الأحد، 29 نوفمبر، 2009,11:11 م
العلمانيّة آخر مراحل الطائفيّة!

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٠٩


الداخل إلى مدينة طرابلس سيلحظ إعادة التأهيل التي أصابت النصب المتربّع على مدخل المدينة، الذي يجسّد كلمة «اللّه» مكتوباً تحتها عبارة «طرابلس قلعة المسلمين». إعادة التأهيل هذه، وإن كانت روتينيّة، لم تمرّ هذا العام مرور الكرام. فالنصب الذي أنشئ مكان تمثال عبد الحميد كرامي إبان سيطرة حركة التوحيد الإسلامي على المدينة أوائل الثمانينيات، دخل حلبة المنافسة السياسية بين تيار المستقبل وحركة التوحيد في طرابلس. هكذا، اعترض «المستقبل» على إعادة تأهيل النصب، محتجّاً على عبارة «طرابلس قلعة المسلمين»، ذلك أنّ طرابلس، بحسب حجّته، «قلعة اللبنانيّين» جميعاً.
وقد تزامن هذا الموقف الرافض للتمييز بين أبناء طوائف الوطن الواحد والمدينة الواحدة، مع موقف آخر أعلنه هذه المرّة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، إذ طالب بتطبيق اتفاق الطائف، ولا سيّما بند تأليف هيئة للبحث في إلغاء الطائفيّة السياسيّة.
بغضّ النظر عن التباين السياسي بين برّي و«المستقبل»، فإنّ سلوكهما ـــــ على اختلاف وقعه ـــــ ينبع من المنبع نفسه. فالمساحة الطائفيّة التي تمدّدت خلال الأعوام الأربعة الماضية، بات باستطاعتها أن تمدّ يدها حتّى على «الخطاب العلماني» لتطيّفه.
هكذا يمكن بناءَ الدولة والمساواةَ بين المواطنين أن يصبحا شعارَي طائفة، ما دامت هي التي تمسك بمفاصل هذه الدولة الأساسيّة، لأسباب داخليّة وبمباركة وضمانات خارجيّة. ويمكن ألغاءَ الطائفية السياسية أن يصبح مطلب الحارس الأمين لحصّة طائفته من النظام، ما دام مطمئنّاًَ إلى التفوّق العددي لطائفته. ولتصبح صناديق الاقتراع التعبير السياسي عن خصوبة أرحام الأمّهات.
الغريب فعلاً أن يكون ثمّة علمانيّون قد سحرهم تصريح رئيس المجلس النيابي، تماماً كما سحر خطابُ «المستقبل» عن بناء الدولة بعضَ الليبراليّين.
فقد باتت الدولة الحديثة في لبنان ضعيفة إلى درجة أصبحت مقوّماتها مطايا بيد زعماء الطوائف. وإن كان هؤلاء يسهمون في التقديمات الاجتماعيّة، وفي التربية والتعليم، وفي تكوين الهويّة السياسيّة للمواطنين، فلمَ لا يُسهمون أيضاً في مساحات إضافيّة كانت محرّمة عليهم سابقاً؟ مساحات كانت تُعدّ آخر معاقل العمل المدني في لبنان، وإذا بالغول الطائفي يبتلعها أيضاً.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 26 نوفمبر، 2009,11:09 م
تسويات ...تسويات

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٢٦ تشرين الثاني ٢٠٠٩


طبعاً، سيردّ المجلس الدستوري كلّ الطعون الانتخابية المقدّمة إليه، وعددها 19. وطبعاً، سيتّخذ المجلس قراراته بإجماع أعضائه العشرة. وطبعاً، سيقول المجلس إنّه أشبع الطعون درساً، وأسهب «في عرض تفاصيل تحقيقاته في لوائح الشطب ونتائج أقلام الاقتراع والاعتراضات على عمليات نقل قيد النفوس والاتهامات بالرشوة وخرق الموجبات بشأن الإعلام الانتخابي والتمويل والإنفاق الانتخابي». فمن دون شكّ، قام المجلس بواجباته. ولكن...
1ـــــ حكمت التسويات السياسية انتخاب رئيس توافقي للجمهورية. انتخاب جرى عملياً في الدوحة، ورُفعت الأيدي في لبنان.
2ـــــ حكمت التسويات السياسية تأليف الحكومة. فجرى التعامل مع نتائج الانتخابات كعامل واحد من أصل عشرين عاملاً أو أكثر لاختيار المقاعد الوزارية وتوزيعها بين الكتل.
3ـــــ التسويات السياسية هي التي تتحكّم بعلاقات الوزراء مع مديريهم العامّين. وهي التي تتيح لمؤسّسة أن تبقى قيد الحياة أو ينخرها السوس.
4ـــــ التسويات السياسية هي التي تحمي البلاد من استنفار الطوائف بعضها ضدّ بعض. وهي التي تعطي للطوائف ما للطوائف، وللدولة ما للدولة.
5ـــــ التسويات السياسية هي التي تختار قانون الانتخاب، بصرف النظر عن ملاءمته للبلاد وللإرادة الشعبية ولمتطلّبات العصر.
6ـــــ التسويات السياسيّة هي التي تفتح ملفّات الفساد ثمّ تغلقها. وهي التي تعطي المواطنين حقوقهم أو تحجبها. فلا حقوق ولا عطايا من دون تسويات.
7ـــــ التسويات السياسيّة هي التي تجعل الأمن يستتبّ.
8ـــــ التسويات السياسيّة هي التي يُنزل غيابُها الناسَ إلى الشارع، وهي التي تردّهم إلى البيت. فلا مطالب للمواطنين أصلاً في ظلّ التسويات السياسيّة.
إنّه بلد التسويات. ومن كان لديه اعتراض على الأمر، أسقطَ اعتراضَه حين سادت الفوضى الأمنيّة، وباتت العودة الآمنة إلى البيت مطلباً جماعياً يجري التنازل عن كلّ شيء في سبيله. لكنّ التسويات نفسها تستمرّ في قضم الدولة رويداً رويداً. باتت الأعراف والقوانين والمؤسسات لزوم ما لا يلزم. فهل المطلوب من المجلس الدستوري ومن مجموعة صغيرة من القضاة أن تقف في وجه كلّ ذلك؟
طبعاً، سيردّ المجلس الدستوري كلّ الطعون الانتخابية المقدّمة إليه. فهل تحتمل التسويات السياسية قبول طعن واحد، وخصوصاً أنّ الأكثرية الحالية بات عددها 58 نائباً مقابل 57 للأقليّة؟


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 25 نوفمبر، 2009,11:26 م
ذكرى الاستقلال: اللّه كريم

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٢٥ تشرين الثاني ٢٠٠٩


أطلّ على اللبنانيّين من جديد السيّد مكسيم شعيا. هذه المرّة، لم يتّصل برئيس الجمهورية من صقيع القطب، لكنّه ظهر على الشاشة بملابسه القطبيّة ليحدّثنا في عيد الاستقلال عن قطعة القماش التي حملها معه خلال رحلته المضنية، والتي كانت كفيلة بإزالة الصعاب من أمامه. قطعة القماش تلك لم تكن إلّا العلم اللبناني نفسه. وقد مثّل تصميم شعيا على رفع العلم فوق جبل الجليد، دافعاً لإكمال الرحلة والتغلّب على الصعاب. وفي النهاية، حقّق مكسيم حلمه، وشكر ربّه قائلاً: «اللّه كريم». ومع عبارة «اللّه كريم»، نفهم أنّ هذا الإعلان ليس من إعداد مديريّة التوجيه في الجيش اللبناني، ولا من منظّمي «سيرك» جادّة شفيق الوزّان، بل هو إعلان لأحد المصارف اللبنانية، التي يمثّل السيّد شعيا أحد وجوه علاقاته العامّة.
رسالة الإعلان واضحة: المصرف المذكور يريد أن يقنعنا بأنّ «الله كريم»، وبأنّ العلم اللبناني أغلى ما في الحياة، ويستحق التضحية من أجله، وإن تطلّب ذلك الوصول إلى القطب. ونحن المشاهدين، تأثّرنا كثيراً بالإعلان، وعُدنا إلى إيماننا باللّه وبالوطن وعَلَمه. لكنّ حرارة الإيمان هذه لم تمنعنا من طرح بعض الأسئلة. وهي أسئلة تزيدها بعض الأرقام إلحاحاً، إذ حقّق المصرف المذكور في الأشهر التسعة الأولى من عام 2009 أرباحاً بلغت 212,8 مليون دولار أميركي. وبلغ حجم ودائعه 21,2 مليار دولار أميركي، وحجم ميزانيّته 24,7 مليار دولار. فلماذا، أوّلاً، يتدفّق كرم اللّه على المصارف وحدها؟ ثانياً، ما دام حبّ الوطن يجتاح القطاع المصرفي، فلمَ لا تضحّي المصارف في سبيل الوطن؟ فلننسَ التضحية، ولنطلبْ فقط أن تتنازل المصارف وتعمل كمصارف، أي «كل مين يشتغل شغلتو».
فعلى حدّ علمنا، يتحلّى النظام الاقتصادي العالمي الحالي بميزة عن النظم التي سبقته، تتلخّص بالقدرة الفائقة على تمويل مشاريع ضخمة. وهذا التمويل يقوم على وجود جهاز، فلنسمّه مصرفاً، تتجمّع فيه كلّ مدّخرات الأفراد والمؤسّسات. فإن وفّر كلّ لبناني دولاراً، تجمّع لدى المصرف ثلاثة ملايين دولار يستخدمها لتمويل المشاريع لإطلاق العجلة الرأسمالية في البلاد. في لبنان، تتدفّق الودائع إلى المصارف. تتراكم. تفيض عن الحاجة. ولا يبصر أيّ مشروع النور. يتساءل المرء ماذا يفعلون داخل تلك الأبنية الأنيقة المنتشرة داخل كلّ حيّ وزاروب. أهي مجرّد إدارات للتشجيع على الاستهلاك عبر القروض الشخصيّة؟ أم مجرّد أماكن صيانة لماكينات الـATM؟ أم أنّ موظّفيها مجرّد عاطلين من العمل يستفيقون كلّ ستّة أشهر لإقراض الدولة، ويستفيقون بعد ستّة أشهر أخرى لجني الفوائد؟
المصرف اللبناني، تماماً كالحمّص اللبناني، اختراع لبناني. إقراض من دون مخاطر. الزبون مضمون. الفائدة مضمونة. أمّا قطعة القماش، فللمواطنين أن يتسلّوا بها كي ينسوا كيف تتبخّر رواتبهم كلّما ارتفعت أرباح المصارف. صدق مكسيم شعيا حين قال: «اللّه كريم».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 24 نوفمبر، 2009,10:22 م
حين تصنع الـ«لو...» أوهامَنا

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢٤ تشرين الثاني ٢٠٠٩


يستغرب المرء للوهلة الأولى أن يكون بين المتحاورين في شأن البيان الوزاري مَن يطرح مزيداً من الخطوات النيوليبرالية في لبنان. لا ينبع الاستغراب من التطوّرات على الساحة الاقتصادية العالمية وحسب، بل أساساً من نتائج تلك السياسات المجرّبة، على لبنان نفسه.
لا ضرورة لتفنيد المؤشّرات التي باتت معروفة كحجم الدين العام، والتفاوت الطبقي، وتدنّي المستوى المعيشي، الذي بات أكثر اتّكالاً على تحويلات المغتربين... إلخ. السؤال هو: كيف يمكن، بعد كلّ ما جرى، أن ينبري وزراء للمطالبة بمزيد من النيوليبراليّة عبر اعتماد الخصخصة وأخواتها؟
الإجابة السهلة تحيل عادةً على مصالح الطاقم السياسي، الذي بات جلّه من رجال الأعمال وحاشيتهم. لكنّها إجابة لا تفي بالغرض حين يكون المواطنون، لا زعماؤهم وحسب، متحمّسين لتأييد سياسات لم تسهم إلّا في إفقارهم. وهنا أيضاً لا تقدّم الطائفيّة وحدها إجابة شافية. فالمؤيّدون للحريريّة الاقتصاديّة لا ينتمون إلى طائفة واحدة.
في الذكرى العشرين لانهيار جدار برلين، تساءل أحد الفلاسفة الأوروبيّين عن أسباب تصاعد النقمة على الشيوعيّة في بلدان أوروبا الشرقيّة، على الرغم من مرور عشرين عاماً على العودة إلى الحضن الرأسمالي. واستنتج أنّ الناس المصدومين بعدم تحقيق الرأسمالية لوعودها، يلقون اللوم على الرواسب الشيوعيّة. فالرأسمالية كانت ستحقّق أحلامهم حتماً لو... لم يكن الشيوعيون لا يزالون مسيطرين على هذا القطاع أو ذاك، أو لو... لم يُعَد انتخاب هذا الزعيم الشيوعي أو ذاك. بكلام آخر، يوهم هؤلاء الناس أنفسهم بأنّ ما يعيشونه ليس رأسماليّة ناجزة، وأنّ ما يحتاجون إليه هو المزيد من الرأسماليّة. وها هي أوهامهم مستمرّة بانتظار مَن يخبرهم أنّ ما يجري الآن عندهم هو، بكلّ بساطة، الرأسماليّة ولا شيء آخر.
يبدو الوضع في لبنان شبيهاً بعض الشيء. فمن الصعب إقناع الناس بأنّ الكوارث الاقتصادية التي حلّت بهم هي نتيجة السياسات النيوليبرالية التي اعتمدتها الحكومات الحريريّة المتعاقبة. فهم يعتقدون، على العكس، أنّ الانتكاسة الاقتصادية سببها أنّ نيوليبراليّتنا لم تكن ناجزة. فقد كانت الحريريّة سترفع المستوى المعيشي لو... وفي لبنان، يمكن لهذه الـ«لو» أن تأخذ مجدها. فلو لم يتدخّل السوريّون... ولو لم يقصف الإسرائيليون... ولو لم تستمرّ صناديق التقديمات الاجتماعية... ولو لم يُمنع رفيق الحريري من تنفيذ كلّ ما كان يريده... إلخ.
للأسف، لا يمكن في الواقع التعويل كثيراً على هذه الـ«لو». فمَن يراجع السياسات الاقتصادية منذ أوائل التسعينيات، يجد أنّنا حقّقنا كالتلامذة النُّجباء معظم وَصَفات النيوليبراليّة بحذافيرها، والنتائج السلبيّة التي شهدناها لا تختلف كثيراً عمّا شهدته بلدان أخرى. فالعالم بات مملّاً لشدّة التشابه. وهو تشابه بات يصيب الأوهام أيضاً.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 19 نوفمبر، 2009,10:28 م
خصخصة لخدمة الشعب

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ١٩ تشرين الثاني ٢٠٠٩


يبدو أنّ الخصخصة ستكون نجمة الموسم في البيان الوزاري وفي عمل الحكومة خلال الأشهر المقبلة. فكما بات معروفاً، أُدرِج هذا البند في مسوّدة البيان التي أعدّها وزير الإعلام، وهو يساريّ سابق اهتدى أخيراً إلى الأفكار الخلاصيّة لفؤاد السنيورة. لم يرشح الكثير عن النقاشات «السرّية» بشأن البيان. لكن، يبدو أنّ تيّار المستقبل مستميت في الدفاع عن مشاريع الخصخصة وقتَ أعاد العالم اكتشاف نعمة التأميم، ووقتَ يدحض النموّ المطّرد في الصين كلّ يوم الخرافات المحيطة بعدم فاعليّة القطاعات المملوكة من القطاع العام.
وبما أنّ المستقبل مستميت في سبيل الخصخصة، تطلّب الأمر استدعاء أسلحته الأيديولوجيّة الثقيلة، فأعيد وزير الشؤم سامي حدّاد من الثلّاجة ليدلي بدلوه في الموضوع. وزير الاقتصاد الأسبق الذي دعا ذات مرّة المصانع اللبنانية إلى الإقفال والهجرة، أدلى بتصريح تلفزيوني دافع فيه عن الخصخصة لكونها «تسهم في تقليص الدين العام وخلق فرص للعمل». وفي حديث علميّ، لم يتوانَ حدّاد عن وصف خصخصة الخلوي بأنّها «أهمّ عمل يخدم الشعب اللبناني». بات حدّاد إذاً حريصاً على فرص العمل، ربّما لتعويض تلك الفرص التي هرّبها حدّاد نفسه.
وفيما كان حدّاد يُلقي بدرره، دخلت وزيرة المال المنتدبة ريا الحسن في أوّل سجال مع الوزير شربل نحاس، إذ أعلنت أنّ الطروحات الاقتصادية التي قدّمها وزير الاتصالات «لن تؤثّر على موقفنا الاقتصادي». وكأنّ ما يجري الآن داخل لجنة صياغة البيان الوزاري لا علاقة له بالنقاش أو بتبادل وجهات النظر. موقف الوزيرة ومَن وراءها ثابت. يعيشون في زمن رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، ولا يريدون التزحزح قيد أنملة.
لكن يبقى السؤال المطروح: لماذا الخصخصة الآن؟ حتّى لو افترضنا صحّة الحجج المقدّمة عن خلق فرص العمل وتسديد جزء من الدين العام وزيادة الفاعلية في الإنتاج وخفض التعرفة على المواطنين... ما الذي يجعل تيار المستقبل يستميت اليوم من أجل الخصخصة؟ هل هذا مجرّد تفانٍ للقيام بـ«أهمّ عمل يخدم الشعب اللبناني»؟ وهل يُخدَم الشعب اللبناني حقاً حين تُباع قطاعاته الحيويّة في ظلّ ركود الأزمة المالية العالمية؟ وهل يُخدَم الشعب اللبناني حقاً بتسليم رقبته إلى احتكار القطاع الخاص في بلاد تسيطر مافياتها حتّى... على سوق البصل؟


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 18 نوفمبر، 2009,10:31 م
واشنطن ــ بكين

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٨ تشرين الثاني ٢٠٠٩


حين أنشئت عام 1975 مجموعة الدول الصناعيّة الكبرى (G6)، لم يفكّر أحد في دعوة الصين إليها. وحين تحوّلت مجموعة الستّ إلى مجموعة الثماني، لم تكن الصين بين الدول الثماني. أمّا مجموعة العشرين (G20) التي أنشئت عام 1999، والتي تضمّ الصين بين صفوفها، فلم تكتسب أهميةً في القيادة الاقتصادية للعالم حتّى العام الماضي، حين تبيّن أنّ مواجهة الأزمة المالية العالمية غير ممكنة من دون إشراك عمالقة جُدد كالصين والهند والبرازيل. ومن المتوقّع أن يشهد العام المقبل القمّة الأخيرة لمجموعة الثماني التي ستسلّم زمام القيادة إلى مجموعة العشرين.
لكنّ معلّقين في مواقع مختلفة يعتقدون أنّ قرارات مجموعة العشرين ستكون في الواقع قرارات مجموعة الاثنين، أي الولايات المتّحدة والصين. وما زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الصين إلا إشارة في هذا الاتجاه، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار ما سبقها من تصريحات لوزيرة خارجيّته هيلاري كلينتون. ومن المفيد هنا ملاحظة اختلاف اللهجة في انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان في الصين بين أوباما والإدارة الأميركية السابقة.
الواضح أنّ حقوق الإنسان ليست المسألة. المشكلة هي في جدليّة السيّد والعبد الناشئة بين الدولتين. فالصين التي تملك قدرة هائلة على إنتاج سلع تغرق السوق الأميركية، تملك أيضاً فائضاً مالياً هائلاً توظّفه في سندات الخزينة الأميركية. الصين تقرض أميركا إذاً كي تتمكّن أميركا من شراء البضائع الصينية. لكن، تماماً كما تحتاج أميركا إلى الأموال والسلع الصينية، تحتاج الصين إلى السوق الأميركية لتصريف بضائعها، ولاستثمار فائض أموالها.
ثمّة حرب تدور الآن حول فارق سعر العملة بين البلدين، وحول التعرفات والقيود الجمركيّة المتبادلة. حرب أدواتها معروضة للتفاوض بين الزعيمين الدوليين. لكن، يبقى أنّ ما يجري بين الصين وأميركا ضحيّته الطبقة العاملة في البلدين. فقد تمكّنت الصين، بفضل السوق الأميركية، من أن تحلّ أحد التناقضات الأساسية في الرأسمالية. فالدخل المتدنّي للعمّال الصينيّين لا يسمح لهم باستهلاك واسع، لكنّ رأسمالية الدولة غير مضطرّة لرفع رواتبهم ما دامت تصرّف البضائع في مكان آخر.
أمّا العامل الأميركي الذي يستمرّ دخله بالتدهور منذ السبعينيات، فبإمكان الدولة شراء صمته بالبضاعة الصينيّة البخسة الثمن، وأيضاً بخطابات عن حقوق الإنسان... في الصين!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2009,10:30 م
تماسيح روما

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٧ تشرين الثاني ٢٠٠٩


«اليوم سيموت أكثر من 17 ألف طفل من الجوع. طفل كل خمس ثوان. ستّة ملايين في السنة. هذا غير مقبول. علينا أن نتحرّك».
هذا ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بعد افتتاح قمّة الأمن الغذائي التي نظّمتها منظّمة «الفاو» في روما أمس. بابا الفاتيكان لم يكن أقلّ راديكاليّة، إذ صبّ غضبه على المضاربات التي باتت تطال أسواق الحبوب، كأنّما الغذاء قد تحوّل إلى سلعة كأيّ سلعة أخرى.
ورغم حضور زعماء ستّين دولة، أخفقت القمّة في التوصّل إلى إقرار المساعدات الغذائية المطلوبة سنوياً، أي 44 مليار دولار فقط لا غير. كما لم تلتزم بمهلة عام 2025 التي كانت مقررة سابقاً للقضاء على الجوع.
إذاً، سيتكيّف العالم مع فكرة وجود مليار جائع على سطح الكوكب. الأسوأ من ذلك أنّه سيتكيّف مع وجود مليار جائع في الوقت الذي ينتج فيه الكوكب نفسه ما يكفي من الغذاء لسدّ رمق جميع سكّانه. المشكلة إذاً ليست في الإنتاج وزيادة فاعليّته، بل في التوزيع.
ورغم ذلك، فإنّ أصحاب النيّات الحسنة، وسماسرة البكاء فوق جثث الجوعى في العالم، لم تصدر عنهم إدانة للشركات المتعدّدة الجنسيّات. فتلك الشركات لا تعمل على احتكار سوق الغذاء في العالم وحسب، فتحدّد أسعاره من دون حاجة إلى السوق ويده الخفية، بل تؤدّي أيضاً سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي في الأرياف إلى إعادة توجيه الزراعة باتجاه الإنتاج من أجل التصدير، وحرمان سكان الريف من زراعاتهم المحلية، علماً بأنّ هؤلاء السكان يشكلون 80% من جوعى العالم.
لم يعد هذا الواقع مقنّعاً. والمجتمعون في روما يعلمون تماماً ما يجري. لكنّهم يريدون البحث عن حل «يرضي المزارعين والشركات المتعدّدة الجنسيات في الآن نفسه». وفي الانتظار، يمكن الموت أن يستمرّ في موسم الحصاد.
على مدى أربعة أيّام، سافر المزارعون الإيطاليّون من مناطق الجنوب الفقيرة كي يصلوا أمس إلى روما للمشاركة في مسيرة احتجاجيّة. جاؤوا من الأرياف إلى العاصمة على متن جرّاراتهم. ثلاثمئة جرّار فقط سُمح لها بدخول المدينة. أمّا الآخرون، فأجبروا على الانتظار في الضواحي. مشهد معبّر في رمزيّته. فبين الجوع الذي يجتاح الأرياف، والمدن التي تلفظ فقراءها، مساحةٌ آخذة في التمدّد. إنّها الضواحي. غرفة انتظار بين الموت والحياة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 16 نوفمبر، 2009,7:42 م
انبشوا المقابر الآن

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٦ تشرين الثاني ٢٠٠٩


بات مصير جوني ناصيف معروفاً. دُفن أمس في بلدته، بعدما أثبتت فحوص الحمض النووي أنّه ليس مسجوناً في أيّ مكان، بل قضى شهيداً في 13 تشرين الأوّل 1990. المقبرة الجماعية التي اكتُشفت في ملعب وزارة الدفاع في اليرزة عام 2005، كان جوني إحدى جثثها. وصلت رحلة البحث التي أضنت والدته، فيوليت، إلى نهايتها، بعد 19 عاماً. لكنّ أمّهات آخرين ما زال مصير أبنائهنّ مجهولاً.
خلال العشرين عاماً الماضية، طوّر اللبنانيون آليّات عديدة للنسيان. حربهم التي انتهت فجأةً أُلقيت تبعاتها على الآخرين، أولئك الغرباء الخبثاء المجرمين، إضافة إلى مؤامرات الدول الكبرى. بات بإمكان الشعب البريء من دماء الصدّيقين أن يعود إلى حياته الهانئة في كنف العرزال، وأن يتفرّغ لصناعة الأطباق العملاقة من الحمّص والتبّولة.
التطابق شبه الكلّي بين أمراء الحرب وأمراء الطوائف منع أيّ شكل من أشكال المحاسبة. رغبة اللبنانيّين في تبرئة أنفسهم، وفي فتح صفحة جديدة، أسهمت في تغليب النسيان على الذاكرة. الجرّافات اللاهثة وراء الربح نظّفت المكان. ارتفعت أبراج تحرسها مساجد وكنائس متجاورة. تأمّل الغول العقاري المشهد، ورأى أنّ ذلك حسن. سمّيت تلك الحقبة سلماً أهليّاً.
أيّ محاولة للنقد أو للفهم كانت تُصنَّف في باب نكء الجراح. خلع المتحاربون بزّاتهم العسكريّة، وارتدوا ربطات عنق، واتّخذوا لأنفسهم صوراً تذكاريّة. كان كلّ شيء جاهزاً لاستقبال لبنان الجديد. وفي غمرة الاحتفالات، أُهملت بعض التفاصيل الهامّة. وهي هامّة لأنّنا كلّما ابتعدنا عنها، اقتربت هي منّا، لتذكّرنا بنفسها وبأنفسنا.
ما دامت الطوائف تحمي زعماءها، لمَ لا يقدّم كلّ أمير حرب كشف حساب؟ لمَ لا يجري الاعتذار وطلب الغفران؟ لمَ لا تُحفَر أماكن المقابر الجماعيّة؟
مفقودو الحرب الأهليّة يشكّلون اليوم أكبر حزب في لبنان. وهو حزب متعدّد الطوائف. أدرك فظاعة الحرب. ورفض كلّ الشعارات التي تتحوّل سريعاً إلى حمّامات دم. وبحكم تجربته، أيقن أهمية وجود الدولة القوية التي تحمي أبناءها. إنّه الحزب الوحيد الذي يمكنه أن يبني السلم الأهلي الحقيقي. انبشوا المقابر الآن.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 12 نوفمبر، 2009,9:32 ص
خيارات الحريري

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ١٢ تشرين الثاني ٢٠٠٩


من المتوقّع أن تنعم الحكومة التي تألّفت للتوّ بفترة هدوء نسبي تسمح لها بالقيام ببعض المشاريع. الاستقطاب الحادّ بدأ يتراجع لمصلحة تمايزات داخل كلّ «معسكر»، والاصطفافات بدأت تعطي مكانها للتحزّب الطائفي المعتاد لبنانيّاً. ويبدو أنّ الخارج قرّر أن يعطي الساحة اللبنانية إجازة لبعض الوقت.
وبعدما أُشبِعت السنوات الأربع الماضية بالجدل السياسي العقيم وتبعاته المدمّرة، من المفترض أن تتقدّم إلى الواجهة بعض الملفّات الاقتصادية والاجتماعية. ومن الواضح أنّ التيار الوطني الحر وتيار المستقبل سيمثّلان رأس حربة السجال بشأن هذه الملفّات، إن لم يطرأ تعديل على جدول أعمال الأطراف الأخرى.
وإذا كان العماد ميشال عون قد أعطى عنوان «الإصلاح والتغيير» لمشروعه في المرحلة المقبلة، فإنّ الأعين تتّجه الآن نحو رئيس الحكومة سعد الحريري وتيّار المستقبل لمعرفة حجم التغيير الذي قد يجاريه الرئيس الشاب، أو يقف في وجهه.
لا يخفى على أحد أنّ الموقف التقليدي لتيار المستقبل من الملفات الاقتصادية الاجتماعية معروف. لا يخفى أيضاً أنّ الرئيس المغدور رفيق الحريري قاد تحالف المصارف والعقارات، وأنّ تيّار المستقبل، إضافة إلى حيثيّته الطائفيّة، يرمز أيضاً إلى الدفاع عن مصالح هذين القطاعين. لكن، هل يعني ذلك أنّ توجّهات سعد الحريري معروفة سلفاً؟
يمكن الحريري أن يسير على خطى فؤاد السنيورة، وأن يستمرّ في المكابرة وإغماض عينيه عن التغيّرات التي جرت في العالم. لكن، بإمكانه أيضاً، من موقع الدفاع عن مصالح الذين يمثّلهم، أن يدرك أنّ البلاد ما عادت تحتمل استمرار عمليّات «التراكم الأوّلي» التي قادها والده.
لا يحتاج المرء إلى أن يحمل أفكاراً يسارية ليدرك أنّ المصارف لا يمكنها الاستمرار بالعمل وفقاً للمنطق نفسه، وأنّه لا يمكن النفخ إلى ما لا نهاية في الفقاعة العقارية، وأنّ الوصفات النيوليبرالية لم تعُد نتائجها الكارثيّة محصورة بذوي الدخل المحدود.
ذات يوم، فضّل رئيس أميركي أن يفرض على الرأسماليّين نتش نصف الرغيف وحسب، وترك النصف الآخر لسواهم. كان ذاك الرئيس يقول: أنا أعرف مصلحتهم. فهم لا يعلمون أنّهم مهدّدون بفقدان الرغيف كلّه!
طبعاً، كان الرئيس الأميركي يتحدّث آنذاك عن «الخطر» الاشتراكي. بإمكان الحريري أن يتحدّث اليوم عن خطر اقتصادي يهدّد الدولة والكيان، ناهيك بلقمة عيش الفقراء المنتشرين أيضاً داخل الطائفة التي بات الحريري الابن يتزعّمها.
أمام اليمين اللبناني فرصة اللعب بذكاء أكبر. فرصة لإثبات أنّ اليمين لا يقود دائماً إلى حرب أهليّة... أو إلى حرب أهليّة!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 11 نوفمبر، 2009,12:55 ص
الكتائب في عنق الزجاجة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١١ تشرين الثاني ٢٠٠٩


حين عاد ميشال عون من المنفى ثمّ رفع شعار استعادة حقوق الطائفة المسيحيّة، قيل إنّ العماد يعيد حكاية بشير الجميّل، لكن متأخّراً قرابة ربع قرن. وحين تبيّن أنّ سائر القوى والطوائف مستعدّة للذهاب بوقاحة نحو تحالف إسلاميّ سُمّي رباعياً، قاد عون معركة شعبيّة اضطرّ حتّى البطريرك نصر اللّه صفير ألا يعانده فيها. ثبّت عون زعامته المسيحيّة، ثمّ انطلق يُتَكْتك على مهل. وحين لاحت الفرصة، وقّع التفاهم مع حزب اللّه. في لغة المحاصصة الطائفية، تمكّن عون من فرض حضور مسيحيّ وازن في النظام، عبر التحالف مع الحزب الشيعي الأقوى. لم يكن «الثمن» زهيداً. تطلّب ذلك إعادة نظر في الخطاب العوني، وتدويراً لزوايا عدّة. كان ذلك ثمن التأخّر ربع قرن، وما شهده من تحوّلات.
اليوم، يبدو سامي الجميّل كأنه يريد أن يعيد حكاية ميشال عون متأخّراً أربع سنوات على الأقلّ. سنوات قليلة من حيث عددها، لكنّ العودة إلى ما قبلها تتطلّب حرق أحصنة كثيرة، لا يبدو أنّ حزب الكتائب نفسه مستعدّ للتضحية بها.
«الحَرَد» الكتائبي بسبب حصّة الحزب في الحكومة لا يمكنه أن يُصرَف سياسياً، وإن أمكن صرفه في أماكن أخرى. فبالنسبة إلى سعد الحريري، حازت الحكومة رضى البطريرك خلال زيارة بكركي قبيل إعلان تشكيلة الحكومة. والبطريرك أعطى بركته منطلقاً من معادلة بسيطة: الخطر على المسيحيّين هو سلاح حزب اللّه. خيار المسيحيين هو الدولة. سعد الحريري هو الذي يرمز إلى مشروع بناء الدولة. أمّا المقاعد الوزارية ومن يجلس عليها، فمجرّد تفاصيل، ما دامت تراعي التوازن العددي الشكلي بين الطوائف الإسلامية والمسيحية.
كان الكتائب قد سار، إضافة إلى القوات اللبنانية، إلى جانب هذا الخيار. وفي هذا الموقع، لا مكان للكتائب أو القوّات إلى جانب الحريري، بل خلفه. لا يقال هذا الكلام للتخفيف من أهمية عمل هذين الحزبين، أو للدلالة على سوء خيارهما، لكن لدعوتهما إلى تحمّل مسؤولية خيارهما الذي قد يكون صائباً أو خاطئاً. لكنّ ما ينبغي أن يدركاه هو أنّ الحريري الذي أهداهما مقاعد نيابية، لا يمكنه أن يستمرّ في القيام بدور «بابا نويل»، وأنّ الحكومة بالنسبة إلى الحريري هي كالسلاح بالنسبة إلى حزب اللّه. يمكن أن تؤيّده كحليف، لا أن تشاركه فيه.
في حزب الكتائب، يبدو سامي وحده من يدرك أنّه بات أسيراً في عنق الزجاجة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2009,6:05 م
شربل نحّاس

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٠ تشرين الثاني ٢٠٠٩


ربّما يكون العماد ميشال عون قد ربح في معركة الكباش السياسي لتأليف الحكومة. لكنّه، بالتأكيد، ربح أكثر بالطريقة التي اختار بها وزراءه، وذلك لأسباب عدّة.
لقد بدا عون، شكليّاً على الأقلّ، كأنّه فضّل التغيير والإصلاح، على تكتّل التغيير والإصلاح. فلم يختر وزراء حزبيين (باستثناء الصهر جبران باسيل)، ولم يختر وزراء يستنفرون العصبيّة المسيحيّة، بل وزيرين واضحين في انتمائهما العلماني، ولم يختر للسياحة من يسمح بالاستمرار في تهميش القطاعات الإنتاجية الأخرى، بل اختار لها رئيس جمعية الصناعيين. وعاكس توقّعات الخصوم، فلم يختر لحقيبة الاتصالات دميةً يستمر باسيل في إدارة الوزارة من خلالها.
لكن، يبقى لاختيارات عون عنوان أكثر وضوحاً: إنّه اسم شربل نحّاس.
يضخّ اختيار شربل نحّاس حياةً في شعار التغيير والإصلاح. فهو الخبير الذي وضع إمكاناته الفكرية والعملية في خدمة الشأن العام. وهو الذي لم تستطع كلّ الإحباطات أن تخفّف من حماسته للتغيير، ومن إيمانه بضرورة الإصلاح. وحين كان الوحش يأكل كلّ شيء، وكان الجميع يطأطئون رؤوسهم إمّا تأييداً وإمّا صمتاً، كان شربل نحّاس لا يملّ من حمل ملفّاته متنقّلاً بين ندوة وندوة، وبين لجنة ولجنة، وبين وزارة ووزارة.
أدّى نحّاس دوراً أساسياً في تخلّص التيار الوطني الحر من ورقته الاقتصادية الفضيحة التي كانت قد صيغت قبيل انتخابات 2005. وهو الخبير الذي يسدّ ثغرة مهمة في الخطاب العوني، إذ يردف شعارات مكافحة الفساد بالتشديد على العمل من أجل تغيير السياسات الاقتصادية نفسها، لا وقف مزاريبها وحسب. ويستطيع نحاس، بفضل متابعته الدقيقة للملفات الاقتصادية، كسر الصنميّة التي باتت تحيط ببعض المشاريع الكارثيّة كالخصخصة وباريس -3. فهو لا يملك كلاماً أيديولوجياً وحسب، يواجه به تلك المشاريع، بل يقدّم أيضاً بدائل عمليّة.
لقد قال ميشال عون ذات مرّة إنّ الحريريّة أشبه بحبل مشنقة. الأرجح أنّه كان يقصد القول إنّ السياسات الاقتصاديّة الحريريّة أوصلت البلاد إلى حافّة الانتحار. إن كان ثمّة خبراء اقتصاديّون يمكنهم فضح تقنّيات ذاك الحبل، والعمل الجادّ لمنعه من التحكّم برقاب اللبنانيين، فإنّ شربل نحّاس هو بالتأكيد واحد منهم.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 9 نوفمبر، 2009,6:07 م
وداعاً لينين

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٩ تشرين الثاني ٢٠٠٩


يكاد العالم، في الذكرى العشرين لانهيار جدار برلين، يقف وحيداً كتلك المرأة الألمانية في فيلم «وداعاً لينين». كانت كريستيان قد استفاقت لتوّها من الكوما. نزلت إلى الشارع ونظرت في السماء، فوجدت في فضائها تمثالاً للينين تنقله الطائرة بعيداً عن ساحات المدينة. رأت المرأة لينين معلّقاً بحبال الهواء، ولم تفهم. ماذا تعني هجرة لينين للمدينة؟ نهاية التاريخ؟ صراع الحضارات؟ مزيداً من الحرية؟ عودة ثأريّة للإمبرياليّة؟ التلاقي على مشروع الحداثة ودولته أم افتراقاً عن ذاك المشروع؟
لعلّها حكاية «النحاس الاشتراكي». 1500 طن من النحاس نقلت من قصر الشعب في برلين الشرقية إلى برج العرب في دبي. القصر الذي شيِّد عام 1976 نادياً للعمّال والفلاحين ومركزاً لعقد مؤتمرات الحزب الاشتراكي، دُمِّر بعد انهيار الجدار، واستخدم نحاسه في تشييد أعلى برج في العالم، في مدينة المضاربات وغسل الأموال التي يراد لها أن تمثّل نموذجاً لرأسماليّة ما بعد الجدار.
أعاد التسلّط الطبقي العالم إلى ما قبل الثورة البلشفية وإلى ما قبل «العقد الجديد» (New Deal). جرى التراجع عن مكتسباتٍ دفعت الطبقة العاملة ثمنها غالياً. التضامن النقابي يخسر آخر معاقله. التنمية التي تصاغ فيها قصائد المديح ليست إلا من ذاك النوع الذي يأتي على جناح مشاغل العرق في شرق آسيا. مزيد من الفئات المهمّشة في الضواحي وفي جيش العاطلين من العمل لا حول لهم ولا قوّة لتغيير أوضاعهم. الهوّة تتّسع داخل دول الشمال، وبينها وبين دول الجنوب.
حتّى الأزمة المالية الأخيرة التي كان يمكنها أن تقلب العالم رأساً على عقب، انتهت عبر مكافأة المصارف الكبرى على أعمالها المشينة. فحين لم يعد في مقدورها الاستمرار في نهب أموال الناس، جاءت الدولة وقامت بالعمل نيابة عنها، فسخت عليها بأموال الضرائب التي جنتها من أولئك الناس أنفسهم.
انتهت سريعاً أحلام الحالمين بعالم واحد. فهل هي الصدفة وحدها التي جعلت الذكرى العشرين تترافق مع إعادة اكتشاف العالم لألمانيا الشرقية؟ ندم على معاملتها كمجرّد سجن كبير لا فن فيه ولا صناعة ولا أدب ولا أي شيء يفيد القاطنين على الضفة الغربية. ليس الحنين وحده ما يأخذنا إلى هناك مرّة أخرى. إنّها الخيبة. الخيبة نفسها التي أصابت تلك المرأة يوم فتحت عينيها، ورأت أنّ كلّ شيء قد انتهى.
وداعاً لينين. عبارة لا تعني أنّ المنظومة الاشتراكيّة قد انهارت وحسب، لكنّها تعني أيضاً أنّ ما من لينين في الأفق سيعلن، رغم كلّ ما يجري حولنا، أنّ بإمكاننا دائماً أن نخترع البديل... وأن نخترع العالم.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 5 نوفمبر، 2009,9:28 ص
اليسوعيّة والسلم الأهلي

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٥ تشرين الثاني ٢٠٠٩


لا يزال الجدل مستمرّاً بين القوّات اللبنانيّة والتيّار الوطني الحرّ بشأن انتخابات الجامعة اليسوعيّة. الطرف الخاسر بينهما يرفض الاعتراف بالهزيمة. وثمّة شهيّة لدى الطرفين لابتلاع أصوات المستقلّين. فهؤلاء لا يراد النظر إليهم إلا على أنهم أقنعة للتيّارين السياسيّين المتنافسين. وهل يُعقَل أن يكون الطالب مستقلّاً في ظلّ وجود هذين الحزبين الفذّين، وخصوصاً أنّ كلاً منهما يرتكز على نظرة فلسفية مغرية لطلاب الجامعات؟
ما إن خصّصت «الأخبار» غلافها أمس لفوز القوّات في الانتخابات الجامعية، حتّى بدأت تنهال عليها الانتقادات. الغريب في الأمر أنّ غالبيّة هذه الانتقادات لم تركّز على النتيجة، ولم تجادل في ما إذا كانت القوّات قد فازت فعلاً أو لا. فالمضمر هو أنّه حتّى لو فازت القوّات في الانتخابات فعلاً، فإنّ جريدة «الأخبار» ينبغي ألا تُبرز الخبر. لماذا؟ لأنّها جريدة معارِضة!
هكذا، ببساطة، يصبح حتّى نشر الخبر ممنوعاً أو عرضة للرقابة الذاتية أو لرقابة الجمهور. إحدى القارئات بعثت برسالة إلكترونيّة تقول فيها: «هل تظنّ أنّّ من الصحّي أن تفوز القوات اللبنانية بانتخابات جامعيّة؟ هل تربّي أولادك على فلسفة الكراهية لمواطنيهم؟». وختمت بالقول إنّ عليّ أن أصحّح خطئي، وأن أتذكّر الماضي حتّى لا نقع في أخطائه مجدّداً، أي في الحرب الأهليّة.
بتُّ إذاً مسؤولاً عن إشعال حرب أهليّة ما إن نُشر خبر فوز القوّات في الجامعة اليسوعيّة على الصفحة الأولى. وبات عليّ أن أدافع عن نفسي فأقول مثلاً إنّي، واللّه، لو كنتُ طالباً في اليسوعيّة، لما انتخبت لوائح القوّات. وبات على العاملين في الصحف أن يذكّروا الناس بأنّهم صحافيّون يغطّون الأحداث ولا يصنعونها.
قارئ آخر اعترض قائلاً إنّ غلاف الجريدة مستفزّ لأنّ الطالبة القواتية التي ظهرت عليه بدت جميلة وفرحة. كأنّما المطلوب أن يلتقط مصوّر الجريدة صورة لقوّاتي حزين وهو يحتفل بعد صدور النتائج. أو كأنّ على الجريدة أن توحي أنّ الجمال يقتصر على طالبات التيار الوطني الحر. أمّا القوّاتيّون والقوّاتيّات، فينبغي تصويرهم دائماً كمتخرّجي ميليشيات لا وجه ولا قلب لهم. هكذا، على ما يبدو، يستقيم السلم الأهلي...
أيّها الطالب القوّاتي في اليسوعيّة، باسم الاختلاف السياسي الجذري بيني وبينك، أهنّئك بالفوز من كلّ قلبي.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 4 نوفمبر، 2009,11:39 م
يومَ أُغرم وهّاب بالحريري

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٤ تشرين الثاني ٢٠٠٩


يكاد المرء يجد صعوبة، هذه الأيّام، في إقناع السيّد وئام وهاب بعدم الانتساب إلى تيار المستقبل. أما سليمان فرنجية، فتخلّى عن عفويّته، ارتدى بذلة رسميّة، وبات يتحدّث عن منطق الدولة، ويصف سعد الحريري بأنّه رئيس حكومة كلّ لبنان، وأنّه لا أحد يرضى بأن يراه ضعيفاً في موقعه. بدا الأمر كأنّ المشاكل بين الموالاة والمعارضة تنحصر في وجود شخصين، ليس إلا: فؤاد السنيورة وجبران باسيل. وغالباً ما يصوَّر النفور من هذين الشخصين كما لو أنّه مسألة أمزجة. حتّى إنّ أحد نوّاب المستقبل لم يتوانَ عن إرساء معادلة: خلّصناكم من السنيورة، خلّصونا من جبران!
لقد فاز تيّار المستقبل وحلفاؤه في الانتخابات. فور إعلان النتائج، أعلن سعد الحريري دعمه لتأليف حكومة وحدة وطنيّة. مطلب كانت المعارضة قد رفعته حتّى قبل ظهور النتائج. فالاستقطاب الحادّ والواقع الطائفيّ يحتّمان تأليف حكومة كهذه حفاظاً على السلم الأهلي. لكن يبدو أنّ ثمّة من فهم في الموالاة والمعارضة حكومة الوحدة الوطنية على نحو منحرف. ثمّة من فهم مثلاً أنّه ما إن يلتقي الرئيس السوري بشّار الأسد الملك السعودي عبد اللّه بن عبد العزيز، على أركان المعارضة أن يتخلّوا عن طروحاتهم، وأن يبدأوا بكيل المدائح للحريريّة القديمة والجديدة.
التخبّط الذي تعانيه المعارضة اليوم ليس متوقّفاً على تحديد سقف «الحقوق» في الحقائب. على المعارضة الدخول إلى الحكومة برؤية واضحة: هل انتهى الخلاف مع الأكثريّة بمجرّد أن سُحب موضوع سلاح المقاومة من التداول، أم أنّ شيئاً ما يبقى من الخطب الرنّانة التي أتحفت بها المعارضة المواطنين، والتي تناولت بالنقد السياسات الحريرية السابقة؟
المسألة ليست هامشية، ومن حقنا ومن حق الموالاة أن تسأل: حين يحصل التيار الوطني الحر على وزارة الطاقة مثلاً، هل سيتبنّى خطّة وزيره ألان طابوريان، وما موقف سعد الحريري من الخطّة التي رفض فؤاد السنيورة ذات يوم أن يطرحها حتّى في مجلس الوزراء؟ هل انتفى الخلاف على سبل إدارة الدين العام مثلاً، ما دام تيار المستقبل سيتولّى وزارة المال؟ وحزب اللّه ذو المطالب المحدودة بالنسبة إلى الحقائب، هل لديه مطالب بالنسبة إلى المجتمع وما حلّ وسيحلّ به؟


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 3 نوفمبر، 2009,11:33 م
طبعاً... إنّه 7 أيّار!

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٣ تشرين الثاني ٢٠٠٩


يصرّح بعض السياسيين بغضب بأنّه ليس بإمكانهم القبول بشروط المعارضة لتأليف الحكومة، لأنّ الرضوخ لتلك المطالب يعني تكريساً لنتائج السابع من أيّار. يقولون ذلك كما لو أنّهم يكتشفون أمراً جديداً. كما لو أنّهم يوهمون أنفسهم والجمهور بأنّه ما من نتائج مكرّسة لـ7 أيّار.
لا يخفى على أيّ عاقل أنّ أحداث السابع من أيّار لم تجرِ كرمى لعيون العميد وفيق شقير. كما لا يخفى أنّ حزب اللّه دفع من رصيده غالياً في ذاك اليوم. فالانتقال من معادلة «عدم استخدام السلاح في الداخل» إلى معادلة «السلاح لحماية السلاح» ليس بالقفزة السهلة أو البسيطة. ولا يخفى أيضاً أنّ ذلك لم يحدث كي تحصد المعارضة انتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.
ولمن نسي خطب الأمين العام لحزب اللّه قبيل الانتخابات، لا بدّ من العودة بالذاكرة قليلاً إلى الوراء. فتلك الخطب حمّلها كثيرون مسؤولية فشل المعارضة في الانتخابات، لشدّة صراحتها القاسية. آنذاك، أعلن الأمين العام للحزب 7 أيّار «يوماً مجيداً». وردّاً على الشعار الذي رفعه تيّار المستقبل «ما مننسى والسما زرقا»، قال السيّد حسن نصر اللّه «ما نحنا عملناها حتّى ما تنسوا». لم يحدّد تاريخاً للنسيان. لم يقل مثلاً إنّ مفاعيل الذاكرة تنتهي مع نتائج الانتخابات. فلو كانت نتائج الانتخابات تعني الكثير بالنسبة إلى الحزب، لما كانت تلك الخطب لتظهر في ذاك التوقيت أصلاً.
يعرف الجميع ـــــ بما في ذلك سوريا والسعوديّة اللتان تفاوضتا بشأن مصير لبنان ما بعد الانتخابات ـــــ أنّ نتائج الاقتراع منعت السيطرة الكاملة للمعارضة، لكنّها لم تهزمها. وأنّ تلك النتائج أعادت بعض التوازن إلى العلاقات السياسية بين الفريقين المتصارعين، إذ أعطت للأكثريّة الحاليّة «سلاح الصناديق» مقابل «سلاح الأرض»، من دون أن تتمكّن من منحها انتصاراً.
قد ينقسم اللبنانيون في تقويم هذه الوقائع، فيقبلها بعضهم بمرارة، وبعضهم الآخر بحياديّة، وبعضهم الثالث بحماسة. لكن لا بدّ من الاعتراف بأنّ من المُبكر رمي 7 أيّار في ذاكرة النسيان الجماعية. ومن غير المجدي، في هذا السياق، ترداد التعريفات المدرسية عن الديموقراطية البرلمانية، والأكثرية التي تحكم، والأقليّة التي تعارض. ربّما وجب الاستدراك بأنّ ذلك غير مجدٍ تحديداً بالنسبة إلى مفاوضات تأليف الحكومة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 2 نوفمبر، 2009,11:55 ص
توقيت شتوي

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٢ تشرين الثاني ٢٠٠٩


ها قد عدنا إلى التوقيت الشتوي. أصوات رعود. عجقات سير. أوتوكارات المدارس. شرطة تبحث عن طريدة. زعماء يرثون آباءهم على التلفزيون. السيّد يؤنّب العبد دائماً. الريح تطيّر بقايا النفايات. الغسيل لا يزال على البلكون. إنّهم لا يتعبون من انتظار الحكومة. صباحاً، تتدفّق التحليلات. مهلاً، لأعدّ فنجان القهوة. لا جدوى من الصراخ. الضيوف لديهم الكثير ممّا يقولونه. لا يستطيعون الانتظار. دوللي أيضاً. أعدّت الحلقة جيّداً. أمامها أوراق. وفي أذنها من يهمس لها بأسئلة جديدة. كلّه جاهز من الاستديو إلى «المايك آب» إلى الكلام الذي لا ينتهي. وأنا لا أزال أفرك عينيّ كي أتمكّن من متابعة العرض.
أحاول أن أكسب بعض الوقت. لن أصنع القهوة بيديّ. سأستخدم الماكينة الكهربائيّة. كبسة واحدة وينتهي كلّ شيء. لكنّ دوللي لا تتوقّف عن طرح الأسئلة. تأخّرت الاستراحة. نشّف السوق الإعلاني على دوري. دقيقة كي أتمكّن من الوصول إلى المطبخ فأضغط على الزر. لا حياة لمن تنادي. لو كانت القصّة تتعلّق بلبنان وحسب، يكاد يقول الضيف، لأعطيتك تلك الدقيقة. لكنّ المسألة أعقد من ذلك بكثير. هناك سوريا وتأثيرها على لبنان. والصراع الخفي بين سوريا وإيران. والضغط الأميركي الذي لا يتوقّف، ناهيك بمصر والسعودية. الوضع معقّد جداً. ولا وقت أمام اللبنانيين. علينا أن نسترسل في التحليل، وبسرعة، قبل أن يفوتنا الميعاد.
أوكي... أوكي. لن أسخّن خبزاً. ولن أفتّش عن علبة اللبنة أو عن مرطبان الزيتون. لن أفتح البرّاد أصلاً. لن أتّصل حتّى بدكاكين «الدليفري». سأكتفي بالقهوة الصباحية. أعدكم. لكن، لا بدّ من دقيقة انتظار. لا أقصد التقليل من شأن الحديث، لكن يمكن طرح الأسئلة نفسها غداً أو بعد غد. فالأزمة كما قلتم أنتم للتوّ، مستمرّة ولن تحل خلال أيام قليلة.
قلب دوللي لا يعرف الرحمة. لن تأخذ «بْريك». لن تُسكت ضيفها. لن تدعني أشرب القهوة.
ها قد عدنا إلى التوقيت الشتوي. أصوات رعود. عجقات سير. أوتوكارات المدارس. شرطة تبحث عن طريدة. زعماء يرثون آباءهم على التلفزيون. السيّد يؤنّب العبد دائماً. الريح تطيّر بقايا النفايات. الغسيل لا يزال على البلكون. إنّهم لا يتعبون من انتظار الحكومة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments