لكنّ أحمد فتفت، وزير الداخليّة بالوكالة آنذاك، لم يدفعه إحساسه بالمسؤولية إلى الاستقالة.
مهلاً... هل قلنا 6 تشرين الأوّل 2006؟ الواقع أنّ استقالة السيّد أحمد فتفت تأخّرت أكثر من ذلك. فهي كانت واجبة حقيقةً في 10 آب 2006. في ذلك التاريخ، تحوّل 350 عنصراً من مجموعة عسكرية لبنانية تابعة لإمرة وزير الداخلية، إلى فصيل معتمد لتقديم الشاي للجنود الإسرائيليين الذين دخلوا إلى ثكنة مرجعيون خلال عدوان تموز 2006. لكنّ أحمد فتفت، وزير الداخليّة بالوكالة آنذاك، لم يدفعه إحساسه بالمسؤولية إلى الاستقالة.
الأخطاء بحق الوطن والمواطن لا تستدعي، على ما يبدو، وقفة مسؤولة مع الذات. أمّا الخطأ بحقّ أولياء الأمور، فتستفيق أمامه الضمائر.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
,3:00 م
مارادونا

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٤ حزيران ٢٠١٠


مساء السبت، شهد ملعب إيليس بارك الجنوب أفريقي مباراتين في الوقت نفسه. الأولى جرت داخل المستطيل الأخضر. أمّا الثانية، فدارت أحداثها على أطرافه. في الأولى، تنافس فريقان يتألّف كلّ منهما من أحد عشر لاعباً. أمّا في الثانية، فكان هناك فرد واحد يلعب وحده.
الكاميرا تنقّلت باستمرار بين المباراتين. فلا سحر الكرة عموماً، ولا سحر ليونيل ميسي خصوصاً، استطاعا أن يُنسيا الجمهور أنّ النجومية تقبع في مكان آخر. هناك، حيث يقف رجل مربوع القامة داخل بذلة رمادية لمّاعة يبدو فيها كطفل في ثياب أبيه.
هناك كان الرجل الذي أرخى ذقنه أخيراً، يتابع المباراة واقفاً، يلتقط الكرات التي تخرج من الملعب كمن يريد للّعب ألّا يتوقّف. يصلّي تارةً بسُبحته التي لم تغادر يده، ويشتم تارةً أخرى. اجتاز خط الملعب مرّة، وقفز فوق اللوحات الإعلانية مرةً أخرى. وكلّما استبدَل لاعباً، همّ بتقبيله وتربيت رأسه. فهو لا يرى في لاعبيه إلّا صورة عن نفسه. كأنّه في صراع مستمر مع لعنة العمر التي أخرجته من اللعبة. ألم يفعل مع ميسي تماماً كما فعل معه بيلاردو قبيل مونديال 1986؟ آنذاك، قام بيلاردو برحلة إلى أوروبا كي يسأل مارادونا عن بنية الفريق التي تناسبه. وبعد 14 عاماً، قام مارادونا بالرحلة نفسها ليطرح على ميسي السؤال نفسه.
لكنّ مارادونا ليس وحده من يتعاطى مع لاعبيه بعاطفة كبيرة. يبدو أنّ اللاعبين أيضاً يعاملونه بالطريقة نفسها. كأنّهم لا يريدون الفوز لأنفسهم وحسب، بل من أجل مارادونا أيضاً. بعد المباراة مع نيجيريا، قال فيرون إنّ مارادونا هو العقل المخطّط الذي يقف وراء الهدف الذي سجّلته الأرجنتين. فيرون الذي مرّر الكرة من ضربة ركنية لزميله هاينتزه الذي سجّل الهدف، قال: «دييغو حضّر الحركة، ونحن تمرّنّا عليها بضع ساعات». كأنّ ثمة إصراراً للقول إنّ مارادونا، لا مهاراتنا الفردية، هي التي تقف وراء الهدف.
سحر مارادونا لا يأتي من كونه بطلاً، بل من كونه واحداً من أولئك الأبطال الذين لا يخفون ضعفهم. بكى بسخاء أمام العالم كلّه حين خسر فريقه في نهائي 1990. طُرد من نهائيات 1994 لاتهامه بتعاطي المنشّطات. وكان على وشك الموت بسبب إدمان المخدّرات. وحين أنهى علاجه، أعلن ندمه أمام الملأ. وهو يعلم أنّ الناس سيسامحونه، تماماً كما سامحوه يوم سجّل هدفاً بيده، قبل أن يُتبِعه في المباراة نفسها بأجمل هدف في تاريخ كأس العالم. يومها، عنونت الصحف الأرجنتينيّة: «إنّها يد اللّه».
كثيرون شكّكوا وما زالوا يشكّكون في قدرات مارادونا كمدرّب. أمّا هو، فاكتفى بجملة واحدة: «أنا أعلم كيف أفوز بكأس العالم».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 9 يونيو، 2010,2:58 م
دون عبء مالي

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٩ حزيران ٢٠١٠


في خطوة تعكس سَهَر الحكومة على راحة المواطن، خاض وزير الإعلام طارق متري مفاوضات وصفها بالشاقّة مع كل الأطراف المعنيّة، من أجل تأمين مشاهدة اللبنانيّين لجميع مباريات كأس العالم. وفي تصريح لافت بمدلولاته، أعلن متري أنّ «همّنا أن نضمن أن يشاهد جميع اللبنانيّين بطولة العالم دون تحمّل أيّ عبء مالي».
والواقع أنّ ما من أحد يستطيع التقليل من شأن أهمية المونديال بالنسبة إلى الغالبية العظمى من اللبنانيين. والجميع يعرف أهمية كرة القدم بالنسبة إلى هذه الحكومة بالذات، وخصوصاً أنّ رئيسها وبعض أعضائها لم يجدوا وسيلة تقرّبهم من الناس إلا الانخراط في مباراة ودّية، سرعان ما ضاعت كلّ معانيها.
لكنّ الجديد في الأمر هو اهتمام الحكومة بشؤون الناس، وحرصها على تأمين مطالبهم الحيويّة دون تحميلهم «أي عبء مالي». فلنقم إذاً بتمرين بسيط، ونؤلّف بعض التنويعات على جملة متري المذكورة أعلاه.
ماذا لو أعلنت الحكومة مثلاً:
«همّنا أن يتمتّع جميع اللبنانيين بضمان صحي دون تحمّل أي عبء مالي»...
«همّنا أن يحصل جميع اللبنانيين على التعليم الأساسي والجامعي دون تحمّل أي عبء مالي»...
«همّنا أن ينعم جميع اللبنانيين بالأمن دون تحمّل أي عبء مالي»...
«همّنا أن يحصل جميع اللبنانيين على الكهرباء 24 على 24 دون تحمّل أي عبء مالي»...
«همّنا أن يحصل جميع اللبنانيين على مياه نظيفة تسيل من حنفيات منازلهم دون تحمّل أي عبء مالي»...
«همّنا أن يشاهد جميع اللبنانيين حدائق عامة في مدنهم دون تحمّل أي عبء مالي»...
«همّنا أن يتمتّع جميع اللبنانيين بتلفزيون لبنان متقدّم وممتع، تلفزيون الدولة وصوت الإجماع العابر للطوائف، دون تحمّل أي عبء مالي»...
وحين يقال «دون تحمّل أي عبء مالي»، يُقصَد من ذلك دون تحميل عامّة اللبنانيين أعباءً مالية إضافية لما يدفعونه أصلاً من رسوم وضرائب. وهذه ليست مطالب تعجيزيّة. إنّها الحدّ الأدنى الذي لا يمكن الدولةَ أن تبرّر وجودها من دون تأمينه، اللهمّ إلا إذا تحوّلت إلى جهاز بيد نادٍ لرجال الأعمال وحاشيتهم، يستخدمونه كي ينهبوا ما يرغبون في نهبه، فيما المواطنون مسمّرون على الشاشات يتابعون آخر مباريات المونديال.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 8 يونيو، 2010,2:57 م
تقييد وتحرير

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٨ حزيران ٢٠١٠


يبدو للوهلة الأولى أنّ ما تقوم به وزيرة المال ومَن وراءها، خارجٌ عن إطار المعقول. فالدين العام وصل إلى قرابة 60 مليار دولار، ووزيرة المال تفتعل المشاكل كي تحصل على حق مطلق بمزيد من الاستدانة بلا سقف ولا حدود! وتوصف المحاولات للحدّ من هذا الإفراط بالاستدانة بأنها «تقييد» لمعالي الوزيرة.
لكنّ التعمّق قليلاً في المسألة يكشف منطق وزارة المال. فالذي يعاني التقييد ليس الوزيرة أساساً، بل حلقة من المستفيدين الذين يدور معظمهم في فلك التيّار الذي انتدب السيّدة ريّا الحسن على رأس الوزارة. فالمئة ليرة التي تستدينها الدولة اليوم، تحصل عليها من المصارف وكبار المودعين الذين يشترون سندات الخزينة. وفي المقابل، يحصل هؤلاء على فائدة دوريّة لا تلبث أن تتجدّد. وبعد فترة قصيرة، تصبح المئة ليرة في يد أصحاب رؤوس الأموال مئتين أو أكثر. بكلام آخر، إنّ من يطالب بالحدّ من الاستدانة، يقفل باباً للرزق. وكما يقول المثل الشعبي، قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.
وفي الواقع، ليس قطع الأرزاق هواية لأحد. لكنّ للدين العام وجهاً آخر. فلا بدّ أن يسأل المرء من أين تأتي هذه الفوائد التي تتكدّس كي تصبح المئة ليرة، بسحر ساحر، مئتين أو أكثر؟ هنا، لا بدّ للعودة إلى ما يسمّى «المواطن العادي». هذا الفرد الذي ينهض باكراً ويملأ خزّان سيّارته بالبنزين ذات الثمن المرتفع اصطناعياً، ويسدّد فاتورة الخلوي التي يتكوّن ثلثاها من الضرائب والرسوم، قبل أن يلمح في أسفل كلّ فاتورة يدفعها في المقهى أو في السوبرماركت رقم «10%» ضريبةً على القيمة المضافة.
بالطبع، ليس صدفة أن يكون المتحمّسون لمزيد من الديون هم أنفسهم المتحمّسين لرفع ضريبة الـTVA. فهؤلاء يعرفون أكثر من غيرهم أنّ ما سيضعونه في جيوب الأغنياء يجب أن ينهبوه من جيوب عامّة المواطنين. وإذا لم يُتَح لهم المجال لفعل ذلك، يسمّى ذلك «تقييداً».
ليس صدفة أيضاً أنّ المعترضين على «التقييد» هم أنفسهم الذين يرفعون شعار «التحرير». والمقصود بالتحرير هنا، بيع ممتلكات الدولة المدرّة للأرباح، كقطاع الاتصالات مثلاً، بالمزاد العلني. واحزروا من هو المشتري! إنّه صاحب المئة ليرة أعلاه نفسه. لقد وفّقه اللّه مرّتين، مرّة حين «دَوْبلت» ثروته، ومرّة حين استولى على قطاعات تحقّق له أرباحاً طائلة. وكما يقول مثل شعبي آخر، «المال بيجرّ المال».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 7 يونيو، 2010,2:55 م
ثلاث طبقات لمنع التغيير

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٧ حزيران ٢٠١٠


قليلة هي الفرص التي تُتاح أمام اللبنانيّين لإجراء تغيير على السياسات التي تدير شؤونهم المعيشية. فغالباً ما تعيش البلاد فترات تراخٍ واستسلام يصبح الهمّ الأساسي فيها عدم استئناف الطوائف حروبها الصغيرة. ومقابل الأمن، لا بأس بقبول الظلم وانعدام العدالة في توزيع الثروات وارتفاع معدّلات الاستغلال. وكرمى لعيون رؤوس الطوائف، إن قبلوا التعايش السلمي، تستمرّ طوابير الشباب على أبواب السفارات.
لكن، حين تتاح فرص نادرة للتغيير، لا يقف في وجهها حيتان المال مباشرةً. غالباً ما يبقى هؤلاء في الظلّ. وإن تولّوا مناصب سياسيّة، تراهم يغلّفون صفقاتهم بشعارات وطنيّة. هكذا تصبح «سوليدير» مثلاً مرادفاً لكرامة بيروت، أو يصبح إضراب طيّاري «الميدل إيست» طعنة في ظهر أجنحة الأرز، أو النهب المصرفيّ المنظّم أسطورة مؤسِّسة للكيان اللبناني.
خلف أولئك الحيتان، تقف طبقة أخرى تعمل في الكواليس. إنّهم «الخبراء» أو «المحاسبجيّة». هؤلاء مستفيدون حتماً من بقاء الأمور على ما هي عليه، لكنّهم مستفيدون بالواسطة، لا مباشرة. وظيفتهم إطلاق تعابير علميّة لطيفة على عمليّات النهب. وهم يردّدون ببغائياً ما كانت تتباهى به الألسنة المحيطة بأوغستو بينوشيه ومارغريت تاتشر ورونالد ريغان. ويتسلّحون بنماذج اقتصادية بالية رُوّج لها في غرف أبحاث سوداء أنشئت ومُوِّلت من أجل أن تلقى بلدان العالم الثالث كلّها مصيراً مشابهاً لتشيلي إبّان القبضة العسكرية. ولعلّ الضجّة التي أثيرت بشأن استقالة رئيس الهيئة المنظّمة للاتصالات، تحمل أكثر من دلالة رمزية على الحيّز الذي يحتلّه «الخبير» في نظام النهب عندنا. لكنّ المثال الأبرز يبقى فؤاد السنيورة الذي تمكّن من «الترقّي الطبقي»، والانتقال إلى صفوف الفريق الأوّل، تاركاً وراءه في مجلس الوزراء حفنة من «الخبراء» أو «المثقّفين» التابعين الذين يسيرون على خطاه، لعلّ وعسى.
أمّا الواجهة، فتحتلّها طبقة ثالثة. طبقة «المُعَربِشين» الذين نقلهم أسيادهم إلى حداثة النعمة. أولئك الذين تحوّلت ذكرياتهم عن الفقر حقداً على الفقراء. أولئك الذين «فعلوها» وباتوا من حاشية البلاط، فأحسّوا بأنّهم أصبحوا «فوق»، ويعملون جاهدين كي يبقى الآخرون «تحت». أولئك الذين يبيحون لأنفسهم إطلاق الشتيمة في مواجهة السعي النبيل لتوفير سبل العيش الكريم لعامّة المواطنين. أولئك الذين يحسبون أنّهم يطلقون النار على خصومهم، فلا يصيبون إلا ذواتهم. ذواتهم التي أضاعوها منذ زمن.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 3 يونيو، 2010,2:53 م
إيران في المتوسّط

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٣ حزيران ٢٠١٠


في تبريره الهجوم على أسطول الحرية واستمرار الحصار على غزّة، لم يكتفِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالحديث عن حركة «حماس» والخطر الذي تمثّله على دولة إسرائيل. قال إنّ حماس تهرّب آلاف الصواريخ إلى غزّة كي تطلقها باتجاه المدن الإسرائيلية. قال أيضاً إنّ لإسرائيل كلّ الحق في أن تمنع دخول هذه الأسلحة وتفتّش السفن التي تنقلها...
لكنّ نتنياهو ذهب أبعد من ذلك. فـ«حماس» و«الإرهاب» ما عادا يحتلّان عناوين أمر اليوم العالمي. ونتنياهو، في كلمته المتلفزة أمس، لم يكن يخاطب شعبه بقدر ما كان يخاطب «العالم المتحضّر» لإقناعه بأنّ ما قامت به إسرائيل هو جزء من وظيفتها في المنطقة، تلك الوظيفة التي حدّدها «العالم المتحضّر» نفسه.
ولمّا كانت إيران تمثّل كلمة السرّ العالميّة اليوم، كان لا بدّ من التركيز عليها. فالهجوم والحصار يهدفان إلى «منع إيران من إقامة ميناء على المتوسّط يبعد بضعة كيلومترات عن تل أبيب والقدس». وهذا لا يخدم إسرائيل وأمنها وحسب، بل إنّ «المجتمع الدولي لا يستطيع تحمّل ميناء إيراني على البحر الأبيض المتوسّط... بالقرب من إسرائيل، بالقرب من أوروبا». ويضيف نتنياهو: «البلدان نفسها التي تنتقدنا اليوم، عليها أن تعلم أنّها ستكون مستهدفة غداً».
نتنياهو، إذاً، لا يطلب من أوروبا أن تتفهّم حقّ إسرائيل بالدفاع عن نفسها بالطريقة التي تراها مناسبة، لكنّه يطلب من أوروبا أن تتركه يدافع عنها. أن تتركه، ببساطة، يقوم بعمله!
وإذا كانت أوروبا لا تعي حقاً الخطر الإيراني، فلا بأس من اللعب على وتر حساسية المسألة اليهودية لدى الأوروبيين. فوفقاً لرئيس الوزراء الإسرائيلي، إنّ السفينة التي ارتُكبت أعمال القتل عليها «لم تكن سفينة محبّة، بل سفينة كراهية»... فقد كان على متنها «أعضاء ينتمون إلى منظمة متطرّفة تدعم منظمة إرهابية تدعى حماس. وقد حملوا معهم سكاكين وأسلحة أخرى. وأنشدوا هتافات ضدّ اليهود».
ركّاب أسطول الحرية هم إذاً إرهابيّون، يعملون لمصلحة إيران، وفوق كلّ ذلك، معادون للساميّة.
بكلمة أخرى، إنّهم يجمعون المجد من أطرافه.
إذا كان هؤلاء لا يستحقّون القتل، فمن يستحقّه؟


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 2 يونيو، 2010,2:52 م
تركيّا بعد 100 عام

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢ حزيران ٢٠١٠


في عام 2023، تحتفل تركيا بالذكرى المئويّة الأولى لتأسيسها. المناسبة لن تمرّ مرور الكرام. ثمّة أهداف ورؤية ينبغي تحقيقها قبل بلوغ وريثة السلطنة العثمانيّة، عامها المئة. يلخّص وزير خارجيّتها، أحمد داوود أوغلو، جدول أعماله للعقد المقبل: الاندماج في المنطقة عبر مزيد من التعاون الأمني والاقتصادي... أداء دور فاعل في حلّ النزاعات الإقليمية... وأن تصبح تركيا واحدة من أكبر عشر اقتصادات في العالم... لكنّ أهمّ هذه الأهداف وأوّلها يبقى: استيفاء كلّ الشروط للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
لم تأتِ هذه الأهداف الطموحة من عالم التمنّيات وحسب، بل من قراءة الواقع الإقليمي والدولي الذي يتيح لتركيا أداء أدوار جديدة. وقد لخّص داوود أوغلو هذه القراءة في نص نشره قبل حوالى عشرة أيّام موقع «فورن بوليسي» الإلكتروني، لمناسبة توقيع الاتفاق الثلاثي بين إيران، وتركيا، والبرازيل.
ومن الواضح، وفقاً لهذا النص، أنّ تركيا تراهن على الإدارة الأميركية الحالية، وترى في تطلّعها إلى نظام عالمي متعدّد الأطراف، فرصة أمام تركيا للمشاركة في إقامة نظام كهذا، تتشارك فيه دول عدّة مهمّات حلّ الأزمات والنزاعات. في الواقع، لا يتعلّق الأمر بفرصة وحسب، بل أيضاً بضغوط تمارَس على تركيا كي تنتهز هذه الفرصة. فالجميع، على ما يبدو، بات بحاجة إليها.
لقد أدركت تركيا منذ البداية أنّ أداء أدوار كهذه يفرض عليها تغيير صورتها السابقة، والخروج من المحاور كي تتمكّن من التوفيق بين تحالفاتها القائمة وأدوارها المستجدّة. ولعلّها استفادت من المناخ الشعبي المؤيّد لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، كي تدرج انعطافتها في سياق ديموقراطي يجمع بين مزاج المجتمع وتحوّلات السياسة الخارجية. لكنّ الأهمّ يبقى دائماً، كما يردّد داوود أوغلو، الارتياح التركي لتقارير الاتحاد الأوروبي التي تشير دائماً إلى التناغم بين السياسة الخارجية التركية وأهداف الاتحاد.
من أجل كلّ ذلك، ارتبط اسم أحمد داوود أوغلو بسياسة «صفر مشاكل». فإن كان من مبادئ ارتكزت عليها السياسة الخارجية التركية في الأعوام الأخيرة، فهي إنهاء المشاكل مع الجيران، واعتماد سياسة متعدّدة الأبعاد، توسّع مروحة علاقات تركيا باللاعبين الآخرين على قاعدة التكامل لا التعارض.
خطاب رجب طيّب أردوغان الذي ألهب جماهير العالم العربي، أمس، ينبغي ألا يُقرَأ كتغيير في السياسة التركية تجاه إسرائيل، بقدر ما هو تعبير عن المأزق الذي وصلت إليه القيادة الإسرائيلية الحالية، الممثّلة بالثلاثي نتنياهو ـــــ ليبرمان ـــــ باراك.
«يجب ألا يكون هناك اختيار بين تركيا وإسرائيل. يجب أن يكون الخيار بين الخطأ والصواب». هكذا خاطب داوود أوغلو نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون أمس. ولعلّه، بهذه العبارة، خاطب نفسه أيضاً.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 1 يونيو، 2010,2:49 م
آسفون... ولكن!

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١ حزيران ٢٠١٠


«أسطول الكراهية والعنف يدعم منظّمة حماس الإرهابية، وهو يمثّل استفزازاً فظيعاً لإسرائيل»... «المنظّمون معروفون بارتباطهم بالجهاد العالمي والقاعدة وحماس. لديهم تاريخ في تهريب الأسلحة والإرهاب القاتل»... «على متن السفينة وجدنا أسلحة أُعدّت مسبقاً واستخدمت ضدّ قوّاتنا. المنظّمون كانت نيّتهم عنيفة، ووسائلهم عنيفة، والنتيجة جاءت مع الأسف عنيفة»...
هذه مقتطفات من تعليقات لداني أيالون، نائب وزير الخارجيّة الإسرائيلي، إثر الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية المتّجه إلى غزّة.
أمّا وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، فأسف للخسائر في الأرواح، لكنّه أضاف إنّ الأسطول كان استفزازاً مدعوماً من متطرّفين يدعمون منظمة إرهابية.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أسف لسقوط قتلى، لكنّه أكد أنّ الجنود الإسرائيليين «اضطروا إلى الدفاع عن أنفسهم». وأضاف نتنياهو إنّ الناشطين على متن السفن «تعمّدوا مهاجمة الجنود، وتعرّض هؤلاء للضرب بالعصيّ وطعنوا بالسكاكين. حتى إن البعض أطلق عيارات نارية، واضطر جنودنا إلى الدفاع عن أنفسهم حماية لحياتهم».
إذاً، تفاوتت المفردات التي استخدمها المسؤولون الإسرائيليون في وصفهم لطاقم السفينة. لكنّهم أجمعوا على اعتبار الركاب إرهابيين، أو متعاونين مع الإرهاب، أو مؤيّدين له. وهذا ليس صدفة.
فحين يأسف المسؤولون الإسرائيليون، ويضيفون إلى أسفهم عبارة تبدأ بـ«ولكن...»، إنّما يحاولون تذكير العالم بأنّ الذين أريقت دماؤهم ليسوا بشراً تماماً. إنّهم من أولئك الصنف الذي اعتادت إسرائيل (والمجتمع الدولي) وصفه بالإرهابي، لكونه لا يؤمن بالقيم «البيضاء» نفسها. ولنتذكّر أنّ الجريمة لا تكون جريمة حقاً، ما لم تُرتكَب ضدّ «شريك في الإنسانية».
هذه الشراكة أُخرج منها باكراً كلّ من يدعم حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه، وكلّ من أدان حصار غزّة. فمَن لا يذكر كيف اجتمع ممثّلو الإنسانية على مائدة العشاء مع إيهود أولمرت ليباركوا له بانتهاء الحرب على غزّة، وكيف صفّق ممثّلو الإنسانية للقذائف الإسرائيلية حين كانت تنهال على المواطنين في لبنان؟ بعضهم صفّق، وبعضهم قدّم الذخيرة، وبعضهم سمح بنقلها. وحين كنّا نُقتَل هنا، كان يقال في العالم الأوّل: إنّه مخاض الشرق الأوسط الجديد.
الألم يؤلم دائماً. لكنّه لا يكفي لسماع أصوات المتألّمين.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments