الأحد، 30 أغسطس، 2009,10:40 م
الفانتازم اللبناني

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٣١ آب ٢٠٠٩


مغامرة الدولة اللبنانية، ممثّلة بوزير المال محمّد شطح، في بلدة عين عرب البقاعيّة، تستحقّ التوقّف عندها. فالمسألة ليست في خمسة عشر رجلاً يبحثون عن صندوق، أو عن كنوز من الذهب. إنّها مغامرة تخفي وراءها رؤيةً إلى الاقتصاد، وإلى دور وزير المال، وحتّى إلى لبنان نفسه كوطن وكيان.
فمنذ قيام الجمهوريّة الثانية، واللبنانيّون ينتظرون الفَرَج الاقتصادي، من دون أن يربطوا هذا الفرج ولا مرّة بأيّ جهد يقومون به. تعلّقوا أوّلاً بسياسة الاستدانة. كان لسان حالهم يقول آنذاك: نحن بحاجة إلى كلّ شيء. من أين نأتي بالمال؟ بسيطة، نتديّن. وكيف نسدّد الفوائد وأصول الدين؟ لا تهتمّوا. غداً، تأتي الاستثمارات الأجنبيّة، وترشّ فلوسها في البلاد. وحين تأخّرت الاستثمارات، أو ضلّت طريقها، قيل «اتّكلوا على السيّاح. أنسيتم أنّ بلادكم بحرٌ وجبل؟»، من دون أن ننسى طبعاً تحويلات المغتربين.
وإذا لم ينفع كلّ ذلك، فسيتحرّك العالم كلّه لإنقاذنا. سيُعقَد باريس 1 وباريس 2 وباريس 3. وإذا تطلّب الأمر، يجتمع مجلس الأمن ويصدر قرارات. ثمّة دول تملك الثروات، ومستعدّة للمساعدة. هكذا تحوّلت البلاد، منذ سقوطها في فخّ الاستدانة، إلى سياسة التسوّل. العبارات التي نسمعها في الشارع كـ«حبيبنا إنت»، «شو بيطلع من خاطرك»، «إنت كريم ونحنا منستاهل»... باتت كلّها أسانيد نظريّة معتمدة في كتابة البيانات الرسميّة.
بُنيت سياسات اقتصادية كاملة على هذه التصوّرات الوهميّة. وسادت السخرية من كلّ من يطرح وجهة نظر معاكسة. حتّى إنّ وزيراً للاقتصاد لم يتورّع عن إسداء نصيحة للصناعيّين بإغلاق مصانعهم في لبنان ونقلها إلى الخارج.
ما فعله محمّد شطح في عين عرب ليس جديداً. إنّه الفانتازم اللبناني نفسه، وقد أخذته حكومة تصريف الأعمال إلى حدوده القصوى. هذه المرّة، لا سيّاح ولا دين ولا مساعدات ولا تحويلات. سيشمّر وزير المال عن ساعديه، ويبحش في الرمال. ثمّة كنز ينتظر اللبنانيّين في مكان ما. لا يمكن أن تتركنا العناية الإلهية عُزَّلاً مع 50 مليار دولار من الدين العام. فلنحفر جيّداً. ففي نهاية النفق، سيلمع شيء ما، وسيظنّ اليائسون أنّه ذهب.
بالمناسبة، هل سمع أحد منكم صوت مديريّة الآثار؟


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 27 أغسطس، 2009,11:12 م
الكرة والملعب والجمهور

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٢٧ آب ٢٠٠٩


حدّثنا النائب هادي حبيش، فقال: الكرة في ملعب العماد عون.
حدّثنا النائب آلان عون، فقال: الكرة في ملعب رئيس الحكومة المكلّف.
الشباب يتسلّون إذاً. يلعبون كرة القدم. يتدرّبون استعداداً لكأس العالم المقبلة. لكن، إذا كان تسهيل تأليف الحكومة هو الكرة، وإذا كان لكلّ سياسي ملعبه، فمن يكون الجمهور؟
لا تحتاج الإجابة إلى كبير تفكير. الجمهور هو نحن. علينا أن ننتظر تسجيل الأهداف أو الفرص الضائعة حتّى نفزّ عن مقاعدنا ونهتف ونصفّر ونصفّق. أمّا في الوقت الباقي، فنجلس على أعصابنا في الانتظار. انتظار أن يقدم أيّ لاعب منهم على التقاط الكرة وركلها. فهيّا يا سعد. أقدِم يا جنرال.
طالت اللعبة أسابيع. حتّى لا نموت جوعاً، يقذف لنا اللاعبون بين الحين والآخر بعضاً من الحشيش الأخضر. يقتلعونه من أرض ملاعبهم ليطعمونا. ونحن كالقطعان نأكل ونسبّح بحمد الزعيم. هاتِ يا شيخ بونات من البنزين. هاتِ أقساطاً للمدارس. هاتِ مساعداتٍ رمضانيّة. ما أطيب الحشيش من أيديكم أيّها الرعاة الصالحون.
ما حاجتنا إلى الحكومة ما دامت خيرات حشائشكم متوافرة. موائدنا عارمة من فتات موائدكم. وهل كانت الدولة لتسدّ جوعنا أكثر منكم؟ أنتم أهمّ من الدولة ومن الحكومة. الحكومة أصلاً ليست إلا فضلة خيركم. ترسلون أتباعاً لكم إلى الغرف الكبيرة ليجتمعوا ويصرّحوا ويأكلهم الملل. خلص. نحلّها نحن وإيّاكم مباشرةً من دون وساطات. بعضاً من حشيشكم، وتنالوا تأييدنا. ولعيونك يا شيخ سعد، ولعيون جبران باسيل، بلا الحكومة.
الشباب يتسلّون فعلاً. وما دام التوافق السوري ـــــ السعودي غائباً، لا بأس ببعض العنتريّات. يصعّد ميشال عون: يريد ويريد ويريد... فيحظى بالإعجاب. ثمّ يصعّد الشيخ سعد: لن، ولن، ولن... فيتكاثر الأنصار. وفي الطريق، لا مانع من النفخ في نار الطائفيّة. الأوّل يحصّل الحقوق المسلوبة. والثاني يدافع عن المكتسبات. مزيد من الخراف تلتحق بالقطيع. تجلس على مقاعد المشجّعين. تنتظر تسجيل الأهداف أو الفرص الضائعة حتّى تفزّ عن مقاعدها وتهتف وتصفّر وتصفّق.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 26 أغسطس، 2009,12:25 ص
تمر ملكيّ

خالد صاغية

الأخبار عدد الأربعاء ٢٦ آب ٢٠٠٩

للتمر مكانة خاصّة خلال شهر رمضان. ولفلسطين مكانة خاصّة لدى المملكة العربيّة السعوديّة خلال كلّ أشهر السنة. لذلك، أعلنت سفارتها في بيروت «أنّ المملكة العربيّة السعوديّة ستسلّم المخيّمات الفلسطينية في لبنان 12 طنّاً من التمور هديّة، لمناسبة حلول شهر رمضان المبارك»، وذلك عند الساعة الواحدة من بعد ظهر اليوم في مقرّ السفارة السعودية في قريطم.
يرجى من فلسطينيّي لبنان إذاً التوجّه إلى السفارة السعودية للحصول على مكرمة خادم الحرمين الشريفين. وهذه تضاف إلى أفضاله السابقة على الفلسطينيّين، وخصوصاً إطلاقه المبادرة العربية الشهيرة. تلك المبادرة التي تخلّت عن فلسطين، وعن حقّ العودة، والتي تباهى لبنان بترويجها انطلاقاً من بيروت. ولا حاجة للتذكير بأدوار سعوديّة أخرى في مكافحة «شغب» المقاومات في العالم العربي. فمن يحتاج أصلاً للنضال من أجل فلسطين، ما دام التمر ـــــ والحمد للّه ـــــ متوافراً بكثرة.
يمكن لاجئي لبنان إذاً التغاضي عن أوضاعهم المعيشيّة السيّئة، والتخلّي عن حلم عودتهم إلى أرضهم، والتخلّي عن حقّهم في تلك العودة، وإليهم في المقابل مكافأة: حبّة تمر. لكلّ لاجئ حبّة.
لفتة الملك الكريمة لا تقتصر على اللاجئين. فهو مهتمّ بأهل كلّ فلسطين. وما نصيب لاجئي لبنان إلا جزء من حملة غذائية ضخمة لإغاثة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
ولأنّه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فإنّ أوّل قافلة مساعدات سعوديّة تدخل غزّة، تحتوي على 25 ألف مصحف، كما جاء في الخبر الذي جرى توزيعه.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لمَ التأخّر بإرسال التمر والمصاحف. فلو استعجل الملك قليلاً، وأرسل هذه المساعدات خلال الحرب على غزّة، لوفّر الكثير من المآسي. لكن، لا بأس. يمكن أبناء غزّة أن ينسوا ما أصابهم، وستحصل عوائل الشهداء هذه المرّة على مصحف وحبّتَيْ تمر، بدلاً من الحبّة الواحدة، تقديراً لتضحياتها وتخفيفاً لأحزانها.
■ ■ ■
لمن يهمّه الأمر:
«تمور رخيصة الثمن من إنتاج مستوطنات يهودية غير مشروعة في الضفة الغربية تغرق الأسواق الفلسطينية، ووزارة الزراعة تواصل دعم التمر الفلسطيني الأعلى سعراً في محاولة لزيادة الإقبال المحلي عليه خلال شهر رمضان».


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 25 أغسطس، 2009,12:23 ص
تصريف أعمال

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٢٥ آب ٢٠٠٩


رسمياً، نحن الآن في مرحلة تصريف أعمال. مصيبة كبرى حلّت علينا. فالحكومة الحالية كانت على وشك إيجاد الحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية العالقة. كانت تنقصها بضعة أشهر فقط. لكن، مع الأسف، سقطنا في مطبّ تصريف الأعمال.
يشعر المرء بالأسى حين ينظر في عيون الوزراء المتحمّسين للخدمة العامّة، الذين حرمهم تصريف الأعمال من تحقيق كامل طموحاتهم. مصرفيّون كانوا قد تركوا أعمالهم وأرباحهم، مثقّفون وأكاديميّون وضعوا فضولهم العلمي على الرفّ، مهندسون وأطبّاء ومحامون أقفلوا مكاتبهم وعياداتهم، من أجل خدمة المواطن... وها هو القدر يحرمهم من متابعة عملهم الوطني.
كيف تغادر هذه الحكومة وسعر صفيحة البنزين لم يصل إلى أربعين ألف ليرة بعد؟ أليس ظلماً الحدّ من تطلّعات الوزراء في هذا المجال؟
ولمن لم ينتبه، انتهت الحرب الأهلية منذ 19 عاماً، وما زال التقنين الكهربائي مستمرّاً. 19 عاماً لم تكن كافية لإنارة لبنان. مش حرام أن تغادر هذه الحكومة قبل تنفيذ خطّة محكمة لإنقاذ هذا القطاع؟ ينام رئيس الحكومة ويصحو وهو يحلم بالخصخصة. أفسحوا له المجال. صبي واستحلى. بعد كلّ التضحيات التي قدّمها، ألا يقدّم له الشعب اللبناني هديةً: قطاعاً أو قطاعين من الأملاك العامّة يخصخصهما على ذوقه؟ خصخوصة زغيرة للسنيورة. ولو؟
أبنية بيروت الجميلة التي تسقط كلّ يوم تحت رحمة الأبراج، كادت تتمتّع بالحماية، لو لم تُحرَم هذه الحكومة من كامل صلاحيّاتها. كانوا على أهبة إصدار التشريعات اللازمة لحماية الأبنية التراثية. كانوا على أهبة تصويب آخر اختراعاتهم في هذا المجال. لكن، لا يهمل القدر امرأً...
الدين العام وفوائده جاء إلينا بالصدفة طبعاً. وقد سعى جهاد أزعور للتخفيف من وطأته، وتابع محمد شطح الرسالة، وكلاهما عمل تحت إشراف فؤاد السنيورة الذي لا علاقة له بتراكم الدين، وكادت النتائج تثمر، لكن... انتهى عمر الحكومة. انتهى قبل أن تتمكّن المصارف من بلع البلد كلّه. ما زالت مساحة صغيرة منه هناك، تلهو وحيدة، كادت حيتان المصارف تنقضّ عليها، لكن... انتهى السباق فجأة.
ثمّة من يقترح تفسيرات للدستور توسّع من صلاحيات حكومة تصريف الأعمال. يريد لهذه الحكومة أن تصرّف وتصرّف. إذا استمرّ التصريف على هذا المنوال، فعلينا أن ننتبه. قد نذهب جميعاً فرق عملة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 24 أغسطس، 2009,7:19 م
هل نام جيّداً؟

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٢٤ آب ٢٠٠٩


لا مشكلة شخصيّة لديّ مع الطائفيّة، ولا مع تحلّق الناس حول زعماء طوائفهم. بإمكانهم أن يفعلوا ذلك إن وجدوا في سلوكهم هذا ما يجعل حياتهم أفضل. لكن، مع الأسف، تشير الوقائع إلى عكس ذلك. على الأقلّ، هذا ما تدلّ عليه وجوه المارّة التعبة، وتعليقات ركّاب الحافلات. لا داعي للإنصات إلى أيّ كلام. يكفي أن تحدّق في العيون، أو تراقب ثقل الهواء، حتّى تشعر بأنّ ما يسمّى الحياة الطبيعيّة أو الفرح العاديّ بعيد عن مُدُننا، بعيد حتّى عن أماكن يفترض أنّها وُجدت خصّيصاً كي يبتعد الناس عن همومهم اليوميّة.
عائلاتٌ على امتداد هذه البلاد تواجه اليوم كابوس الدخول إلى المدارس. سيرسلون أطفالهم بأيّ ثياب وبأيّ كتب وبأيّ مصروف جيب. العجز كامن في عيون الآباء والأمّهات الذين لا يملكون ما يصارحون أبناءهم به، غير اختراع الأوهام للهرب من المصاريف التي لا تنتهي. ذاك العجز، لو يتحوّل إلى غضب، يكفي وحده لقلب الطاولة على رؤوس الجميع.
البرد المقبل على مدارس القرى من سيطرده، وبأيّ سعر للمازوت. أسنان الأطفال ستصطك خلال حصص التاريخ والرياضيات. لا بأس. فمستقبل أولئك الأولاد مضمون: سيرسبون، ثمّ يدخلون إلى الجيش.
على أبواب الجامعات الخاصة، طلاب يبحثون عن ذاك العالم السحري المدعوّ «financial aid». وآخرون يطلبون من الإدارات فواتير مفصّلة لإرسالها إلى «الستّ» أو إلى «الشيخ»... فهم سيتولّون دفعها. مجاهرة بالعطايا، وكأنّها منح تفوُّق.
البرامج الرمضانيّة تتحوّل إلى صدقات. اتّصل واربح وانسَ من أنت. انسَ أنّك وقفتَ اليوم أمام بائع الخضر وسألت «بقديش الكيلو اليوم؟»، ثمّ أطلقتَ صافرةً ومضيت. فالكيلو في هذه البلاد له سعر كلّ يوم. وهذا من عمل الطبيعة.
لكن، ما همّ ما دامت الأبنية ترتفع، وسوق العقارات شغّال. ثمّة سيّاح ومغتربون يدفعون ثمن الشقق، ومصارف تمنح القروض الميسّرة، ومزيد من الأبناء يهاجرون. ضبضبة الشنط باتت هواية لدى اللبنانيّين الذين يعتقدون أنّ البشر عادةً يسافرون ليتعلّموا، ويسافرون ليعملوا. هذه سنّة الحياة، والشكر دائماً للّه ولأولياء الأمور.
أمّا بعد، فهل سافر سعد الحريري إلى السعودية؟ هل عاد سعد الحريري من السعودية؟ هل يستقبل اليوم في قريطم؟ هل يقيم إفطاراً في بيت الوسط؟ هل أمضى إجازة في جنوب فرنسا؟ هل يشعر بالسعادة اليوم؟ هل أكل جيّداً؟ هل نام جيّداً؟ هل لعب وتسلّى؟ أسئلة تشغل اللبنانيّين هذه الأيّام.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 19 أغسطس، 2009,7:17 م
تنبيه: العرض متواصل

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٩ آب ٢٠٠٩

يمكن قرّاء هذه الجريدة (وجرائد أخرى) أن يبدأوا من الصفحة 8. أي أن يقفزوا فوق صفحات السياسة المحلية. فمنذ الآن، وطيلة شهر رمضان، وربّما إلى أجل غير مسمّى، لن يجدوا في تلك الصفحات ما يفيدهم. لا يعني ذلك أنّهم كانوا يستفيدون في الفترة السابقة، إلا أنّ شحّ الفترة المقبلة ربّما يكون مناسبة للتوقّف عن تلك العادة السيّئة. لا يعني ذلك أيضاً أنّ الكتّاب والصحافيّين في القسم السياسي لن يكون لديهم ما يكتبونه، لكن إذا كانوا هم قد ابتلوا بهذه المهنة، فلا شيء مبدئياً يفرض انتقال البلاء إلى القرّاء أنفسهم. يملك القرّاء قرارهم الحرّ، طبعاً. لكنّ الضمير المهني يفرض علينا تنبيههم. فمن حيث لا يدرون، تنحدر اهتماماتهم إلى درك يتراوح من سفليّ إلى أسفل.
فالسياسيّون مشغولون هذه الأيّام بقضيّة كبرى اسمها توزير صهر الجنرال. من جهة، هناك سعد الحريري. ورث رئاسة الحكومة عن والده الذي قضى اغتيالاً، وسيرأس حكومة تضمّ عمّته أو ابن عمّته، فيما يتهيّأ ابن عمّته الآخر لمنصب سياسي ثانٍ. ورغم ذلك، فإنّ الشيخ الجديد يكره العائليّة في السياسة. أحبّوا أصهرتكم في البيت، واتركوا السياسة لأهلها. ومن جهة أخرى، هناك الجنرال ميشال عون. يريد مكافحة الفساد، والثورة على الإقطاع، وتجديد الحياة السياسية. لكن ما العمل إن كان صهره مناضلاً وكفؤاً؟ مأزق أخلاقي ووطني لم يجد الجنرال للخروج منه إلا إطلاق شعار «لعيون جبران باسيل، بلا الحكومة».
فعلاً، بلا الحكومة. ومن يحتاج إلى حكومة ما دام دم الشباب بات يسري في عروق السياسة، من نديم الجميّل إلى نائلة تويني إلى زياد القادري إلى سامر سعادة... ناهيك بالرئيس المكلّف نفسه. شباب لهم الغدُ ومجده المخلّدُ.
إلا أنّ حماسة الشباب تواجه قلقاً وجودياً وأسئلة مصيريّة. فهل يا ترى سيتغدّى ميشال عون مع سعد الحريري؟ ومتى يا ترى يتوقّف نبيه برّي عن صومه عن الكلام؟
بدأ الطقس في بيروت يفقد حرارته. سنودّع قريباً مهرجانات الهبل السياحي. سيعود المغتربون إلى بلدانهم، بعدما تفرّجوا علينا طويلاً. أكلوا طعاماً لذيذاً، وسهروا حتّى الفجر في حانات لا تنام، وهنّأونا طبعاً على «البلد الحلو واللذيذ». أمّا مهرجانات الهبل السياسي، فعروضها متواصلة، وبنجاح كبير.
القرّاء لديهم حريّة الإقلاع عن قراءة المقالات السياسية. أمّا أنا، فلا أكاد أصدّق أنّي أصرف وقتاً لكتابة هذا المقال.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 18 أغسطس، 2009,11:36 م
ماذا عن الناجحين؟

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١٨ آب ٢٠٠٩

ثمّة وجهة نظر معقولة في عدم توزير الراسبين في الانتخابات. وهي وجهة نظر كان النائب ميشال عون نفسه قد تبنّاها سابقاً، وكان سعد الحريري نفسه قد رفضها، سابقاً أيضاً. ليست المشكلة هنا. المشكلة هي أنّ الاعتراض يأتي فقط على الراسبين، فيما لا يعترض أحد على توزير الناجحين في الانتخابات. وكأنّ هؤلاء الأخيرين سيشرّفون الحكومة بأدائهم وتفانيهم من أجل المصلحة العامة. إذا تخيّلنا، لا سمح اللّه، حكومة من الناجحين في الانتخابات، فما الذي سنجده؟ فلنركّز على وزارة واحدة، الداخليّة مثلاً.
ينصبّ الهجوم على جبران باسيل الراسب من التيار الوطني الحر، لكن لا أحد يتحدّث عن خطورة توزير نعمة الله أبي نصر الناجح. سلِّموه وزارة الداخلية، ما دام الجنرال ميشال عون مصرّاً على المطالبة بها، وخذوا على نتائج. بإذنه تعالى، سنُجَرّ جميعاً بأمر جمهوريّ إلى المختبرات للخضوع إلى فحص دم (وجمجمة ربّما) للتأكّد من حقيقة انتمائنا اللبناني. كما قد تُنظَّم مسابقات أسبوعيّة لغير المسيحيّين تُنزَع الجنسيّة اللبنانية من الراسبين فيها، حفاظاً على التوازن الديموغرافي.
أو فلنُعِد الداخلية إلى ميشال المرّ. نعيدها إليه، أي إلى بيته حيث كانت سابقاً. ولنتحوّل جميعاً إلى متسوّلين في إمارة بتغرين من أجل الحصول على أيّ توقيع أو أيّ معاملة. ما ضير ذلك؟ لا شيء، ما دام أبو الياس قد فاز في الانتخابات.
أو فَلْيَنل الداخليّة أحد الفائزين من تيار المستقبل. أحمد مرجعيون فتفت، رمز السيادة والاستقلال على الحدود الجنوبيّة. أو فليتبرّع بها المستقبل إلى حليفه، قائد معركة زحلة، نقولا فتّوش، ولتزهر الكسّارات في ربوع الأرز...
لقد جرت الانتخابات الأخيرة في جوّ من الاستقطاب الطائفي الحاد. وانتُخب الكثيرون ممّن يلبّون متطلّبات الجمهور في جوّ كهذا، أي المرشّحون الأكثر التصاقاً بالطوائف، والأكثر بعداً عن الدولة. لذا، ولمرّة واحدة واستثنائية على الأقلّ، فليجرِ الفصل بين النوّاب المنتخبين والوزراء الذين يجب أن يتمتّعوا بكفاءات إداريّة لا علاقة لها بـ«الشنفرة» الطائفيّة. وزراء سياسيّون، وليسوا من التكنوقراط، إنما من ذاك النوع الذي لم يسعفه ما بقي له من كرامة وحسّ مواطنة أن يركب موجة السعار السائدة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 17 أغسطس، 2009,11:32 م
تعميم النموذج اللبناني

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ١٧ آب ٢٠٠٩


فيما يضيّع اللبنانيّون وقتهم في متابعة آخر التفاصيل الحائلة دون تأليف الحكومة، استغلّ رئيس حكومة تصريف الأعمال فؤاد السنيورة وقته في سبيل العمل على تصدير الثورة. والمقصود بالثورة هنا ليس «ثورة الأرز»، بل «ثورة الإنماء والإعمار» التي شارك في صنعها الرئيس السنيورة، وقاد مسيرتها في السنوات الأخيرة.
فرئيس حكومة البلد الصغير الذي أغرقته «الثورة» بدَيْن كبير، ذهب إلى المغرب ليبشّر بنموذجه الاقتصاديّ الناجح. هناك لم يسأله أحد عن اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر، أو عن التفاوت في الدخل، أو عن الهجرة والبطالة، أو عن الضرائب غير العادلة... هناك تصرّف السنيورة كمن يقبض على الحلّ بين يديه، لا على قاعدة «إذا ابتليتم بالمعاصي، فاستتروا». ففاخر أمام المؤتمرين في «أصيلة» المغربيّة، قائلاً: «أشير إلى أنّ حكومتي قد تقدّمت برؤية اقتصادية للدولة اللبنانية، قد تكون مثالاً لبلدان نامية أخرى»! لا يملك دولته إذاً حلاً لمشاكل لبنان وحسب، بل يقدّم النموذج لجميع الدول النامية. وإذا ما أهملنا الكلام الإنشائيّ الذي تلى إعلان الرؤية هذا، اكتشفنا أنّ أهمّ ما يقدّمه السنيورة للدول النامية هو نصيحة بـ... خصخصة الكهرباء، أو، بحسب ما جاء في كلمته، «إفساح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في إنتاج الطاقة الكهربائيّة...»!
وصْفَةٌ هائلة سيلتفت إليها كبار منظّري اقتصاد التنمية في العالم.
لكن، مهلاً. هذا مجرّد تفصيل. فالنموذج اللبناني لديه الكثير ممّا يقدّمه العالم، وللسنيورة نظريات في «العولمة والتنمية»، والعلاقة بين هاتين بسيطة، ويمكن تلخيصها بتعميم النموذج اللبناني للتسوّل. ومَن كان «أشطر» من السنيورة في تطبيق هذا النموذج: فلندمّر كلّ قطاعات الإنتاج، ولنحوّل اللبنانيين إلى مجموعة متسوّلين يعتاشون على المساعدات الخارجيّة. هناك زاويتان للمسألة، وفقاً للسنيورة. «الزاوية الأولى، وهي المسؤولية التي تقع على عاتق بلدان الشمال لناحية كمية ونوعية المساعدات الخارجية...». أمّا الزاوية الثانية، فهي «المسؤولية التي تقع على عاتق بلدان الجنوب لناحية تخصيب بيئتها الاستثمارية... وتكون بالتالي قادرة على الاستفادة من المساعدات التي تحصل عليها».
هكذا تحوّل عالم السنيورة إلى قرية صغيرة فيها دول غنية وأخرى فقيرة. على الغني أن يساعد الفقير، وعلى الفقير أن يعرف كيف يستفيد من المساعدة. الفقير ليس شريراً، لكنّه يبتزّ الغني نوعاً ما. فإن لم يحصل على مساعدات، يتحوّل إلى إرهابيّ. ولتفادي ذلك، يتحوّل الغنيّ إلى رجل طيّب وسخيّ. وهذا ما يسمّيه السنيورة شراكة حقيقية في عملية التنمية، بخلاف ما جرى خلال التاريخ الاستعماري.
مبروك للدول النامية هذا العالم البسيط المبسّط. ومن يدري؟ ربّما يترحّم اللبنانيون قريباً على عهد فؤاد السنيورة. فمع الشيخ سعد، قد يكون الآتي أعظم.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 13 أغسطس، 2009,6:11 م
النوم مع الأعداء

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ١٣ آب ٢٠٠٩


يأخذ اللبنانيون راحتهم منذ أربع سنوات في التعبير عن مشاعرهم الطائفيّة. لم يعد هناك داعٍ للتورية. ثمّة بحث جارٍ لاستعادة حقوق المسيحيّين التي سلبها السنّة، ودعوات للعروبة السنّية في مواجهة العروبة المزيّفة، فيما الدم السنّي «عم يغلي غلي» في الطريق الجديدة، والدم الشيعي «عم يغلي غلي» في ضاحية بيروت الجنوبية.
لا بدّ من أن يكون لهذا التنفيس عن المكنونات الطائفيّة بعض الإيجابيّات. كما قد يكون مفيداً الكفّ عن النظر إلى الطائفيّة كمرض مستشرٍ أصاب شعباً بعينه. ومن المفيد فهم الهواجس الطائفيّة، ومتابعة تحليلات تحاول فهم آليّات عمل الطوائف، وتبحث عن مخارج للحؤول دون تحوّل الصراعات الطائفيّة إلى نزاعات مسلّحة.
قد يكون كلّ ذلك مقبولاً. ولكن... لا بدّ من بعض الملاحظات:
أوّلاً، يرجى من المولعين بالطائفيّة عدم اقتراف الأخطاء نفسها التي ارتكبها في السابق خصومهم من عشّاق التحليل الطبقي. أي، يرجى عدم اختزال سلوك الأفراد والجماعات بمحرّك واحد أحد لا شريك له. فتماماً كما أنّ الدخل الفردي للمرء لا يختزل موقعه الطبقيّ، وتماماً كما أنّ الموقع الطبقيّ لا يمكنه وحده أن يحدّد الهواجس والأذواق والانتماءات السياسيّة والموقع الاجتماعي، لا يمكن الانتماء الطائفي ـــــ مهما كانت تأثيراته عظيمة ـــــ أن يختزل الحياة السياسية والسلوك السياسي.
ثانياً، لا تنحصر المسألة بالاختزال وحسب. ثمّة مَيْل لفرض التطبيع مع هذا الواقع. فحين يسترسل سياسيّون ومحلّلون في كلامهم عن الطوائف، تراهم لا يفعلون ذلك من موقع المراقب، بل من موقع المدافع عمّا باتوا يعتبرونه من البديهيّات. هل من البديهيّ استخدام مصطلح «مسيحيّو 14 آذار» أو «سنّة المعارضة» مثلاً، فيصبح عمر كرامي رديفاً لكمال شاتيلا، وسمير جعجع رديفاً لنسيب لحّود؟ هل من البديهي العودة إلى أطروحة «المجتمع المسيحي»، واعتماد مصطلح «الهلال الشيعي»؟ ليس الأمر اصطلاحياً بريئاً. نحن أمام محاولة لفرض التطبيع الكامل مع الواقع الطائفي.
ثالثاً، هذان الاختزال والتطبيع يقودان إلى مشروع هيمنة. هكذا تكفّ الطوائف عن كونها تشكيلاً اجتماعياً له مساهماته، إلى جانب تشكيلات أخرى، في تحديد السلوك السياسي والاجتماعي، وتصبح مشروعاً قمعيّاً لا مكان في المجتمع لمن يخرج عنه. الدولة نفسها تصبح مهدّدة ما لم تخضع.
سقط مشروعا 8 و14 آذار. فلم تتحقّق لأيٍّ منهما الهيمنة. لكنّهما أسّسا معاً لهيمنة مشروع ثالث، هو المشروع الطائفي الذي حقّق انتصاراً آخر على الدولة وعلى ما دونها وما فوقها من بنى وتشكيلات.


ا
 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 12 أغسطس، 2009,7:12 ص
«السفارة في العمارة»
خالد صاغية
الأخبار عدد الاربعاء ١٢ آب ٢٠٠٩


هل التقى أحد منكم السيّد علي عبد الكريم علي؟ لمن لا يذكر اسم الرجل، إنّه السفير السوري في بيروت. لمن لا يذكر أيضاً، باتت لدينا سفارة سوريّة في بيروت، وهذه ـــــ كما نسمع ـــــ أحد الإنجازات المهمّة التي حقّقها نضال فريق الرابع عشر من آذار. دولٌ غربيّة عديدة أشادت، هي الأخرى، ببناء علاقات دبلوماسيّة بين لبنان وسوريا. قيل إنّ افتتاح السفارة يمثّل حدثاً عظيماً في تاريخنا الحديث. فهو الدليل الساطع على اعتراف سوريا باستقلال لبنان. ومع ذلك، لا بدّ من توجيه السؤال إلى المتنزّهين في شوارع بيروت: هل التقى أحد منكم السيّد علي عبد الكريم علي؟
كان يمكن لهذا السؤال ألا يطرح نفسه. ولكن منذ فترة غير قليلة، ونحن نسمع يومياً عبارات من نوع: حقيبتي ملأى برسائل تطلب مواعيد من المسؤولين السوريين... فلان لا يحتاج إلى وساطة بينه وبين القيادات السورية... أبواب سوريا مفتوحة أمام الجميع باستثناء قلّة... انتهت مشكلة سوريا مع فلان... فلان يجب أن يحلّ مشكلته مع علّان قبل التوجّه إلى سوريا... سوريا مزّقت صفحة الماضي...
الغريب أنّ صاحب الحقيبة ومتلقّي الرسائل والمتحدّث باسم سوريا في لبنان ليس بالضبط السيّد علي عبد الكريم علي. إنّه شخص آخر لا ينتمي، بحسب معلوماتي المتواضعة، إلى طاقم موظّفي السفارة السوريّة في بيروت.
يطرح ذلك مجموعة من الأسئلة:
أوّلاً، ما قصّة «السفارة في العمارة»، ما هي وظيفتها بالتحديد؟
ثانياً، ماذا يريد السياسيّون اللبنانيّون من القيادة السوريّة؟ بأيّ صفة يطلبون المواعيد؟
ثالثاً، إذا كانت العلاقات اللبنانية ـــــ السورية ستعود فجأة إلى قوانين «حارة كل مين إيدو إلو»، فما الذي كان مقصوداً بتصحيح تلك العلاقات؟
رابعاً، ماذا يفعل الرئيس ميشال سليمان؟ لقد قام بعد انتخابه بزيارة إلى سوريا سمّيت زيارة لإعادة تأسيس العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. ليس واضحاً تماماً ما الذي تأسّس بالضبط. فهل الدولة ورئيسها وأجهزتها مجرّد بدل من ضائع، حتّى إذا ما اصطلحت علاقات كلّ طائفة بدولة ما، انتفت أسباب الرجوع إلى الدولة لتحديد طبيعة العلاقات مع تلك الدولة؟
المواطن السوري علي عبد الكريم علي غائب عن السمع. الرجاء ممّن يعرف عنه شيئاً الاتّصال بالسيّد وئام وهّاب للضرورة.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 11 أغسطس، 2009,11:09 ص
مأزق اليسار وعباءة البيك

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ١١ آب ٢٠٠٩


يبدو أنّ خطوة وليد جنبلاط الأخيرة لم تحدث تغييرات في الوضع السياسي العام وحسب، بل أصابت أيضاً القوى اليسارية التي بدأ النقاش داخلها بشأن الانعطافة اليساريّة للبيك. وقد دغدغ البعض حلم إعادة إنشاء الحركة الوطنيّة، ما دام رئيسها السابق الذي ورثها عن والده مستعدّاً لإعادة تحمّل مسؤوليّة ميراثه. لكنّ اليسار الذي فضحته الحرب الأهليّة، وعرّته مرحلة السلم الأهلي، وكادت تدفنه الانتخابات الأخيرة، يبدو في مأزق أعمق من قدرة أيّ خطوة ارتجاليّة على إعادة إحيائه، وذلك لأسباب عديدة، هذا بعضها:
ـــــ لم ينجز اليسار أي عملية تقويم لتجربة الحركة الوطنية. لا بل يصرّ كثير من اليساريّين على اعتبار البرنامج المرحلي للحركة لا يزال صالحاً للتطبيق اليوم. وحتّى حين لا يعلنون ذلك صراحةً، فإنّ خطابهم لا يشذّ عن كونه مقتطفات عشوائيّة من ذاك البرنامج.
ـــــ لا يملك اليسار أيّ تصوّر لعمله في نظام طائفيّ. ولا تزال الرؤية اليساريّة لهذا الموضوع تتأرجح بين حدّين خطرين. الحدّ الأوّل يعدّ الجماهير مضلّلة سيأتي يوم تصحو فيه من وعيها المزيّف فتنصرف إلى النضال الطبقي الذي يعوقه الآن الوعي الطائفي. وينصرف أصحاب هذا الرأي، بدورهم، إلى انتظار ذاك اليوم المجيد بفارغ الصبر. أمّا الحدّ الثاني، فيضع المسائل الطبقيّة جانباً، ملخّصاً العمل اليساري بالتبشير بالعلمانيّة، وغالباً ما تكون علمانيّة من النوع المتخيَّل الذي لا وجود له حتّى في البلدان التي عُقدت فيها تلك الصفقة بين الدولة والكنيسة.
ـــــ تورّط اليسار في أنماط تفكير وتبنّي مصطلحات أصبحت نتائجها الكارثيّة واضحة على الفئات التي يفترََض أنّه يدافع عن مصالحها، لكنّه لا يزال يجد صعوبةً في التخلّي عن خطابه القديم. خُذ التنمية مثلاً. هذه مفردة لا تزال ترد على لسان اليساريّين كما لو أنّها زبدة النضال، فيما غالباً ما ارتكبت جرائم بحق المستوى المعيشي لعامّة الناس باسم المشاريع التنمويّة.
ـــــ عدّ اليساريّون أنفسهم روّاد الحداثة، وفي الوقت نفسه رأس حربة النضال ضدّ الاستعمار والإمبرياليّة. وهذه وصفة لا يتمنّاها المرء لأحد، بعد التحوّلات التاريخيّة التي بدأت تظهر منذ السبعينيات. ولم تكن الصدفة وحدها ما رمى نصف اليساريّين في حضن الليبراليّة، ونصفهم الآخر في حضن الإسلاميّين، وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع الأحلام الأمميّة، تماماً كما لم تكن الصدفة هي التي جعلت اليسار اللبناني موزّعاً بين 8 و14 آذار.
إنّ المزاوجة بين العجز عن إنتاج فهم للواقع ولغة لتغييره، والعجز عن النضال السياسي اليومي، وصلت إلى مداها الأقصى. وهذا قعر لا تفيد للخروج منه أيّ عباءة، حتّى ولو كانت عباءة بيك.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 6 أغسطس، 2009,11:08 ص
إنّه يفكّر

خالد صاغية

الأخبار عدد الخميس ٦ آب ٢٠٠٩


سعد الحريري في إجازة. إنّه يفكّر.
هذا خبر بحدّ ذاته. إلّا أنّه ليس الخبر الأهمّ. المهمّ هو أنّ عبد العزيز الخوجة بدأ يفكّر عنه. جاء إلى بيروت (في زيارة عائليّة)، والتقى وليد جنبلاط.
الخوجة، كالعادة، لا يتدخّل في الشؤون الداخليّة اللبنانيّة. لكنّه، بوصفه وزيراً للإعلام السعوديّ، جاء يبحث مع جنبلاط المأزق السياسي، من دون أن يتطرّق البحث إلى ما يجري بين المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال والمملكة العربيّة السعوديّة، إثر بثّ اعترافات لشاب سعودي تحدّث عبر المحطّة عن حياته الجنسيّة داخل المملكة. وهذا طبعاً عيب.
ففيما يُعنى وزير الإعلام السعودي بمشاكلنا السياسية، تبحث السعوديّة منع الـ«أل بي سي» من البثّ داخل أراضيها. وفيما أوقفت السلطات السعوديّة الشاب الذي سوّلت له نفسه ممارسة الجنس، وفيما أوقف شخصان آخران لمشاركتهما في برنامج «أحمر بالخط العريض»، يصل وزير الإعلام السعودي إلى بيروت ليقنع جنبلاط بعدم محاصرة سعد الحريري، وخصوصاً أنّ الأخير مشغول الآن. فهو، على ما نقلت وسائل إعلاميّة، يفكّر.
كان الحريّ بأحد ما أن يأخذ جزءاً من وقت الخوجة الثمين ليفاتحه في الموضوع الإعلامي. وربّما كان ينبغي أن يكون المبادر إلى ذلك فريق 14 آذار، وخصوصاً أنّه خاض انتخاباته ببرنامج محاربة الظلاميّة وبثّ روح التعدّدية والانفتاح اللبنانيَّين في العالم العربي. أليس لبنان أكثر من بلد؟ أليس رسالة يقفز بها ثوّار الأرز فوق حواجز التخلّف واللغة الخشبيّة التي تسيطر على وعي الشعوب العربيّة؟
لا نريد أن نتدخّل في الشؤون الداخليّة السعوديّة. ولا نتوقّع من فؤاد السنيورة أن يرسل طارق متري إلى الرياض لإقناع السلطات السعودية بالإفراج عن الموقوفين، أو بالامتناع عن منع المؤسسة اللبنانية للإرسال. لكن، ما دام وزير الإعلام السعودي تحمّل مشقّة القدوم إلينا، كان ينبغي أن نفكّر في مفاتحته بالموضوع، وخصوصاً أنّه لا يكفّ عن التفكير فينا، وعن التفكير عنّا.
سعد الحريري في إجازة. إنّه يفكّر.
هذا خبر بحدّ ذاته. إلّا أنّه ليس الخبر الأهمّ. المهمّ هو أنّ عبد العزيز الخوجة بدأ يفكّر عنه. إيه وْيَلّا... سعودية طْلَعي برّا. حرّية... سيادة... استقلال. وما بدنا كعك بلبنان إلا الكعك اللبناني. والسما زرقا. باق باق باق.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 5 أغسطس، 2009,11:07 ص
باسم الثورة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٥ آب ٢٠٠٩


من بين الردود على انعطافة وليد جنبلاط الأخيرة، تبدو المواقف الأكثر سذاجة هي تلك التي استدعت الجماهير، معتبرةً أنّ جنبلاط قد أخطأ، وأنّ جماهيره ستلفظه، وسيرى نتيجة أفعاله! وإن كان بعض المعترضين قد هدّد بـ«جماهير 14 آذار»، فإنّ آخرين لم يتوانوا عن التبشير بأنّ الجماهير الدرزيّة نفسها ستتخلّى عن البيك.
كأنّ أولئك المعترضين لم ينتبهوا إلى ما فعلته السنوات الأربع الماضية بهذه الجماهير. وكأنّهم لا يريدون أن يروا أنّ 14 آذار نفسها (بمؤازرة تامّة من 8 آذار) تمكّنت من تكريس «الجماهير» بيادق طائفيّة في خدمة زعيم الطائفة الذي يكفي أن يرفع يده حتّى تهبّ الجماهير، ويكفي أن يظهر على شاشة التلفزيون حتّى تبتهج الجماهير، وتبدأ بإطلاق النار فرحاً ونكاية.
طبعاً، لم يخترع فريقا الثامن والرابع عشر من آذار الطائفيّة. لكنّهما أخذاها إلى حدودها القصوى، إلى حدود إقفال النظام نفسه. إلا أنّ ضرورات «الثورة» تقتضي تكذيب الوقائع. فما جرى في يوم 14 آذار لم يكن ائتلافاً طائفياً عمل على إقصاء طائفة رابعة، بل كان ثورة وطنيّة من أجل السيادة والحرية والاستقلال. وما جرى في يوم الانتخابات النيابية لم يكن تنافساً في إقناع المسيحيّين بأي مِن الطائفتين الإسلاميتين عليهم أن يكرهوا أكثر، بل كان نقطة مفصلية اختار فيها اللبنانيون بين «ثقافة الحياة» و«ثقافة الموت».
فحين يكون الثوّار في صلب انشغالاتهم لتغيير التاريخ، يصعب إقناعهم بعكس ما توحي به شعاراتهم الثوريّة. ففي زمن قريب، كانت الجماهير نفسها قد بدأ بعضها يذبح البعض الآخر على الهويّة، ولم يرتدع البعض عن التمتّع بآخر تجلّيات الصراع الطبقي!
لكن مهلاً. قد يواجه جنبلاط فعلاً مشكلة مع الجماهير. إلا أنّه لا أحد سيتّهم جنبلاط بخيانة وطن أو بخيانة ثورة، بل بخيانة طائفة.
يُستحسَن بالأمانة العامّة للرابع عشر من آذار أن تحلّ نفسها طوعاً، بدلاً من التحوّل إلى لافتة تغطّي أبشع الممارسات الطائفيّة باسم انتظار الجماهير وباسم ثورة تفرّج عليها العالم كلّه بواسطة التلفزيون، وصفّق لها مجرمو الحرب في العراق، وتبرّع الجيش الإسرائيلي لحمايتها، فصفّق المجرمون أنفسهم مرّةً ثانية.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 4 أغسطس، 2009,11:06 ص
العونيّون في مهبّ السلطة

خالد صاغية

الأخبار عدد الثلاثاء ٤ آب ٢٠٠٩


كان واضحاً منذ ما قبل الانتخابات النيابية أنّ الاصطفافات بين 8 و14 آذار زائلة، وأنّ مراسم الدفن تحتاج إلى بعض الوقت، ليس إلا. فالانتخابات لم تكن حاسمة بالنسبة إلى مستقبل الفريقين. فلو فاز أي منهما، لما كانت المحصلة لتختلف كثيراً. يمكن القول إنّ الانتخابات كانت تخصّ رجلاً واحداً، اسمه ميشال عون. إمّا أن يسقط ميشال عون، وإمّا أن يفوز. لم يسقط الجنرال، لكنّه لم يفُز. بقي في منطقة معلّقة بين الاثنتين.
ساد تململ وسط التيار الوطني الحر بعد الانتخابات. يطرح البعض قضايا تنظيمية، ويعترض البعض الآخر على مواقف سياسية. لا أحد يعلم إن كان النقاش سيستمرّ أو سيُجهَض كما في المرّات السابقة. لكنّ نكسة الانتخابات يمكن أن يحوّلها التيّار إلى فرصة للاستثمار، كذلك يمكن أن ترمي به خارج الملعب.
فالسؤال الذي ينبغي للتيار أن يجيب عنه اليوم هو مدى قابليّته للتحوّل إلى حزب سياسي. ولا يعني ذلك المستوى التنظيمي وحسب، بل أيضاً القبول بفكرة اللاعب السياسي بدلاً من اللاعب التاريخي.
فمنذ ظهور العماد ميشال عون على المسرح السياسي، وهو يقدّم نفسه شخصيةً تغيّر مسار التاريخ، أكثر منها شخصيةً تصارع لفرض برنامج ودعم رؤية في السلطة، وذلك بصرف النظر عن تقويم مواقفه.
جاء إلى السلطة على رأس حكومة انتقالية، فقال إنّه لا سلطة في ظلّ الاحتلال، وشنّ حرب التحرير. وقال إنّه لا سلطة في ظلّ الميليشيات، فشنّ حرب الإلغاء. وحين ربح معركة «السيادة، والحرية، والاستقلال»، أبى أن يعترف لـ«شركائه» بفضلهم. فالمتعاون مع الاحتلال والوصاية لا يمكن أن يخوض معركة التحرير. خاض الانتخابات وحيداً، وبقي خارج السلطة رافعاً شعار الشراكة، ثمّ قلب الطاولة على رؤوس الجميع بتوقيع وثيقة التفاهم مع حزب اللّه. وحين دخل التيار إلى الحكومة السابقة، رأى أنّ وجوده في السلطة مجرّد محطّة عابرة نحو تغيير المعادلات كلّها في الانتخابات النيابية. و«الملفّات جاهزة، وسترون!».
حين تتألّف الحكومة الجديدة، سيكون وزراء التيار الوطني الحر للمرّة الأولى على طاولة مجلس الوزراء لاعباً سياسياً إلى جانب لاعبين آخرين. هل يقبل التيار شروط اللعبة، أم يختار البقاء معلّقاً بانتظار انقلابات وتغييرات كبرى، ويبقى الجنرال جنرالاً فوق السياسة يشتم الطاقم السياسي كلّه، وفوق الاقتصاد يشتم الفساد والفاسدين؟ وإن قبل التيّار، فماذا عن جمهوره؟


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 3 أغسطس، 2009,5:17 م
فعلها مرّة أخرى

خالد صاغية

الأخبار عدد الاثنين ٣ آب ٢٠٠٩

«قرار وطني حكيم»... «لبنة صلبة في الخيار القومي المقاوم»... «خطوة جريئة عاقلة»... «متوقّعة من وليد بك»... «حماية الهوية العربية المقاومة»... «قدسيّة العلاقة الاستراتيجية بين الشعبين التوأم لبنان وسوريا»... «أهلاً وسهلاً بهذا القرار الوطني العربي النابع من تاريخ هذه الأمّة المقاومة».
هذه عيّنة من عبارات المديح التي بدأ يتلقّاها النائب وليد جنبلاط من أركان المعارضة السابقة، ترحيباً بمواقفه الجديدة. لكنّ وليد بك لم يكتفِ بإطراب «المعارضة» صباح أمس، بل أصرّ أيضاً على دغدغة مشاعر اليساريّين الذين عبّر بعض فصائلهم عن «الفرح الشديد» بعودة جنبلاط إلى «الحضن الدافئ لقوى المقاومة والوطنية والتقدم والعروبة»، متمنّياً «استعادة وحدة الحركة الوطنية اللبنانية». لا بل شمّر الفصيل عن سواعده لبدء «العمل على تنفيذ البرنامج المرحلي للقائد الراحل المعلم الخالد كمال جنبلاط».
في المقابل، جاء ردّ «المستقبل» الساخط «مهضوماً». فإذا كانت المسألة عودة من اليمين إلى اليسار دفاعاً عن العمّال والفلّاحين، فلقد كان «رفيق الحريري عارفاً بمآسي الناس العاديّين، عمّالاً وفلاحين، فكرّس حياته لتحسين معيشتهم»، كما جاء في بيان التيّار النيوليبرالي.
لا ينبغي لاستدارة جنبلاط الأخيرة أن تفرح أحداً. فهي إن دلّت على شيء، فعلى عبثيّة النظام اللبناني. ذاك النظام الذي يحشر دائماً زعماء الأقليات في الزاوية، فيجبرهم على أداء دور البهلوان السياسي. لا يبرّئ هذا الكلام وليد جنبلاط، فهو الابن البارّ للنظام، وأكثر المدافعين في العمق عنه، وأكثر المتباهين بإتقانهم لعبته.
لا ينبغي لهذه الاستدارة أن تفرح أحداً. فهي واحدة من مهازل التاريخ النادرة، حين يخوض حزب الانتخابات وفقاً لبرنامج ولتحالفات معيّنة، ثمّ ينسحب من التحالف ويتنصّل من البرنامج، فور فوزه في الانتخابات. إنّها لحظة سوداء أخرى تشير إلى لاجدوى عملية الاقتراع في لبنان.
الذين آنسهم التحليل الطبقي في كلام جنبلاط، عليهم مراجعة الخطب الراديكاليّة ضدّ أرباح المصارف والاحتكارات خلال اعتصامات وسط العاصمة، وأن يفكّروا في أيّ زاروب يُوظَّف الصراع الطبقي هذه المرّة.
أمّا هواة التحليل الطائفي، فبإمكانهم الملاحظة أنّ الزعيم الدرزي حسم أمره: لا مشكلة لديه مع السنّة. لكنّه لن يخوض معركة دونكيشوتيّة ضدّ الشيعة. لم يبقَ إلّا «حْدَيْدان في الميدان». لا بأس إذاً من التذكير بـ«جراثيم الانعزال» و«محطّة سوق الغرب».
لقد فعلها وليد جنبلاط مرّة أخرى. بكلمة واحدة، غيّر كلّ شيء. أَنْجِدوا البطريرك صفير.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments