الأربعاء، 28 أبريل، 2010,12:06 م
في تقبيح البلديّات

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٨ نيسان ٢٠١٠


بدأت ترتفع الأصوات متبرّمةً من الانقسامات التي تشهدها القرى والبلدات اللبنانية. ففي الانتخابات البلديّة، تسقط الشعارات السياسيّة الكبرى، ويبدأ الصراع داخل ما يسمّى احتقاراً، الزواريب. الانقسامات الطاغية اليوم لا تلائم صورة اللبناني عن نفسه. ثمّة طغيان للعصبيّات العائليّة، وولع بالوجاهة، وشجارات على اسم شارع لم يصل إليه الزفت بعد. انتقل الحديث فجأة من الخطر النووي الإيراني والمشروع الأميركي في الشرق الأوسط إلى سجال على أيّ من العائلات أشدّ عراقةً في القرية، وأحقّ تالياً برئاسة البلدية. وبدلاً من الاستشهاد بآخر التحاليل السياسية، تُفتح ملفّات العمادات والأعراس والتعازي.
يجري النقّ كلّ يوم من طغيان هذه الصغائر على الفضاء العام. وإضافة إلى كمّ من المقالات الناقمة على ضيق الأفق هذا، لخّص وليد جنبلاط الموقف برسالة ساخرة امتنع فيها عن الإدلاء بموقف أسبوعيّ إلى جريدة «الأنباء» بسبب ما سمّاه «المعارك التاريخية» الدائرة في البلديات، وأعلن أنّه عاكف حالياً على قراءة ابن خلدون لفهم أسباب التخلّف عن الدول المتحضّرة. كأنّما البيك يرفض الإدلاء بجواهره وسط انشغال العامّة بالترّهات.
ولم يخطر في باله طبعاً الربط بين جواهره السابقة وهذه الترّهات. فالزعيم لا يكتفي بتوفير الظروف الملائمة لاستمرار العصبيّات وتوالدها، إلا أنّه ـــــ على ما يبدو ـــــ يستمتع في أوقات فراغه بالتفرّج على تلك العصبيّات والسخرية منها. فهي حقيقةً لا تليق بزعيم متنوّر.
والتفرّج على الحقيقة عاريةً مؤلم حقاً. لكنّه لا يمكن أن يقود إلى الاستعلاء أو التعاطف. فمن يمارس الحرتقات البلديّة اليوم هو نفسه الجمهور الذي نزل إلى الساحات في 8 و14 آذار. وهو نفسه الذي استجاب للتعبئة الطائفية العامة يوم دقّ الزعماء المتنوّرون النفير. لكن لا أحد رفع الصوت وقتها ضدّ العصبيّات أو التخلّف. بل اهتمّ الجميع بتوفير الغطاء الأيديولوجي لذاك الاستنفار. إنّه الاستقلال الثاني. لبنان الجديد. حرية، سيادة، استقلال... وفي الوقت نفسه، كان المقلب الآخر يهتف: إنّها الحرب على الاستعمار. إنّها الحرب على الفساد.
لم يقلق جنبلاط وغيره من السياسيّين والمحلّلين حين كانوا يجدون قناةً يصرّفون فيها تلك الصغائر. كانت العائليّة نعمةً حين تنبري لتجنيد الآلاف للنزول إلى ساحات الوغى. المتضايقون من العائليّة اليوم هم متضايقون حقاً من عدم القدرة على استغلالها سياسياً أو عقائدياً.
لقد ذهب السَّحَرة إلى الجحيم، وبقي السحر وحده يبيع الأوهام على الطرقات.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 27 أبريل، 2010,12:03 م
الجوقة والأُلعُبان

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢٧ نيسان ٢٠١٠


لكلّ مرحلة أُلعبانُها الفصيح، وخصوصاً حين يكون أصحاب الشأن من غير القادرين على النطق. فاللغة ليست ممّا حسبوا أنّه يدخل حيّز الإفادة. ثمّة عسكريّون وأمنيّون يجدون أنفسهم فجأة في السلطة. اللغة لم تكن جزءاً ممّا يعتدّون به، وهم الرجال الذين افتتنوا زمناً بإمكانياتهم العضليّة. ثمّة رجال أعمال يجلسون على كراسي الحكم. اللغة لا تسعفهم كثيراً في حسابات الصفقات. هؤلاء اعتادوا النوم مع الأرقام. الأرقام ذات الأصفار الكثيرة. هذان الصنفان يخترقان المعسكرات. لا يسار ولا يمين. لا 8 ولا 14. لا تقدّم ولا تخلّف. على جميع الجبهات، باتت القدرة على الكلام العاديّ ممّا يصعب العثور عليه.
في ظروف كهذه، ينفش الألعبان ريشه. فهو الذي يتمكّن من صياغة عشر جُمل في دقيقة واحدة. وهو الثابت على مواقفه، لكن المستعدّ لتسلّم أيّ وظيفة قذرة يُكلَّف بها. كذبٌ على الريق. تشهيرٌُ عند الظهر. وتحريضٌ في المساء.
الألعبان لا يعمل وحيداً. إنّه الكشّاف الذي يتلقّى الأوامر، فيقود جوقة من الببغاوات الذين يردّدون شعاراته وأقاويله. ببغاوات بربطات عنق، وأحياناً بنمر زرقاء. تحوّلوا جميعاً إلى أزرار يضغطها الألعبان ليسمع تنويعات على جمله الموسيقيّة.
ماذا لو سمعنا اليوم مثلاً شتيمة للوزير شربل نحاس على لسان الزر الرقم 1؟ الصوت ممتاز، لكنّ الصياغة غير موفّقة. فلنضغط الزر الرقم 2. الصياغة أفضل، لكنّ الببغاء مبحوح. الزر الرقم 3. ببغاء تحت الدوش. الزر الرقم 4. إنّه الأفضل. تنويعات ما كانت تخطر في البال. نقلٌ أمين للمعلومات الكاذبة. تشويه متقن للحقائق. سيترقّى هذا الببغاء. سيخرج من القفص إلى القنّ. الألعبان نفسه سيوقّع ورقة الترقية، ويرفعها إلى السيّد صاحب اللسان الثقيل.
السيّد ضاق خلقه فعلاً. فهو لا يتحمّل التدقيق في تفاصيل كلّ ما يطرح على جدول أعمال مجلس الوزراء. ولا يريد أن يسمع اعتراضات على الرواتب الخياليّة لأدعياء الخبرة. ولا يهمّه النقاش في جدوى الخصخصة. ولا يرغب في فضح ثغر الموازنة والمشاريع المشبوهة. والإنترنت في قصره «ماشي وعال»، فمن أين جاء الفايبر أوبتيكس؟
هيّا أيّها الألعبان. شغِّل لسانك. أيقظ الجوقة. أمامكم نهار عمل طويل.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 21 أبريل، 2010,12:01 م
إنمــاء

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢١ نيسان ٢٠١٠


ليس واضحاً بالضبط ما المقصود بكلمة «إنماء». فهي ليست «النموّ»، أي إنتاج مزيد من السلع والخدمات المعدّة للعرض في الأسواق، وهي ليست التنمية، أي تحسين المستوى المعيشي من دخل وتعليم واستشفاء... حتّى «مجلس الإنماء والإعمار» يحمل في اللغتين الفرنسية والإنكليزية اسم «مجلس التنمية والإعمار». ولسبب ما، أُسقطت كلمة «تنمية» واستُبدِلت بـ«إنماء».
الأرجح أنّ السلطات اللبنانيّة تؤثر استخدام مصطلح غامض لا يقيّدها بشيء، للدلالة على النيّة الطيّبة أو توفير ظروف ملائمة لزيادة الخير عموماً. هكذا يصبح «الإنماء» هدفاً من أهداف الحكومات المتعاقبة، ولازمةً تتكرّر في خُطب السياسيّين، وصولاً إلى رفعه شعاراً أوحد في الانتخابات البلديّة. فالبلديّات، على ما نسمع كلّ يوم، تُعنى بالإنماء ولا علاقة للسياسة بها. لا بل يستشيط بعض السياسيّين غضباً من إقحام السياسة في هذا الاستحقاق «الإنمائي». فوسط الإجماع على ضرورة إفراغ الانتخابات من معناها، ما كان يمكن إيجاد مصطلح أكثر ملاءمةً لعمليّة التفريغ هذه من الإنماء. فهو، على ما يبدو، يشمل كلّ ما تقوم به البلديّات من زيادة مساحات الباطون، وتوزيع مساعدات اجتماعيّة، وحتّى تعليق لافتات الترحيب بزوّار الأرياف...
أمّا في الواقع، فالمعركة ليست إنمائية. التنمية المحلية جزء أساسي من العمل البلدي. وهذه التنمية فعل سياسي بالدرجة الأولى. هل تذكرون الفكرة المجنونة التي راودت بلدية بيروت بإقفال حديقة الصنائع وتحويلها مرأباً للسيارات؟ القرار بإقفال حديقة تماماً كالقرار بإقفال مدرسة. إنّه قرار سياسي نابع من رؤية سياسية ويحتاج إلى حماية سياسية. الذين يغفلون دور السياسة في الانتخابات البلدية، إنّما يريدون إغفال إشراك الناس باتخاذ القرارات التي تخصّهم، وإرغامهم على العيش كما تريد لهم تحالفات فوقيّة تلغي الديموقراطيّة بحجّة «الإنماء».



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 20 أبريل، 2010,12:00 م
سحبٌ من التداول

خالد صاغية

الأخبارعدد الثلاثاء ٢٠ نيسان ٢٠١٠


يمكن القول إنّ اللبناني عامّة مشغول اليوم بأربع قضايا: الانتخابات البلديّة، الاستراتيجيّة الدفاعيّة وسلاح المقاومة، العلاقات اللبنانيّة ـــــ السوريّة والملف الاقتصادي الاجتماعي الذي يمثّل مشروع موازنة 2010 عنوانه الأخير. الغريب في الأمر أنه لا أحد من المسؤولين في البلاد يريد لهذا اللبناني أن يُشغل بأيّ من هذه القضايا.
ففي ملف الاستراتيجية الدفاعية، تكاثرت الدعوات أخيراً لسحب الملف من التداول، ما دام الأمر يُبحث على طاولة الحوار. لا بل إنّ ثمّة من هدّد بالانسحاب من طاولة الحوار إن استمرّ السجال الإعلامي بشأن السلاح. وثمّة من أراد إعادة توجيه هواجس اللبنانيين من السلاح إلى... المخدّرات!
وفي مشروع الموازنة، لم تعجب التعليقات القيّمين على ماليّة الدولة، فأُعلن بصرامة أنّ مجلس الوزراء وحده يمثّل الجهة الصالحة لمناقشة الموازنة واقتراح تعديلات عليها. وقد ترافقت الدعوات لترك الأمور لأصحاب الشأن مع محاولات لاستغباء المواطنين. فوزيرة المال ريّا الحسن التي تريد في مشروعها انتزاع توافق سياسي على الخصخصة تحت مسمّى «إشراك القطاع الخاص»، جاءها الدعم من الوزير عدنان القصّار الذي أعلن ببساطة أنّ «القطاع الخاص لا يبغي الربح، بل همّه مساعدة الدولة».
وبالنسبة إلى العلاقات مع سوريا، ثمّة من يذكّرنا يومياً بأنّ الرئيس سعد الحريري يعرف ما يفعله، وأنّه لا أحد يستطيع المزايدة عليه. وفيما عاد زعماء الطوائف إلى عاداتهم القديمة في نسج تحالفاتهم الخاصّة مع سوريا، لا يزال الحريري ينتظر موعداً، ويوفد من حين إلى آخر وفوداً فولكلوريّة إلى دمشق.
أمّا الانتخابات البلدية، فكاد الجميع يرفع راية التوافق فيها، بما يعنيه ذلك من إلغاء عمليّ للانتخابات، ولصوت الناس، بعدما جرى التآمر على الإصلاحات في القانون.
الخلاصة إذاً: باتت السجالات والنقاشات والتعليقات عبئاً على الأطراف السياسية الساعية إلى إعادة التموضع والحفاظ على الحدّ الأدنى من التوافق في ما بينها. وستكون لذلك انعكاسات شديدة السلبيّة على الفضاء العام.
ثمّة من يعيدنا إلى أوائل التسعينيات، مع فارق بسيط هو أنّه ما من جيش سوري أو استخبارات سورية في عنجر للتذرّع بها. القمع من الآن فصاعداً سيكون قمعاً وطنياً خالصاً. قمع باسم المصلحة الوطنيّة العليا. قمع لا يتوسّل القوّة وحدها، ولعلّ هذا أخطر ما فيه.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 19 أبريل، 2010,11:59 ص
للأزمة أمّ وأب

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٩ نيسان ٢٠١٠


لا يزال العالم يعيش في قلب الأزمة المالية. ويبدو أنّ محاولات محو آثار الجريمة لم تعد تنطلي على الجميع. فالأزمة لم تأتِ نتيجة كارثة طبيعيّة، أو قانونٍ علميّ، أو طبيعة إنسانيّة.
مصرف غولدمان ساكس العريق يواجه اليوم تهمة خداع زبائنه. لقد أخفى عنهم معلومات، على ما يبدو، وباعهم أسهماً لم يكن واضحاً ارتباطها بالرهون العقاريّة التي أدّت إلى الأزمة المالية العالمية. الفضيحة، كما يرى المحلّلون، ستهزّ مصارف أخرى. فغولدمان ساكس لم يكن وحده في الميدان.
وتأتي هذه الاتّهامات لتضاف إلى تهمة علاقات المصرف المشبوهة بالحكومة اليونانية، التي أدّت إلى تفاقم مشكلة الدين العام في اليونان.
لكنّ فضائح غولدمان ساكس غير مرتبطة بما قبل الأزمة وحسب، بل تمتدّ إلى ما بعدها. إذ اتهم المصرف باعتماد المحسوبيات في إنقاذ مجموعة التأمين «إيه آي جي»، «لاهفاً» بذلك نحو 13 مليار دولار من أصل 52 ملياراً من الأموال العامّة التي خُصِّصت لتجنيب «إيه آي جي» الإفلاس. أضف إلى ذلك محاولة المصرف نفسه عدم خفض مكافآت موظّفيه بعد الأزمة المالية، لا بل زيادتها.
قضيّة غولدمان ساكس معبّرة في أكثر من اتّجاه. فهي، أوّلاً، تؤكّد كيف أنّ الأزمات في نظامنا الاقتصادي هي مجرّد مناسبات للحيتان الكبرى كي تبتلع ما لم تتمكّن من ابتلاعه قبل الأزمة. هكذا يمكن القول إنّ الأزمة المالية أتاحت لغولدمان ساكس وسواه من المصارف الكبرى الاستحواذ على أموال عامّة دفعها المواطنون كضرائب، في عمليّات مشبوهة لم تكن متاحة من قبل (إنقاذ «إيه آي جي» نموذجاً).
والقضيّة، ثانياً، تؤكّد أنّ الأزمة لم تمثّل نهاية لمشروع النيوليبراليّة القائم على توزيع الدخل من الأقلّ ثراءً إلى الأكثر ثراءً، بل باتت دفعاً لهذا المشروع إلى حدوده القصوى. فصفقة الفساد التي يواجَه بها غولدمان ساكس، حقّق بموجبها ملايين الدولارات التي يوجد من خسرها على الطرف الآخر من المعادلة. وكذلك ما جناه في عملية «إيه آي جي»، يوجد من خسره على الضفّة الأخرى. الفارق أنّ الصفقة الثانية أتاحت النهب على مستوى لم يكن متاحاً من قبل.
لكن، يبقى الأهمّ أنّ ثمّة اقتناعاً بدأت تكبر مساحته، هو أنّ الأزمة الماليّة لها أمّ وأب، ولها ضحاياها أيضاً. وهي في ذلك لا تختلف عن فضيحة الدين العام في اليونان أو لبنان، حيث الأم والأب معروفان. يبقى أن يشار إليهما بالأصابع، بأصابع ضحاياها تحديداً.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 7 أبريل، 2010,11:55 ص
بين أحمد فتفت وفاديا الشرّاقة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٧ نيسان ٢٠١٠


يعاني لبنان إجمالاً مشكلة نصّ. ليست مطبوعاته وحدها في المأزق، لكنّ فنّانيه وسياسيّيه غارقون في المغطس أيضاً. ثمّة مثلاً محاولات موسيقيّة حديثة. لكن عندما يقترن لحنها بكلام، تخسر قيمتها فوراً. فالتجديد الموسيقيّ، على قلّته، يصطدم دائماً بعقبة النص. ثمّة محاولات مسرحيّة أيضاً، لكن سرعان ما يسقطها نصّها في البلادة والتكرار أو الخطابيّة المباشرة. لذلك، بدا اقتحام الروائيّة هدى بركات للمسرح في «فيفا لا ديفا»، أشبه بنسيم يعيد الروح إلى الخشبة.
في التلفزيون، أفرز الإقبال على البرامج الفكاهية ظاهرة جديدة. فما إن يلقى ممثّل نجاحاً شعبيّاً في أدائه شخصيّة ما، حتّى تبدأ تلك الشخصيّة الظهور في برنامج مستقلّ. هكذا بات لفاديا الشرّاقة عرضها الخاص، وكذلك احتلّ صبري البلاتو لفترة محدودة، ولناتالو برنامجها، فضلاً عن كافيه أبو رياض... حتّى أبو العبد البيروتي خرج من برامج النكات ليستقلّ بحلقات خاصّة. ورغم الطلب على الكوميديا، سرعان ما وقعت هذه البرامج في شرك النص، ففقدت الشخصيّات المحبّبة بريقها أمام البياخة المفرِطة.
في السياسة، يعاني المعترضون على شبه الاستقرار القائم من المأزق نفسه. النيّة صادقة في بعض الأحيان. لكنّ المفردات تخون أصحابها دائماً. ولعلّ الأكثر ابتذالاً بين المعترضين، هم أولئك الذين ما زالوا يدينون بولائهم وبمراكزهم للزعيم الأوحد، لكنّهم يتمسّكون بالصورة التي رسموها لأنفسهم خلال «انتفاضة الاستقلال» وما بعدها، كثوّار يخوضون معركة السيادة. لقد صدّقوا تلك الصورة، فوقعوا ضحيّتها. حتّى إنّ أحدهم لم يتورّع سابقاً عن تشبيه فندق الفينيسيا بجبال الصوّان، فيما كان زميله يسعى إلى استبدال عيد المقاومة والتحرير بذكرى موقعة مرجعيون.
أولئك المعترضون الموالون للزعيم هم أشبه بالممثّلين الذين فشلوا في إعداد برامجهم الخاصّة. مأساة أحمد فتفت وزملائه هي نفسها مأساة فاديا الشرّاقة. إنّها مأساة النص. «ما بيصحّ إلا الصحيح»... و«التاريخ لا يرحم»... و«الويل لأمّة»... لا يمكنها أن تشكّل لغة سياسيّة. رزق اللّه على زمن التهديد بالفتنة.
لقد وجدت ناتالو الحلّ. سرعان ما أدركت خطأها، فتخلّصت من صورتها القديمة. الآخرون ما زالوا عالقين في الفخاخ التي نصبوها لأنفسهم. والتلفزيونات اللاهثة هذه الأيام وراء كلّ ما يُضحك اللبنانيين ويَضحك عليهم، تفتح لهم الهواء ليتنقّلوا من فشل إلى فشل.



 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 6 أبريل، 2010,3:19 م
استباحة علنيّة

خالد صاغية
الأخبار عدد الثلاثاء ٦ نيسان ٢٠١٠
مشهد أوّل: الطريق من طرابلس إلى عكار مليئة بشعارات التأييد للّواء أشرف ريفي. واللواء، كما هو معروف، موظّف في الدولة (لا في الطائفة) برتبة المدير العام لقوى الأمن الداخلي.
يمكن فهم حملة التضامن معه. ما لا يمكن فهمه، إلا من زاوية استباحة الطوائف للفضاء العام، أن تصرّح إحدى لافتات التأييد بأنّ كرامة اللّواء ريفي هي من كرامة الطائفة السنّية. وإذا أضفنا إلى ذلك أن اللافتات كلّها تحمل تصميماً «فنّياً» واحداً، عرفنا أنّها ليست حملة عفوية قامت بها «الجماهير»، بل حملة منظّمة. ولا عيب في ذلك. العيب ألا يكون اللواء على علم بتلك الحملة، فلم يرَ اللافتة المذكورة أعلاه. العيب الآخر أن يكون قد رآها، أو أُخبِر عنها، وتُركت مكانها.
مشهد ثانٍ: الوزير السابق وئام وهاب، في مقابلة تلفزيونيّة أخيرة، يقول تعليقاً على دعوى قضائية مرفوعة ضدّه، إنّه لا يمثُل أمام أحد. طبعاً، إنّها لهجة التحدّي التي اعتادها اللبنانيون. ما ليس اعتيادياً هو أن يرى الوزير السابق أو أيّ زعيم سياسي أنّه يملك ما يشبه الحصانة «لأنّه يمثّل جزءاً من طائفة»، كما قال وهاب. فإذا كانت نهاية الحرب الأهلية قد حملت معها قانون العفو العام الذي منع محاكمة أمراء الحرب والطوائف، يبدو أنّ المرحلة الحالية تعطي حصانة لأي زعيم طائفة أو ممثّل لجزء من طائفة!
مشهد ثالث: جبهة الحرية، برئاسة القائد السابق للقوّات اللبنانية فؤاد أبي ناضر، رفعت شعاراً يزيّن بلا خجل بعض الطرقات: «المسيحي بيستحق مشروع واضح». هكذا، باتت الأحزاب عندنا تؤلَّف وتعمل وتخاطب طائفة بعينها، وتطالب بمشروع للطائفة، وليس حتّى بمشروع للبلاد تحمله الطائفة.
المشاهد الثلاثة ليست من متن الحدث السياسي. لكنّها من ذاك النوع الذي يساعد في فهم التحوّلات التي أصابت الجمهوريّة في مرحلة ما بعد 8 و14. ولعلّ أبرز سمات هذه الجمهوريّة توسّع رقعة الطوائف على حساب الدولة، أي الانتقام من المرحلة الممتدّة منذ انتهاء الحرب الأهليّة حتّى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. آنذاك، لم تنكفئ الطوائف طبعاً، لكنّها اكتفت بحصّة إلى جانب الدولة (وسوريا)، وأدّت دوراً مكمّلاً في بعض الأحيان، ومناقضاً في أحيانٍ أخرى. حُلَّت الميليشيات، أعيد بناء مؤسسات عامة، تبنّت الدولة وجهة اقتصادية مركزية، بقيت صناديق الطوائف وتوزيعاتها، مُنع المس بالأحوال الشخصية، احتُرم التوزيع الطائفي للوظائف...
الأسوأ أنّ هذا الانتقام يجري اليوم بعدما أثبت المشروعان الوحيدان اللذان عرفهما لبنان في المرحلة السابقة، أي الإعمار والمقاومة، أنّهما أعجز من فرض هيمنة كاملة على البلاد. الطوائف تسبح اليوم في فضائها الخاص. وجودها وقوّتها غير مرتبطين بمشروع يخصّ البلاد نفسها. بات على الدولة، في حال كهذه، أن تبحث هي عن دور لها. دور يتجاوز إدارة الحوار بين الطوائف وأمرائها.
 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments