الخميس، 25 فبراير، 2010,11:26 ص
سبع درجات

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٢٥ شباط ٢٠١٠


«عدّوا معي: من الجنوب أتوا 62 ثانوية من أصل 62، ومن الشمال أتوا 69 ثانوية من أصل 69، ومن الجبل أتوا 76 ثانوية من أصل 76، ومن البقاع أتوا 58 ثانوية من أصل 58، ومن بيروت أتوا إليها 25 ثانوية من أصل 25». هكذا هتف النقابي الذي لا يتعب، حنّا غريب، في اعتصام الأساتذة، أمس. عنوان التحرّك: «استعادة الموقع الوظيفي للأساتذة بإعطائهم سبع درجات». لكنّ الواقع أنّ الأساتذة، بمشهدهم الجميل وتضامنهم النقابي، قد حقّقوا سبع درجات من نوع آخر.
الدرجة الأولى: بعد تظاهرات الأعوام الخمس الماضية، إنّها المرّة الأولى التي لا تفوح فيها رائحة الطائفيّة من أيّ تحرّك شعبي. لم يهتف المنظّمون بأسماء الزعماء، ولا بأسماء مناطق يكنّون بها طوائفهم. هتفوا بأسماء الثانويّات. تلك المباني التي يُفترَض أن يخرج منها جيل لبنانيّ جديد.
الدرجة الثانية: يقدّم الأساتذة الحزبيّون داخل النقابة تجربة مناقضة للسائد. فلطالما سعت الأحزاب في لبنان لتسخير العمل النقابي خدمةً لأهداف سياسيّة مناقضة أحياناً لمصالح المنتسبين إلى النقابة. الأساتذة يقدّمون مزيجاً رائعاً من العمل الحزبيّ والنضال النقابي.
الدرجة الثالثة: يفتح تحرّك أمس كوّة في جدار اليأس من الواقع النقابي في لبنان. فرغم كلّ شيء، ما زالت هناك فئات لبنانيّة تُحرّكها مصالحها المهنيّة، لا عصبيّاتها الطائفيّة.
الدرجة الرابعة: يأتي تحرّك الأساتذة في زمن لم يستفق فيه العمل النقابي من صدمة الريغانيّة والليبراليّة الجديدة. ففي العالم، كما في لبنان، استخدمت السلطة كلّ حِيلها لضرب النقابات. ثمّة بؤر بدأت بالتحرّك بعد الأزمة العالميّة الأخيرة. لا تزال بؤراً صغيرة، لكنّ أحلامها ما زالت تهزّ العالم.
الدرجة الخامسة: استطاعت الأعوام الأخيرة تغييب أي نقاش اجتماعي ـــــ اقتصادي. هيمَن على المشهد عنوان أو عنوانان سياسيّان جُرّ اللبنانيّون وراءهما. أعاد الأساتذة وضع الملفّ المعيشي على الطاولة.
الدرجة السادسة: اعتاد اللبنانيّون الإعالة. الدول تدفع. الزعيم يدفع. والشعب يأكل الفتات. أمس، أعيد الاعتبار لمفهوم الحقّ. الأساتذة رفعوا قبضاتهم لا ليتسوّلوا، بل لينتزعوا حقوقهم من فم الحوت.
الدرجة السابعة: استعاد الأساتذة، أمس، الشارع. شوارع المدينة وساحاتها التي صودرت طويلاً. وهذا يكفي كي نحلم بمدينة تستحقّ اسمها.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 24 فبراير، 2010,8:08 ص
جمهوريّة الأحذية

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٤ شباط ٢٠١٠


«عاشت كردستان»، هتف الشاب وهو يلقي الحذاء على رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان في مدينة إشبيلية. فقد وصلت عدوى منتظر الزيدي إلى إسبانيا، لكنّها لم تصل إلى لبنان بعد. فهنا، لم يتحوّل الرشق بالحذاء تعبيراً سياسيّاً، رغم مهارة اللبنانيّين عموماً في محاكاة الآخرين. «الهالووين» بات عيداً وطنيّاً، وليس للأحذية من يلتفت إليها.
قد يُردّ ذلك إلى النفور من أيّ سلوك «غير حضاريّ». لكنّ الواقع هو غير ذلك. فنحن نرشق الأحذية، لكن ليس في وجه الحكّام والسلاطين. وأحذيتنا مصنوعة من الجلد الطائفيّ النادر. كثيرون عندنا حين يدلون بتصريحات، يظنّون أنّهم ينطقون. لكنّهم، في الواقع، لا يقومون إلا برشق الأحذية في وجه المواطنين.
أحد النوّاب رفض، أمس، إلغاء الطائفيّة السياسيّة، لكنّه طالب بالدولة المدنيّة. حذاء.
نائب آخر لم يبلغ الثامنة عشرة قبل زمن طويل، أراد، أمس، إحراج التيّار الوطني الحرّ. لكن، بدلاً من مساءلتهم عن موقفهم في مجلس النوّاب، عيّرهم بما قام به حلفاؤهم الذين صوّتوا «لصالح قانون يضرب بالعمق طائفة معينة»، قبل أن يضيف «إننا أمام تهديد حقيقي للمسيحيين في إقرار قانون سن الـ18». حذاء.
هذان نموذجان وحسب من الأحذية التي تسقط فوق رؤوسنا كلّما أدرنا جهاز التلفزيون. الغريب أنّه ما من أحد ينبّه هؤلاء النوّاب إلى ما يفعلونه. وهم لا ينتبهون، حتّى عندما يعودون إلى البيت، أنّ أزواجاً من الأحذية قد نفدت من الخزانة. كأنّ كلاً منهم قد حصل مع اللوحة الزرقاء لسيّارته، على «بونات» لشراء الأحذية، أو على معمل أحذية خاص بالتصريحات الرسميّة. حذاء لمجلس النوّاب. وحذاء لمجلس الوزراء. وحذاء للطلعات المباشرة على الهواء.
سيأتي يوم ينهض فيه اللبنانيّون من النوم، والورم يعلو جباههم. فخلال سباتهم العميق، لا بدّ أنّ أكثر من تصريح قد تردّد على الهواء، ولم يتمكّنوا من تفادي الأحذية المتطايرة.
لكنّ الورم يبقى أقلّ ضرراً من الموت. ألف حرب أحذية، ولا كلاشنيكوف واحد. تكلّموا حتّى طلوع الفجر. ارشقوا الصنادل والكنادر والشحّاطات إن شئتم. البلاد كلّها معلّقة بانتظار سؤال واحد: متى يذهب وليد جنبلاط إلى دمشق؟
عاشت جمهوريّة الأحذية.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 23 فبراير، 2010,8:09 ص
الرجل الخائب

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢٣ شباط ٢٠١٠


وقف الرجل أمام المرآة. نظر إلى نفسه جيّداً قبل أن يرتشف القهوة. ما زال يشعر بصدمة النهار. هل كان ما فعله صائباً حقّاً؟ في داخله، يشعر بالإهانة الشخصيّة. لم يكن الأمر كذلك عند الصباح. حين ارتدى ربطة العنق وحمل حقيبته ومشى، كان يشعر أنّه رجل محترم، له كلمته التي لا يتراجع عنها بسهولة، وله موقفه الحازم ممّا يعتبره شأناً عامّاً. لقد تعب كثيراً حتّى وصل إلى ما هو عليه، حتّى اكتسب احترامه لنفسه. وها هو يخسر الآن كلّ شيء.
لقد شاهده الناس على التلفزيون. شاهدوه حين رفع يده وقال: نعم. ثمّ فتحوا التلفزيون بعد حين، وشاهدوه بالبذلة الرسمية نفسها، يرفع يده ويقول: لا. المكان نفسه. الشهود أنفسهم. الموضوع نفسه.
سبق أن فعل الأمر ذاته من قبل. كان قد صدّق على أمر ثمّ صدّق على عكسه. لكن، آنذاك، كانت لديه حجّته. فالناس يتذكّرون جيّداً الضغط السوري، ويتذكّرون ما سمّيناه النظام الأمني المشترك. ويتذكّرون أيضاً اجتماعات «الترويكا» حين كان الرؤساء الثلاثة يلتقون قبل كلّ جلسة، ويتّفقون على كلّ شيء، ثمّ نأتي نحن ونبصم. لم يكن ذلك خروجاً على الدستور. كان مجرّد مراعاة لوضع غير طبيعيّ ارتضيناه بحجّة أنّه ضروري، وشرعي، ومؤقّت.
الناس أنفسهم غفروا لنا. ونحن لم نخجل من توقيع عريضة علنيّة أعلنّا فيها بعد خروج الجيش السوري من لبنان أنّنا كنّا أبناء قوم مضغوط عليهم. أمّا الآن، فحتّى سلاح المقاومة لا يمكننا التذرّع به. فها هم نوّاب حزب اللّه قد صوّتوا مع تعديل الدستور لخفض سنّ الاقتراع.
أوكي. امتنعت عن التصويت بدلاً من الاعتراض. لكنّ ذلك لا يكفي. كان ينبغي عليّ أن أكون أكثر جرأة، أن أطلع على الناس وأقول: أنا طائفيّ أعيش في بلد طائفيّ وأَنتخب وأُنتخَب بناءً على قانون طائفي. ولهذه الأسباب الطائفيّة التي لا علاقة لها بأيّ ضغط خارجيّ أو بأيّ أداة قمع داخليّة، أرفض منح أبناء الثامنة عشرة حقّ الاقتراع. فنحن في لبنان يحصي بعضنا بعضاً. ونفزع كثيراً حين نشعر أنّ طائفة تكبر وأخرى تصغر. من هنا، من مجلس النوّاب، أوافق على تعديل الدستور شرط توزيع حبوب منع الحمل على الطوائف الأخرى. فلبنان لا يطير إلا بجناحَيْه...
تذكّر الرجل أنّه لم يغسل أسنانه. وضع رأسه تحت المغسلة. وأحسّ أنّ مياه العالم كلّه لن تغسل خيبته.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 22 فبراير، 2010,8:10 ص
انقلاب على الديموقراطيّة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٢٢ شباط ٢٠١٠


اليوم، كما هو متوقّع، سيسقط في المجلس اقتراح خفض سنّ الاقتراع إلى 18 عاماً. سيسقط من دون مسوِّغات مقنعة. ثمّة حجج طائفيّة لا تقال علناً أحياناً، وتقال بفجاجة أحياناً أخرى. لكنّ الحجّة الأكثر طرافةً هي أنّ طلاب الجامعات يحتاجون إلى تثقيف قبل منحهم حقّ الاقتراع. وهذه خرافة أخرى من خرافات الطبقة الوسطى التي باتت تثقل المشهد السياسي اللبناني. فقبل التثقيف، جاء الولع بالوجه الحضاريّ، ثمّ إظهار مكافحة الهدر كأهمّ فعل نضاليّ، ثمّ تصنيم ما يسمّى الخبراء ونصائحهم المستمدّة من وصفات جاهزة أو من مصالح خاصّة لموظِّفيهم، من دون أن ننسى طبعاً حزام الأمان الذي لا يُقدَّم كوسيلة حماية بقدر ما يُسوَّق كبطاقة انتساب إلى فصيلة الشعوب الراقية...
إذاً، المطلوب التثقيف قبل الحصول على حقّ الاقتراع. لنضع جانباً مسألة أنّ العديد من الشباب لا ينتسبون أصلاً إلى جامعات، ويكتفون بالتعليم الثانوي أو ما دونه. وهذا ما يجعل التثقيف السياسي عمليّة محدودة التأثير، إذ لا تطاول مجمل المقترعين الجدد. لنضع جانباً أيضاً المستوى الثقافي للمرشّحين الذين يتبنّاهم الزعماء على لوائحهم. فإذا كان على المقترِع الحصول على شهادة في التثقيف السياسي، فما المطلوب من المرشَّح؟ دكتوراه في علم النفس الاجتماعي؟ دراسات معمّقة في الفلسفة السياسيّة؟ طبعاً ليس المستوى العلميّ هو ما يحدّد أهليّة المرشّح، لكن هل نظر الزعماء أوّلاً إلى النوّاب الذين حملوهم إلى المجلس قبل أن يطالبوا بتثقيف الشباب؟
ليس هذا جوهر المسألة. الأساس هو أنّ ما نشهده في رفض خفض سنّ الاقتراع يُعدّ انقلاباً على الديموقراطيّة. انقلاب على مكسب ناضلت شعوب بأكملها قروناً من أجل الحصول عليه. فليس سرّاً أنّ حقّ الاقتراع حين ظهر للمرّة الأولى، لم يُمنَح للشعب كلّه. اقتصر هذا الحقّ على «نخبة» ما. تطلّب الأمر الكثير من الدماء كي يحصل العامل على حق الاقتراع، وكي تحصل المرأة على حقّ الاقتراع، وكي يحصل المهمَّش على حق الاقتراع. والآن، بعد هذا كلّه، وفي 2010، يعاد طرح مسألة التثقيف، ويعطي الزعماء السياسيون أنفسهم حقّ تصنيف مَن يحقّ له اختيار ممثّليه السياسيّين ومن لا يحقّ له؟
ليس هذا انقلاباً على الديموقراطيّة وحسب، بل انقلاب على النفس أيضاً. فاستخدام «القصور» الثقافي أو «القصور» الحضاري كان دائماً حجّة المستعمِر لحجب حقّ الشعوب في تقرير المصير.
المؤسف حقاً أنّ من سيمتنع عن تأييد خفض سن الاقتراع اليوم هو نفسه مردِّد قولٍ شهير: «ويل لأمّة تضحّي بشبابها من أجل شيبها».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 19 فبراير، 2010,8:11 ص
إجماع على مريم

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ١٩ شباط ٢٠١٠


مبروك للّبنانيّين عيد البشارة. يوم عطلة وطنيّة جديد يضاف إلى سلسلة من الأعياد الدينيّة. واللبنانيّون ليسوا بحاجة إلى التقليل من أيّام العطل. لعلّ العكس هو الصحيح. فأيّام العمل هي التي تبعث على الحيرة، حيث لا شيء يعمله الذاهبون إلى عملهم، وسط هذه الطبيعة المعتدلة على ضفاف البحر الأبيض المتوسّط. وحيث البحر قريب من الجبل. وحيث اللبناني يحتاج إلى «ضرب» واحد في العمر كي ينتقل إلى «فوق».
للأمانة، كانت لنا في السابق محاولات للعمل، لكنّها توقّفت سريعاً.
ذات يوم، حلم بعض اللبنانيين بالزراعة. لكن سرعان ما اكتشفوا عبثيّة هذا العناء. فقابَ قوسين من الريف، ثمّة مؤسّسات أمنيّة تفتح ذراعيها لعضلات الشبّان، ونوّاب المناطق موجودون لوساطات من هذا النوع. اترك أرضك، أيّها المزارع، واتبعني.
ذات يوم أيضاً، حلم بعض اللبنانيين بالصناعة. لم نتعاطَ بإنتاج الطائرات، لكنّنا حاولنا مع ورق التواليت وصباغ الشعر وعلب الحمّص والمفروشات، وكان ماشي الحال. لكنّنا اكتشفنا، ببساطة، أنّ ثمّة من يعمل لأجلنا في هذا العالم، وأنّنا نستطيع أن نكتفي باستهلاك ما ينتجونه لنا ما وراء البحار.
ذات يوم أيضاً وأيضاً، كانت عندنا مصارف. لكنّها لم تشأ العمل كمصارف. وكانت عندنا فنادق. لكنّها لم تشأ العمل كفنادق.
وفي جميع الأحوال، وُفِّقنا منذ بداية التسعينيّات بسياسات قضت على أيّ أمل في الإنتاج. ومنذ ذلك الحين، ونحن نزيد العطل. ولمّا لم تكن لدينا مناسبات جامعة كافية، بدأنا بزيادة العطل الدينية. عيد للمسلمين وعيد للمسيحيين. كان ذلك قبل أن تتجسّد العبقريّة في ثلاثين وزيراً مجتمعين، قرّروا البحث عن عيد يوحّد المسلمين والمسيحيين. فوجدوها. إنّها مريم العذراء، وذكرى الحبل بلا دنس.
صحيح أنّ أصل هذا العيد مسيحيّ، لكنّ اللبنانيين المنقسمين مجمعون على «ستّنا مريم». وليعتبَر هذا العيد رشوة إضافية للمسيحيّين الشاعرين بالغبن. رشوة تضاف إلى عبارة «تربيح الجميلة» التي يزهو كلّما يردّدها فؤاد السنيورة: «في الطائف، وقّفنا العدّ». فها هو عدّاد القطعان متوقّف، فيما تضاء الشموع في عيد البشارة.
يوم حزين بالنسبة إلى جبران باسيل. يا ضيعان النضال في سبيل الجمعة العظيمة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 17 فبراير، 2010,5:32 م
هكذا تكلّم حسن

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٧ شباط ٢٠١٠


لقد دخلنا، أمس، بعد خطاب السيّد حسن نصر اللّه مرحلة جديدة في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي. مرحلة بدأت ملامحها تتكوّن منذ حرب تمّوز، وظهرت صورتها شبه مكتملة أمس. لا يتعلّق الأمر باستبدال الخوف والضعف بالشجاعة والقوّة وحسب، بل بالقدرة على جعل الحرب خطراً على إسرائيل نفسها. لقد تبدّلت معادلة الإزعاج مقابل الألم. معادلة الألم مقابل الموت. معادلة أن يقبع الإسرائيليّون في الملاجئ مقابل أن يخسر اللبنانيّون بيوتهم. أو، كما قال نصر اللّه، معادلة خدش جدار في تل أبيب مقابل تدمير مبنى في الضاحية.
يمكن الاستطراد والقول إنّه منذ عمليّة إطلاق سراح سمير القنطار، تغيّرت أيضاً معادلة ألف أسير عربيّ مقابل أسير إسرائيليّ. الأمر نفسه ينطبق على عمليّة الثأر لعماد مغنيّة، وتأكيد الأمين العام لحزب اللّه عدم القبول بالثأر عبر إصابة أهداف «متواضعة». المعادلة الجديدة تقضي بالآتي: القائد مقابل ما يوازنه.
وبالمعنى نفسه، وربّما عن قصد أو من دون قصد، ضرب نصر اللّه على وتر شديد الحساسيّة حين سمّى مطاريْ بيروت وتل أبيب باسميهما، وهما اللذان يحملان اسمَيْ رفيق الحريري ودايفيد بن غوريون. كأنّه لا يضع مطاراً مقابل مطار وحسب، بل يضع أيضاً رمزاً لبنانياً في مواجهة رمز إسرائيلي، وإن اختلفت درجات الإجماع على الرمزين.
قد يستنتج المرء من ذلك ابتعاد شبح الحرب الإسرائيليّة على لبنان، أو تحوّل هذه الحرب إلى حرب إقليميّة بعد كلام وزير الخارجيّة السوري وليد المعلّم، وبعد تأكيد نصر اللّه الحصول على أسلحة دقيقة. وقد يستنتج آخرون خيبة كلّ من كان لا يزال يراهن على فصل سوريا عن إيران، ثمّ استخدام دمشق للضغط على حزب اللّه.
لكنّ الكلام الاستراتيجيّ لم يكن هو المفصليّ أمس. كان ثمّة ما هو أبعد من ذلك.
معادلة نصر اللّه الجديدة ليست كسر التفوّق العسكري الإسرائيلي وحسب، ولا كسر العنجهيّة الإسرائيليّة وحسب، بل أيضاً، قبل كلّ شيء، كسر الانكسار اللبناني والانكسار العربي. هل تذكرون خطاب النصر في أيلول 2006؟ «لبنان دولة إقليمية عظمى»، هكذا تكلّم حسن نصر اللّه.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 16 فبراير، 2010,10:58 م
من أوكرانيا إلى إيران

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٦ شباط ٢٠١٠


حين انطلقت حركة 14 آذار للمرّة الأولى، استعار التيّار الوطني الحرّ اللون البرتقالي من «الثورة» الأوكرانيّة. سرعان ما خرج التيّار من الحركة، ولحق به بعد أربع سنوات ونيّف الحزب التقدّمي الاشتراكي. أمّا مَن بقي داخل 14 آذار، فاختار هذه المرّة لعق شعاراته السابقة، واختراع إضافة وحيدة هي استعارة شعار المعارضة الإيرانيّة: «أين صوتي؟». كأنّ اللبنانيّين، بإصرارهم على استيراد شعاراتهم، مقتنعون بأنّ حركاتهم السياسيّة مصطنعة. وحين استُدعيَتْ عبقريّة الدعاية اللبنانيّة، لم تفلح إلا في استنباط شعارات تقسيميّة تميّز بين اللبنانيّين وثقافتهم كما تميّز بين الحياة والموت.
والواقع أنّ رافعي شعار «أين صوتي؟» هم أنفسهم تائهون في معناه. فهو تارةً موجّه إلى «الفريق الآخر» الذي تصرّف، بحسبهم، كأنّه لم يخسر الانتخابات النيابية فحاول فرض شروطه، والأنكى من ذلك أنّه تمكّن من فرضها. وهو موجّه تارةً أخرى إلى قادة فريق 14 آذار نفسه، الذين خذلوا جمهورهم، وارتكبوا في السياسة عكس ما وعدوا به خلال الحملة الانتخابيّة. فلم يعد معروفاً مَن صادر حقوق أصحاب الأصوات الضائعة.
لكنّ الانتقال من محاكاة أوكرانيا إلى محاكاة إيران شديد الدلالة. فقبل خمسة أعوام، وُضعت انتفاضة الاستقلال في سياق عالميّ، سياق الثورات الملوّنة التي انطلقت في بلدان رضخت طويلاً لحكم غير ديموقراطي قبل أن يأتيها دعم المحافظين الجُدد وسياسة ادّعاء «نشر الديموقراطية» ولو بالقوّة. الاحتضان كان عالمياً. والزمن زمن حروب وانقلابات، من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق إلى العراق وأفغانستان. سَكِرَت الحركة بهذا الجوّ، وبدأت تكافح بقوّتها وقوّة غيرها، ولم يعد يكفيها استقلال لبنان، بل رفعت شعار «نهضة عربية جديدة». لم يكن الاختلاف السياسي مع 14 آذار وحده الذي يدعو إلى الوقوف ضدّها. فلعلّ احتكارها للوطنيّة وبناءها قصوراً مكلفة فوق الغيوم، كانا هما الأكثر خطورة.
الانتقال إلى الشعار الإيراني هو دليل انتهاء عصر التفاؤل. إنّه إدراك بأنّ حركة 14 آذار تتأرجح بين بلوغ سنّ التقاعد والعمل الطويل الأمد لإحداث تغييرات تدريجيّة. لكنّه أيضاً استمرار للخلط بين الواقع والخيال. فتماماً كما اكتشف الإيرانيون أنّ ندا، أيقونة تظاهرات المعارضة الإيرانيّة، ليست تماماً ندا، قد يكتشف اللبنانيّون ذات يوم أنّ ثورة الأرز لم تكن تماماً ثورة الأرز.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 15 فبراير، 2010,11:00 م
الفاتحة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٥ شباط ٢٠١٠


إذاً، قرّرت قوى 14 آذار أن تقيم احتفالاً ضخماً في ساحة «الحريّة للطوائف» في ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكنّها اختارت أن تفعل ذلك من دون جرح مشاعر سوريا، أي الدولة والنظام الوحيدَيْن اللذين اتّهمتْهما قوى 14 آذار سياسيّاً باغتيال الحريري، وكذلك من دون خرق أجواء الوحدة الوطنيّة مع الغائبين عن الذكرى.
لذلك يتساءل المرء عن المنطق السياسي لحشد عشرات الآلاف من المواطنين، من أجل خطاب بارد كالذي شهدته الساحة. خطاب لم يحدّ من مَلله اختراع عريف الاحتفال ألقاباً فضفاضة على المتحدّثين، فبات أمين الجميّل «حارس الجمهوريّة»، وسمير جعجع «سجين القضيّة»، فضلاً عن المفاخرة بأنّ فؤاد السنيورة تمكّن من محاصرة نصف الشعب اللبناني.
على المستوى السياسي، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
سوريا: تبارى المتحدّثون في التأكيد على ضرورة تحسين العلاقات معها. القوى التي دعت في مناسبات مماثلة إلى إسقاط النظام السوري، أكّدت على «أطيب العلاقات وأفضلها»، وعلى أنّ «استقرار لبنان من استقرار سوريا، والعكس صحيح أيضاً» (الجميّل). والسنيورة، بالمناسبة، يكنّ لسوريا «التقدير والاحترام». أمّا الحريري، فعلى ما يبدو، «شريك في رسم خارطة المصالحات العربيّة وإعدادها». أمّا الذي لم يشأ أن يمدح سوريا، فلم يرد اسمها على لسانه، إذ خلا خطاب سمير جعجع من أيّ ذكر لسوريا، سلباً أو إيجاباً.
14 آذار: تحدّث الجميّل والسنيورة كأنْ ما من حركة تدعى 14 آذار. وحين ذكرها الحريري، لم نفهم ماذا يقصد بها، وما عليها إنجازه، باستثناء كلام عام عن الوحدة الوطنيّة. وحده سمير جعجع خاطب «شعب 14 آذار» و«جماهير 14 آذار».
القرارات الدوليّة: مرة أخرى، وحده جعجع تحدّث عن التمسّك بالقرارات 425، 1559، 1680، و1701.
حزب الله والسلاح: فيما تحاشى الحريري الإشارة إلى سلاح حزب الله، اكتفى السنيورة برفض الاستخدام الداخلي للسلاح. وتولّى الجميّل وجعجع مهمّة التأكيد على «أن لا يكون على أرض لبنان أيّ سلاح غير سلاح الشرعيّة اللبنانيّة». وفيما رأى جعجع أنّ السلاح «هو ما قد يستجلب اعتداءات خارجية»، استفاق السنيورة على أنّ «عدوّنا الوحيد هو الكيان الصهيوني».
قال الجميّل أمس: «أيّ متغيّرات محلية أو إقليمية لا تغيّر لحظة في مسارنا الوطني». لكنّ الجمع المحتشد هناك، وخصوصاً الجمع الذي بقي في بيوته هذا العام، يعرف تماماً أنّ كلّ شيء قد تغيّر، وأنّ كلّ ما بقي شعارات مستهلكة عن العبور إلى الدولة. شعارات ربّما كان وليد جنبلاط أكثر من يدرك تهافتها. فقرأ الفاتحة. وعاد إلى البيت.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 12 فبراير، 2010,8:02 ص
يوم حزين للجامعات

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ١٢ شباط ٢٠١٠


ردود الفعل على مؤتمر «رئاسة الحكومة: إشكاليّات الموقع وآفاقه» الذي نظّمته الجامعة الأنطونيّة، خطيرة للغاية (راجع ص 6). فربّما كان الاقتباس الذي استخدمته نائبة رئيس الجامعة للشؤون الثقافية، باسكال لحود، لا يحظى بالإجماع. وربّما كان من الأجدى الإدلاء بآراء من هذا النوع خلال المناقشات، لا في سياق تقديم المؤتمر. لكنّ الواضح أنّ هذا ليس ما استدعى غضب بعض الحاضرين. الأساس هنا، الذي بات يتكرّر في أكثر من مناسبة، هو إلقاء الحُرم على كلّ من يجرؤ ويناقش وينتقد السياسات التي اتّبعها رئيس حكومة سابق يُدعى رفيق الحريري. المؤلم والمخزي حقّاً أن يتولّى إلقاء هذا الحُرم وتعميمه مثقّفون ارتضوا لأنفسهم أن يصبحوا جزءاً من حاشية البلاط. فبات الاستشهاد بدراسة علميّة «خفّةً» و«إثارةً»، بحسب وزير الإعلام طارق متري.
والدراسة المذكورة تحوي مغالطات كثيرة، وقد لا يتّفق المرء مع منطلقاتها النظريّة. لكنّ ذلك لا ينفي حججها القويّة في وصف الاقتصاد اللبناني بـ«الزبائنيّ»، وفي اعتبار الفساد حميداً في بعض البلدان لجهة القدرة على توفير حاجات بطريقة أكثر فاعليّةً من أجهزة الدولة. ليس المجال هنا لمناقشة السياسات الحريريّة، لكن هل فوجئ الحاضرون حقاً بأنّ الفساد جزءٌ من التركيبة الحريريّة، وأنّ رفيق الحريري تعاطى مع فاسدين، وشارك في صفقات فساد؟ الأمر أكثر إيلاماً أيّها الأصدقاء. حكومات الحريري لم تتألّف من الفاسدين وحسب. تألّفت من مجرمي حرب. هل هذه مفاجأة أيضاً؟
لكن، بصرف النظر عن ذلك، أيّ رئاسة حكومة تلك التي تحرّم الإدلاء بوجهة نظر داخل أسوار الجامعات؟ إنّ مطالبة المكتب الإعلامي لسعد الحريري إدارة الجامعة باتّخاذ خطوات لمحو «الإساءة»، هي ببساطة مخالفة للدستور اللبناني الذي يكفل حرية التعبير. وهو قمع للنقاش العلمي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان. فإذا كان نقاش كهذا محرَّماً في ندوة جامعيّة، فأين هو مجال طرحه؟ لكنّ الأسوأ هو غمز بيان المكتب الإعلامي من القناة الطائفيّة، واعتباره اتّهام رئيس حكومة بالفساد تعرّضاً لمقام رئاسة مجلس الوزراء!
البيان ـــــ الاعتذار الذي أصدرته الجامعة الأنطونيّة مقلق حقاً. فتطييف المسألة اضطرّ الجامعة إلى الاعتذار، لأنّ مؤتمراً علمياً عُقِد في أرجائها تعرّض لسلوك مسؤولين سابقين. من الآن فصاعداً، ينبغي لكلّ النقاشات الأكاديميّة أن تبدأ بكيل المدائح للرؤساء الثلاثة، الحاليين والسابقين. أمّا تشريح وضع البلاد المتردّي، فيمكن ردّه دائماً إلى... الجالية الإثيوبيّة!
إنّه يوم حزين بالنسبة إلى التعليم الجامعي والبحث العلمي في لبنان. يوم يستحقّ من طلاب لبنان وأساتذته الجامعيّين إعلان الإضراب العام احتجاجاً على منعهم من ممارسة مهنتهم التي لا وجود لها في غياب النقد.
باستطاعة آل الحريري أن يبنوا أكثر من تمثال لرفيق الحريري في مدينة بيروت. لكنّ أكثر ما يسيء إلى ذكرى رفيق الحريري هو محاولة تصنيمه وفرضه أيقونةً على الشعب اللبناني. آن لهذه المهزلة أن تنتهي.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 11 فبراير، 2010,8:06 ص
المال الخاص والمأساة العامّة

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ١١ شباط ٢٠١٠


«سأطلب المساعدة من أيّ كان، مهما كان عدد البواخر التي سنستعين بها، والتي ستدفع أجرها الدولة، حتى ولو اضطررت إلى دفع أجرها من مالي الخاص، فأنا مستعدّ لذلك. المهمّ عندي هم الناس، ولا تهمّني الحملات ولا التلفزيونات... لقد قمنا بواجبنا ونقطة على السطر».
هذا التصريح لرئيس الحكومة سعد الحريري، وفيه يعرض أداءه في أوّل امتحان صعب يواجهه أمام مواطنيه منذ ترؤّسه الحكومة. قبل ذلك، كان قد وضع نفسه أمام امتحان السَّيْر، فعقد اجتماعاً في فترة الأعياد وأطلق وعداً، قبل أن يستقلّ طائرته الخاصّة لقضاء إجازة خاصّة، ويكتشف أنّه لا حاجة إلى الإشارات الضوئيّة في السماء.
في هذه الجملة القصيرة التي وردت خلال حديث للـ«بي. بي. سي»، نستطيع أن نتبيّن الآتي:
يريد رئيس الحكومة التأكيد أنّه وفريق عمله الوزاري يملكان نيّات طيّبة. وهذا حسن. لكنّ المشكلة تكمن تحديداً في هذه النيّة الطيّبة التي سرعان ما تنقلب إلى نقيضها.
فإبداء الاستعداد للدفع من المال الخاص هو في أحسن الأحوال استغلال لكارثة إنسانية من أجل الترويج لشخص يحتلّ موقعاً عامّاً. وهذا الأمر ليس تفصيلياً، وخصوصاً حين يُلعلع الإعلام بأنّ الصندوق الأسود نُقل إلى فرنسا على متن طائرة خاصّة يملكها رئيس الحكومة. إنّها الدعاية الأقلّ كلفة في التوقيت الأغلى ثمناً.
لكن، على ما يبدو، ورث الحريري عادة التصرّف كأنّ ما يجري حوله في البلاد هو مجرّد أحداث تدور داخل أروقة شركته الخاصّة. ولذلك ربّما، انقلبت النيّة الحسنة أيضاً إلى نزعة لكمّ الأفواه المعترضة، من الإعلام ومن أهالي المفقودين. فقد قال الرئيس إنّ الدولة قامت بواجباتها وكفى! لا مكان للتشكّك أو المساءلة أو حتّى محاولات طرح الأسئلة.
وفي لفتة لا تليق برئيس حكومة في بلادنا، يُستعان بألاعيب أي ديكتاتور صغير، فيُستدعى «الناس» فجأة، فهم، ولا أحد سواهم، من يهمّون الحريري. وما كان ينقص إلا استدعاء التاريخ، كالقول مثلاً إنّ التاريخ انتدبه للقيام بهذه المهمّة الإنسانيّة، وهو لن يتراجع عنها مهما كلّف الأمر. و«الناس» سيصفّقون. لا حاجة إلى الهراوات. العصبيّات وحدها تكفي.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 9 فبراير، 2010,8:05 ص
مار مارونَيْن

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٩ شباط ٢٠١٠


مشهد اليوم شديد الدلالة: موارنة يحتفلون في سوريا بعيد مار مارون، وموارنة يحتفلون في لبنان بالعيد نفسه. الأخيرون يمثّلون الجسم الماروني الرسمي: رئيس الجمهورية، البطريرك... والأوّلون يمثّلون الجسم الماروني «المعارِض». لكنّ كليهما يتسابق في ابتداع تعريف للموارنة لا علاقة له باعتبارهم مواطنين ينتمون إلى دول.
فبالنسبة إلى البطريرك، شدّدت رسالته التي وجّهها في المناسبة على ارتباط الموارنة بلبنان وأرضه. وهو إذ يغمز من قناة معارضيه الذين استغلّوا مناسبة مرور 1600 عام على وفاة مار مارون، ليحتفلوا بعيداً من البطريرك، فإنّه يتحدّث عن الميثاق اللبناني كـ«ميثاق أقلّيات حضاريّة تقمّصت في طوائف بشريّة»! أمّا رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوّات اللبنانيّة الذي شنّ هجوماً هو الآخر على الذين ذهبوا للاحتفال في سوريا، والذي أعلن تمسّكه بشعار 14 آذار «العبور إلى الدولة»، فلم يتورّع عن وصف وضع لبنان بالمعقّد، لكونه «يحوي مئة ألف مجموعة وأمّة».
الموارنة هم إذاً بالنسبة إلى البطريرك أقليّة حضارية متقمّصة في طائفة. وهم، بالنسبة إلى جعجع، لا مجموعة وحسب، بل أمّة أيضاً (ما دام هناك مئة ألف منها في لبنان). الدولة تصبح وعاءً لاستيعاب الأقليات والأمم المختلفة.
لعبة ميشال عون وصحبه مختلفة. ففي زيارته الأولى إلى دمشق بعد عودته من المنفى، استُقبِل كزعيم مسيحيّ، وحجّ أكثر من كنيسة مسيحيّة، ووُضعت الزيارة في سياق توجيه رسالة إلى ما يسمّى «مسيحيّي الشرق».
اليوم، وفي ذكرى مار مارون، يعاد الفيلم نفسه، لكن على شاشة كبيرة. عون ليس وحيداً في سوريا. هناك سليمان فرنجيّة إلى يمينه، وإميل لحّود إلى يساره. والزيارة، مرّة أخرى، رسالة طمأنة إلى مسيحيّي الشرق.
الرجل الآتي من المؤسسة العسكرية، والذي ترك البلاد رئيساً لحكومة خاضت حرب تحرير قبل أوانها، عاد ليجد قوّتين رئيسيّتين تحتلان الساحة. قوّتان لم تكن أيّ منهما قد اشتدّ عودها يوم غادر إلى المنفى. عاد الجنرال إلى بلاد هي غير البلاد التي تركها. وبعد اغتيال رفيق الحريري، والنزول إلى ساحة «الحريّة للطوائف»، لم يبقَ للجنرال إلا موقع زعيم مسيحيّ يصارع من أجل «أل» التعريف.
عبارة «مسيحيّي الشرق» ليست إلا «كوداً» لجائزة ترضية تعويضاً عن موقعه الذي قزّمته تحوّلات التسعينيّات والاحتكار المستحيل لزعامة مسيحيّي لبنان. لكنّها أيضاً تصبّ في خانة بثّ روح الخوف في الأقليّات، تماماً كما يفعل خطابا صفير وجعجع، وإن من زاوية مختلفة. خوف يدعو لطلب الحماية مِن سوريا، وخوف مقابل يدعو لطلب الحماية «مِن» سوريا.
في عيد مار مارون، لا يبدو أنّ للموارنة ما يدعوهم حقاً للاحتفال.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 8 فبراير، 2010,8:03 ص
كرمال السيّد إكس

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٨ شباط ٢٠١٠


عزيزي السيّد إكس،
لقد صادفناك عندنا في فصل الصيف. أحببناك، فأردنا أن نكرّمك. جئت أنت والعائلة والأصدقاء إلى بيروت، وأنفقت مالاً كثيراً فيها. واعترافاً بالجميل، قرّرنا أن ننزل في الرابع عشر من شباط، أعداداً غفيرة، إلى ساحة الحريّة «كرمالك». واللّه، كرمالك.
قد تقول إنّ ذلك كثير عليك، وإنّك لم تتوقّع أن يصل كرم الضيافة اللبنانية إلى هذا الحدّ، لكن كلّه يهون في سبيل المليونَيْ سائح.
وحتّى لا تشعر بالحرج، لا بدّ من إعلامك بأنّ التظاهرة «المليونيّة» التي نعدّ لها في ساحة الشهداء ليست التضحية الأولى التي نقدّمها للسيّاح. فنحن أصلاً فَكْفَكْنا البلاد وأعدنا تركيبها لتصبح ملائمةً لطلباتكم. فبصراحة، كلّ ما يهمّنا في العالم: مليونا سائح، عشرة مصارف، وبضع عشرات من العائلات تحتكر الاستيراد والمضاربات العقاريّة. فطبيعيّ جداً ما نقوم به كرمالك. لقد سبق أن قمنا بأكثر من ذلك بكثير كرمال غيرك. انظرْ إلى المليارات التي ندفعها سنويّاً لأفرادٍ معروفين بالاسم، تحت شعار «خدمة الدَّين العام». انظرْ إلى قلب مدينتنا التي تهوى الأركلة على أرصفتها، والرقص في ملاهيها، كيف تحوّلت إلى ملكيّة خاصّة لأفراد معروفين أيضاً بالاسم.
ستسمع كلاماً كثيراً عن إفلاس حركة 14 آذار، وعن فقدانها لأيّ شعار جديد ترفعه في الذكرى الخامسة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري. سيقال إنّهم ما كانوا ليلجأوا إلى شعار «كرمال المليونَيْ سائح» لو لم تكن سلّتهم السياسيّة قد نضبت. لكن، لا تهتمّ لهذه الشائعات. فنحن «عن جدّ» نحبّك ونفضّلك على أنفسنا. انظرْ كيف بنينا أنفاقاً وجدراناً عالية على طريق المطار كي لا تؤذي نظرك بمشهد أحياء الفقراء. حدث ذلك قبل 14 شباط، وقبل 14 آذار.
ستسمع أيضاً أنّ «كرمال المليونَيْ سائح» هو شعار غير صادق تجاهك، بل يدلّ على حبّ الحياة لدى اللبنانيّين، وعلى فحوى حركة 14 آذار التي تريد السلم والازدهار ووقف أعمال العنف، حتى لو كان عنفاً مقاوماً. لكن، لا تصدّق من يضلّلك. المسألة تخصّك أنت شخصياً. كلّنا بانتظارك، سيّد إكس، وسنفرش لك أجسادنا على طريق المطار في الصيف المقبل.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 5 فبراير، 2010,8:08 ص
من فوق ومن تحت

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ٥ شباط ٢٠١٠


ينكبّ الوزراء والزعماء على مناقشة مشاريع إصلاحات في ميادين شتّى. ثمّة من يقدّم المشاريع، وثمّة من يتقصّد إضاعة الوقت، وثمّة من يرفضها بخجل، وثمّة من يقبل على مضض، وثمّة من يعيد طرح التراجع عن إصلاحات كانت قد أقرّت سابقاً... وغالباً ما يتقاسم المسؤول نفسه هذه الأدوار كلّها. المحصّلة واضحة ومعروفة: لا أحد يريد الإصلاح.
وحين نقول «لا أحد»، لا نقصد المسؤولين وحسب، بل عموم الناس أيضاً. الحريّ بالجميع توفير الوقت والجهد. فتماماً كما يمكن الإسراف في نقد الطاقم السياسي، يمكن التأكيد أيضاً أنّ الزعماء، رغم كلّ عيوبهم، يحظون بإعجاب الجماهير، و«القرد بعين طايفتو غزال».
وما يقال في القادة، يقال في النظام. الناس ضدّ التغيير. الناس يعشقون النظام. الأغلبيّة لا تريد النسبيّة مثلاً. الأحياء شُغلت في الأعوام الماضية بتنظيف نفسها بحثاً عن الصفاء الطائفي، وتحدّثونها الآن عن النسبيّة؟ والناس آخر همّهم أن ينتخب ابن الثامنة عشرة. فلا الشباب أكثر تلهّفاً للتغيير، ولا هم أقلّ طائفيّة، ولا أكثر ثورةً على التقاليد. والناس لا يريدون الانتخابات البلديّة أصلاً، في بلاد مرّت الانتخابات النيابيّة فيها مرور الكرام.
إذاً، لا داعي لأن يشعر رافضو الإصلاح «من فوق» بالذنب. فما من ضغط عليهم يأتي «من تحت». الشاطر هو من يعطّل الإصلاح، لا من يحاول فرضه.
فلنأخذ مثلاً موضوعاً شديد الحساسيّة كإلغاء الطائفيّة السياسيّة. لقد مثّل هذا المطلب ذات مرّة الشعار الأساسي لحركة شعبيّة ضاغطة. أمّا اليوم، فهو لا يتعدّى كونه شعاراً لا يجد من يحمله ومن يحميه إلا من استطاب اللعب على حبال الطوائف.
القوى المسمّاة عادةً «قوى تغييريّة» هي في أدنى مستوى لها. بالكاد تستطيع عقد ندوة، أو حفلة بكاء على الأطلال. وفي ظلّ وضع كهذا، يصبح الحديث عن الإصلاح، في أحسن الأحوال، عملاً تطهّرياً يقوم به الطاقم السياسي من فترة إلى أخرى، كي يتمكّن من العودة الثأريّة إلى وضع سابق. وفي أسوأ الأحوال، مجرّد نعيق بوم ينذر بالموت الآتي.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 4 فبراير، 2010,8:10 ص
نقاوة المياه الإقليميّة

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٤ شباط ٢٠١٠


كثيرون في لبنان لم يشعروا بالراحة منذ تحطّم الطائرة الإثيوبيّة. ثمّة من دفن أحبّاءه، وثمّة من لا يزال ينتظرهم، وثمّة من يسهر ليلاً ونهاراً للعثور على هيكل الطائرة والصندوق الأسود وانتشال جثث الركّاب. لكن، هناك أيضاً بين اللبنانيّين مَن لم يشعر بالراحة، وذلك لأسباب مختلفة. فحالياً، وفيما تُكتَب هذه السطور، تقبع في المياه الإقليميّة اللبنانيّة جثث لأفراد من التابعيّة الإثيوبيّة. طبعاً، يجري البحث عن هذه الجثث تماماً كما يجري البحث عن جثث اللبنانيّين، أو، بالأحرى، يجري البحث عنها لأنّ البحث جارٍ أصلاً عن جثث اللبنانيّين. لكن، يبقى السؤال: كيف يمكن السماح لها بالبقاء عندنا كلّ هذا الوقت؟ كيف نسمح لها بتعكير نقاوة مياهنا الإقليميّة؟
لا يقتصر الأمر على الأيّام التي مرّت. فخطورة الأمر ستشتدّ حين يُعثر على المفقودين الإثيوبيّين. فهم، على الأغلب، لن تكون في حوزتهم أوراق إقامة. وهنا تُطرح معضلة القبول ببقاء الجثث الإثيوبية في برّاد المستشفى الحكومي، إلى أن يأتي من يتسلّمها. ببساطة، يمثّل ذلك تهديداً للأمن القومي.
المأساة لا تتوقّف هنا. فماذا لو لم تُدفع تكاليف نقل جثّة ما إلى إثيوبيا؟ حتّى لا يذهب أحد بفكره بعيداً، لنكن واضحين من البداية. دفنُ الإثيوبيّين في بلاد الأرز غير وارد. وفي الوقت نفسه، لا يمكن وضع الجثث في سجون تحت الأرض، كما يجري مع العشرات من اللاجئين الأحياء. سيضطرّ اللبنانيون، أو الساهرون منهم على استتباب الأمن ونقاوة العرق، إلى البحث عن حلول أخرى. وهي حلول لن تكون صعبة، ما دامت حقوق الإنسان غير محترمة أصلاً مع أفراد التابعيّة الإثيوبيّة في لبنان، الأحرار منهم والمسجونين، فما بالك بالضحايا.
لكن، حتّى لا نعقّد المسألة، لنبدأ بالأمر خطوة خطوة. وما دام الاحتياط واجباً، يرجى منذ اللحظة، وحتّى لا يحصل الارتباك لاحقاً، تخصيص برّادات للجثث الإثيوبيّة منفصلة عن برّادات الجثث اللبنانيّة. فقد يتمكّن الموت من إرساء بعض قواعد التسامح العرقي، وتُتجاوز مسألة أوراق الإقامة. فالإثيوبيّ الميت هو إثيوبيّ طيّب.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 2 فبراير، 2010,6:59 م
في قصر العدل

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢ شباط ٢٠١٠


بعد عودتي أمس من قصر العدل، وخضوعي لاستجواب القاضي في دعوى شخصيّة أقامها المدير العام للأمن العام ضدّي، فكّرت بعض الشيء، وخصوصاً أنّ جلسة الاستجواب كانت مرهقة واستغرقت ساعة ونصف ساعة، تخلّلها سؤالي عن قصدي في كلّ جملة كتبتها في مقال سابق. بعد التفكير، تبيّن لي أنّ هذه الزاوية، بسبب طابعها الساخر أحياناً، ستسبّب لي إزعاجاً مستمرّاً. فمع أجواء الوحدة الوطنيّة، وقرب موسم التعيينات، يزداد توتّر الطاقم السياسي وموظّفي الدولة. لذلك، لا بدّ من بعض التوضيحات للمستقبل القريب:
أوّلاً، سأظلّ أحاول قدر الإمكان أن لا يكون لثقل الدم العام والخاص مكان في هذه الزاوية. لذلك، يرجى من هواة الرصانة الابتعاد عنها.
ثانياً، إنّي مستعدّ لتحمّل مسؤوليّة كلّ ما أكتبه. لكن يرجى من مقدّمي الشكاوى ورافعي الدعاوى أن يطلبوا استدعائي في وقت متأخّر، أي بعد الظهر. فأنا أعمل حتّى ساعة متأخّرة، وأكره النهوض باكراً. وأصلاً، لا يمكنني أن أدلي بإفادات قبل شرب القهوة على مهل. يمكن إدراج وقت الاستدعاء كملاحظة في أسفل الشكوى، وخصوصاً أنّ المرء يضطرّ أمام القضاء للتفوّه بعبارات كبيرة من نوع «فصل السلطات» و«أسس الجمهوريّة» و«مبادئ الديموقراطيّة»... إلى ما هنالك. وهذا ما لا يتلاءم مع أجواء الصباح الباكر.
ثالثاً، أنا مستاء سلفاً من كلّّ المنخرطين في السلطة، سواء فعلوا ذلك عن حسن نيّة أو سوء نيّة. مستاء لدرجة فقدان الأمل. وأمام شعور كهذا، يبدو حصر التُّهم بالقدح والذمّ كأنّه يحمل شيئاً من الخفّة لا أرضاه لمشاعري الحقيقيّة تجاه المسؤولين في هذه الدولة.
رابعاً، منعاً لأيّ التباس، أنا لستُ مع «بناء الدولة»، وخصوصاً حين يُربط بالتقدّم. واستيائي من المسؤولين لا ينبع من عدم عزمهم على بناء الدولة، بل من الطريقة التي يبنون بها أحياناً ما يسمّونه الدولة.
خامساً، هذه الزاوية موجّهة إلى القرّاء لا المسؤولين. القرّاء الذين لا يحتلّون أيّ موقع رسميّ. أمّا الآخرون، فأرجو ألّا يقرأوا ما أكتبه حتّى لا يزعجوني ولا يزعجوا أنفسهم. فأنا، ببساطة، أريد أن أنام.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 1 فبراير، 2010,10:21 ص
ذكرى جامعة
خالد صاغية
الأخبار عدد الاثنين ١ شباط ٢٠١٠
تحاول بعض القوى السياسيّة في لبنان الترويج لإحياء ذكرى الرئيس رفيق الحريري هذه السنة كذكرى وطنيّة جامعة، انسجاماً مع أجواء «الوحدة الوطنيّة».قد يكون المقصود من هذا الكلام الضغط لصياغة خطاب هادئ في الذكرى، لا يشبه الخطابات المتهوّرة للأعوام السابقة، والتي دفعت البلاد ثمناً باهظاً لها. أمّا إذا كان المروّجون للذكرى الجامعة يعتقدون بما يقولونه حقاً، فينبغي لفت انتباههم إلى استحالة هذا الأمر لأسباب كثيرة:1ـــــ لقد عمد القيّمون على الذكرى السنويّة إلى تحويلها، دوريّاً، إلى مناسبة لتحقيق مكاسب لطوائف وقوى سياسية لبنانية على حساب طوائف وقوى أخرى. وبقدر ما كانت النبرة السياديّة تعلو، كانت الفئويّة تتضخّم.2ـــــ القيّمون أنفسهم جعلوا من الذكرى مناسبة لتغيير موقع لبنان الإقليمي، ونقله من جهة إلى جهة تحت شعار تحييد لبنان الذي تحوّل لاحقاً إلى «لبنان أوّلاً»، قبل أن يصبح عنوان الكتلة النيابيّة التي ينضوي تحتها معظم المشاركين في لقاء البريستول أمس.3ـــــ القيّمون أنفسهم، وإن رفعوا شعار التحييد في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، فإنّهم ربطوا الذكرى بتأكيد الانضمام إلى محور ضدّ محور في العالم العربي، مع ما يعنيه ذلك من تلقّي الدعم من أنظمة والدعوة إلى إسقاط أخرى.4ـــــ بغضّ النظر عمّا حفلت به الذكرى في الأعوام الفائتة، والسلوك السياسي لورثة الحريري وحلفائهم الذين بكوه صدقاً أو زوراً، فإنّ من الصعب اعتبار الحريري نفسه شخصيّة إجماعيّة. فسياساته الاقتصادية والاجتماعية وحدها كفيلة بفضح التحيّز لقسم من اللبنانيّين على حساب قسم آخر. والتحيّز الاقتصادي هنا لا يقلّ حدّة عن التحيّز السياسي الذي ميّز رئيساً لبنانياً آخر، قضى هو أيضاً اغتيالاً من دون أن يتمكّن من تحقيق إجماع حوله.سمير جعجع على حقّ في هذه المسألة. فـ14 شباط ليست مناسبة اجتماعيّة، بل سياسيّة. وقد أكّد لقاء البريستول، أمس، هذا التوجّه، إذ عقد لقاءه تحت شعار «مستمرّون» في محاولة لاستغلال الذكرى من أجل إحياء تجمّع 14 آذار، لا من أجل تقبّل التعازي. وهو تجمّع، كما يعلم الجميع، لم يكن في لحظةٍ إجماعيّاً. وهنا تكمن علّة وجوده وعلّة نهايته.
 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments