الأربعاء، 17 يونيو، 2009,12:11 ص
بورسلين 14 آذار

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٧ حزيران ٢٠٠٩


في أحد مقاهي بيروت المنتشرة على شاطئ البحر، تمّ استبدال كؤوس الشاي الصغيرة والشفافة بفناجين من البورسلين الأبيض. جاءت هذه الخطوة «التقدّمية» بعد أشهر على استبدال السكريّات بظروف صغيرة مقفلة مليئة بالسكر. ولدى الاستفسار عن هذا التحوّل، وخصوصاً أنّه يجافي عادات هذا المقهى وعادات معظم اللبنانيّين داخل بيوتهم، أجاب أحد العاملين في المقهى: «هذا حضاريّ أكثر». وللحفاظ على هذا الوجه الحضاري للمقهى، صدرت أوامر واضحة للجميع بأنّه ممنوع إحضار الكؤوس الشفّافة إلى الطاولات، لأنّها ـــــ على ما يبدو ـــــ تتنافى مع الحداثة. المقهى نفسه كان قد منع قبل أشهر تقديم أيّ نوع من أنواع الكحول لأسباب إيمانية هذه المرّة، لا علاقة للوجه الحضاري بها.
ما يجري في هذا المقهى ليس فريداً. إنّه نوع من اللهاث وراء بعض المظاهر «الحديثة» هرباً من صورة «التخلّف» وعقد النقص الملحقة بها. ولا بأس من إرفاق هذا اللهاث بنزعة تديّن تنعكس على السلوك الاجتماعي، وتضفي على المظاهر الحديثة تعدّداً ثقافيّاً.
لقد جسّدت حقبة فؤاد السنيورة الحكوميّة هذا المنحى. فقد قدّم الرجل نفسه كنسخة كاريكاتورية عن ذلك الحاكم الذي يريد أن يلتصق سياسيّاً بالغرب، وأن يظهر بمظهر المحافظ على مصالح الدولة. ونسخة عن ذاك الإسلام الذي يقدّم نفسه منفتحاً وينفخ في نار المذهبيّة في الآن نفسه. وقد راجت عنه، وعن الوزراء المقرّبين منه، صورة «الخبراء» الآتين من خارج «الزعبرة السياسية» والذين يجمعون بين التديّن الشديد والالتصاق بـ(لا الانفتاح على) السياسات الغربيّة (لا الغرب).
وإذا كانت صورة الحريري الأب وإنجازاته، وصورة الحريري الابن المفجوع باغتيال أبيه، هما اللتين طبعتا انتخابات 2005، فإنّ صورة السنيورة وما مثّله، هي التي طبعت حملة 14 آذار الانتخابيّة.
فالاقتصاد لم يكن طبعاً في مقدّمة اهتمامات الناخبين (الجميع يقرّ بالصعوبات الاقتصادية التي تعانيها البلاد، والتي لم تأتِ بالصدفة)، ولا سلاح المقاومة (أقفل الملف عملياً منذ السابع من أيّار)، ولا العداء لسوريا (الجميع يؤكّد أن لا مجال إلا لعلاقات مميّزة (وندّية) معها). لقد خيضت المعركة في وجه «التشادور» هذه المرّة. جرى تخويف اللبنانيين من نمط حياة وُصف بالمتخلّف والمجافي لعاداتهم. استخدم «التشادور» في تصريحات السياسيين وفي الصور الإعلانية التي كانت تتداوَل على الإنترنت، وفي خلفيّة الحديث عن الشيعة وحزب اللّه وإيران.
وفي المقابل، كان السنيورة يبالغ في التحدّث بالإنكليزيّة، ووزراؤه المقرّبون يكثرون من الحديث عن الانفتاح على العالم وعن الوجه الحضاري للبنان. لقد قدّموا أنفسهم بصفتهم الوجه التكنوقراطي والحديث للدولة اللبنانية، في الوقت الذي كانوا فيه واجهة المشروع الذي يسنده من الخلف القائد السلفيّ لمجزرة حلبا في عكّار، وشيخ الكسّارات في زحلة، والزعيم الشاب للنازيّّين الجدد في المتن، ولائحة العائلات والمحسوبيات في كسروان، ويدعمه المال الوهابي من السعودية، ناهيك بأمراء الحرب ومرتكبي القتل على الهوية الذين توزّعوا على لوائح السلطة على امتداد البلاد.
لقد مثّل لبنان فؤاد السنيورة الحداثة فعلاً. حداثة السياسات النيوليبرالية التي أجهزت على لقمة عيش الفقراء. حداثة التبعيّة. حداثة العروبة المفرّغة من مضمونها. حداثة العنصريّة التي تتلطّى خلف حقوق الإنسان. حداثة كاميرات المراقبة والمضاربات العقارية. حداثة «سوليدير» حيث الجنائن الاصطناعية التي يمنع الجلوس على أحد مقاعدها أو قطف إحدى ورودها، وحداثة بناء المآرب على أنقاض حديقة الصنائع. حداثة «الباركميترز» في الشوارع الضيّقة. حداثة تخريب المواقع الأثرية تشجيعاً للاستثمارات الجديدة. حداثة المؤشّرات الاقتصادية الصمّاء التي تخلو من أدنى حسّ بالعدالة بين البشر. حداثة العنصرية ضدّ الفقراء والمختلفين.
لقد أقدمت غالبية اللبنانيين على الاقتراع للوائح 14 آذار. وبعضهم فعل ذلك بالرغم من احتقاره للمرشّحين عليها. فعلوا ذلك خوفاً من العودة إلى شرب الشاي بالكؤوس الشفافة. فعلوا ذلك دفاعاً عن البورسلين وعن حق السكر في أن يوضّب داخل ظروف مغلقة. هكذا أرتب وأنظف، يقولون. تماماً كما عرفوا أنّ المجرمين والفاسدين والسارقين والطائفيين والعنصريّين وأعداء البيئة... لا بأس بهم ما داموا يخنقون أنفسهم كلّ صباح بربطة عنق ملوّنة.
لقد تشارك 8 و14 آذار في حرماننا من أشياء كثيرة. الفارق أنّ 14 آذار أقنعت جمهورها بأنّه لا بأس في التخلّي عن هذه الأشياء، ما دام الشاي يأتينا بفناجين من البورسلين. وعن الشاي، اسألوا أحمد فتفت العائد إلى البرلمان... واللّه أعلم!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 10 يونيو، 2009,12:17 م
الهروب من المراجعة

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ١٠ حزيران ٢٠٠٩


صناديق لم تُفرَز... خلل في تنظيم اليوم الانتخابي... إنفاق مالي سياسي ضخم... أعداد هائلة من المغتربين... تدخّل الدول الغربيّة تدخلاً سافراً لدعم فريق معيّن... هذه عيّنة من التفسيرات التي أعطتها المعارضة لفشلها في الانتخابات النيابيّة. ثمّة من أضاف أيضاً: دور رجال الدين... تدخّل رئيس الجمهوريّة... ولم يغفل البعض عن إلقاء اللوم على الإقطاع! كأنّ هذه المكوّنات لا يحقّ لها العمل في السياسة، أو أنّ تأثيرها الانتخابي ما كان ينبغي أخذه بعين الاعتبار قبل بدء المعركة.
لعلّ أسوأ ما يمكن أن تقدّمه المعارضة بعد هزيمتها الانتخابيّة هو هذا النوع من التسويغات التي لا تعني إلا هروباً من المراجعة المطلوبة لخطابها السياسي. ورغم أنّ من واجب المعارضة رفع معنويّات جمهورها، فإنّ ذلك لا يمكن أن يجري عبر التمييز بين الأكثريّة الشعبيّة والأكثريّة النيابيّة، لأنّ ذلك من نوافل الديموقراطيّة. فما بالك إن كانت الانتخابات قد جرت وفقاً لقانون حاربت المعارضة من أجله، ووافق عليه الآخرون على مضض؟
ينبغي التوقّف عند مجموعة من الأمور:
أوّلاً، في المذهبيّة: صحيح أنّ الانقسام السنّي الشيعي في البلاد ليس إلا فرعاً من انقسام مذهبي على صعيد المنطقة ككلّ، وصحيح أيضاً أنّ الموالاة كانت تخيّر المعارضة بين الفتنة والانصياع، وصحيح أنّ حزب اللّه كان يعرف أنّ مقاومته هي الخاسر الأكبر من مسألة الفتنة، إلا أنّ الصحيح أيضاً أنّ من السهل تفكيك «كودات» الخطاب السياسي للمعارضة لينفضح طابعه الطائفي. أضف إلى ذلك أنّ حزب اللّه بدا في سلوكه يائساً من استمالة شرائح واسعة من الجمهور السنّي (راقبْ معاملته لرموز المعارضة السنّية)، وفضّل خوض التحدّي عبر الرهان على الحصان المسيحي، مع ما يعنيه ذلك من حصار للطائفة السنّية، بدلاً من البحث عن أرضيّة مشتركة معها.
ثانياً، في اليوم المجيد: صحيح أنّ الموالاة خاضت حملة شنيعة ضدّ جزء من الشعب اللبناني وحاولت عزل واحدة من كبريات طوائفه، إلا أنّ السلوك الأرعن في السابع من أيّار لم يكن ردّاً موفّقاً. فما حدث بقي راسخاً في الذاكرة الجماعيّة لجماهير وجدت في صندوق الاقتراع فرصتها للانتقام. ولعلّ أحد أبرز الوجوه الإيجابيّة لنتائج الانتخابات هو تنفيسها للاحتقان الذي كان سائداً لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، وخصوصاً لا حصراً لدى أبناء الطائفة السنّية.
ثالثاً، في قانون الانتخابات: رغم اعتراض بعض أجنحة المعارضة، قرّرت هذه الأخيرة دعم خيار فصيلها المسيحي في اعتماد قانون انتخابات 1960 الذي يعتمد على النظام الأكثري والدائرة الصغرى (القضاء). وقد تصوّرت أنّ قانوناً كهذا يحمي «الصوت المسيحي»، وأنّ إقراره يزيد من شعبيّة العماد ميشال عون لدى المسيحيّين باعتباره هو من «أعاد الشراكة للوطن». وأهملت المعارضة كلّ التحذيرات من العودة إلى قانون كهذا في ظلّ الانقسام المذهبي الحادّ. لا بل عمد التيار الوطني الحر إلى النفخ في النار الطائفية عبر التشديد خلال حملاته الانتخابية على «تحرير» الأشرفيّة وسائر المناطق ذات الثقل المسيحي. وحرب التحرير هنا موجّهة طبعاً ضدّ أبناء البلد من الطوائف الأخرى.
رابعاً، في وثيقة التفاهم: لم تحسن المعارضة تسويق مضمون وثيقة التفاهم لدى الجمهور المسيحي. ورغم الجهد الهائل الذي بُذِل لكسر الجليد بين الجمهورين المسيحي والشيعي، فإنّ هذا التقارب بقي مبنيّاً على «تحالف» في وجه الآخرين أكثر منه «تفاهماً» على نقاط سياسية ووطنية مشتركة. هكذا اكتشف العونيّون في حملاتهم الانتخابية أنّ جمهورهم لم يستوعب بالضرورة مسألة سلاح المقاومة، وأنّ نقاط التفاهم ليست إلا حبراً على ورق.
خامساً، في الاقتصاد: رغم فداحة السياسات الاقتصادية التي اتّبعها تيار المستقبل منذ انتهاء الحرب الأهليّة، جاء خطاب المعارضة مائعاً في هذا المجال، وكاد يُختصَر بأناشيد مكافحة الفساد التي كان يطلقها العماد عون كلّما سنحت له الفرصة، مهدّداً بفتح الملفّات، كأننّا أمام حرب بوليسيّة. وإن كان ذلك يدغدغ مشاعر بعض أبناء الطبقة الوسطى، فإنّه لا يمثّل مطلباً لدى الفئات الشعبية المستفيدة مباشرة من قنوات الفساد والهدر.
سادساً، في بناء الدولة: رفعت المعارضة شعار «بناء الدولة القوية والقادرة والعادلة». إلا أنّ سلوكها في معظم وزاراتها، وطريقة اختيارها لمرشّحيها، وفقر برامجها، جعلت من هذا الشعار كلاماً في الهواء. أضف إلى ذلك أنّ الدولة لا يمكن أن تبنى مع إحساس طائفة كبرى بالقهر، وقد كرّرت المعارضة في هذا المجال خطيئة الموالاة. وما توزُّع الأصوات السنّية في الانتخابات إلا دليل على أنّ المعارضة، في حال فوزها، لم تكن مؤهّلة لبناء دولة جامعة. أمس، أعلن الأمين العام لحزب اللّه أنّ فرصة بناء الدولة لا تزال موجودة. لندع شعار بناء الدولة الفضفاض جانباً. ما يمكن قوله في هذا السياق هو أنّ العودة إلى الحدّ الأدنى من الاستقرار الذي كان موجوداً قبل أربع سنوات، باتت ممكنة. فالمقاومة خرجت أكثر تواضعاً، والموالاة فازت في ظلّ سياق دوليّ يجعل فوزها غير قابل للصرف في سوق إلغاء الآخرين.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 5 يونيو، 2009,12:15 م
«هاللو» مستر أوباما!

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ٥ حزيران ٢٠٠٩


مزيداً من التصفيق أيّها السادة. فقد اعترف باراك حسين أوباما بدين الإسلام، لا بل استشهد أيضاً بآيات قرآنيّة في خطابه في جامعة القاهرة. ونحن «المستعمَرين» الذين يغالبنا الشعور بالدونيّة، لم نكفّ عن التصفيق كلّما سمعنا آيةً تتلى علينا بالإنكليزيّة. لكن، بصراحة، رغم هذا التناغم الجميل بين الثقافات والأديان، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المشكلة مع الإدارات الأميركيّة لم تكن ثقافيّة في الأصل، وهي ليست مجرّد اختلافات في وجهات النظر السياسيّة. إنّها اختلافات تعمّقت بدماء مئات الآلاف الذين سقطوا في لبنان، وفلسطين، والعراق، وأفغانستان... سقطوا بسلاح أميركي، بدعم أميركي، وأحياناً بيد أميركيّة، يوم كانت الحرب على العراق تسمّى نضالاً من أجل الديموقراطيّة، والحرب على لبنان مخاضاً للشرق الأوسط الجديد.
لكن، لنضع الماضي جانباً. الرئيس الأميركي يدعونا إلى بداية جديدة. هكذا، ببساطة، من دون أن يجد ضرورة للاعتذار للضحايا. لا نقصد إضاعة وقت الأمبراطور الجديد، لكنّه هو من يدعونا إلى الشراكة، ومن حقّنا أن نصدّق. لكن، مهلاً، يستدرك أوباما. فنحن، ما زال أمامنا الكثير لنتعلّمه من «الأخ الأكبر». لن يفرض علينا الديموقراطيّة، قال، لكنّه سيفرض علينا حقوق الإنسان. شكراً على تغيير «الإتيكيت».
وفي أوّل تطبيق للوصفة الجديدة، أراد أوباما من الموارنة اللبنانيين أن يستعدّوا للنظر إلى أنفسهم كأقليات، تماماً كالأقباط، وسيدافع هو عن حقوقهم. أمّا «حماس» المنتخبة ديموقراطياً، فـ«تمثّل، ربّما، بعض الفلسطينيّين». واحتراماً لحقوق الإنسان هذه، على المقاومات المسلّحة في المنطقة أن تنبذ العنف، لأنّ التاريخ (!)، على ما يبدو، أثبت أنّ المقاومة العنفيّة خاطئة. وماذا في المقابل؟ تكرار الكلام نفسه بشأن حلّ الدولتين وخريطة الطريق في فلسطين، مع التجاهل التام لمسألة اللاجئين وحق العودة. أمّا إيران، فعليها التخلّي عن أحلامها النوويّة، تجنّباً لسباق تسلّح نووي في الشرق الأوسط، وكأنّ إيران هي من افتتح السباق. «هاللو» مستر أوباما!
لم تحمل الإمبريالية دائماً خطاباً مبنيّاً على العنف. غالباً ما كان الإغراء أقوى. ويبدو أنّ «التنمية» ستصعد إلى السطح مجدّداً. استعدّوا لمزيد من الضحايا الذين سيسقطون هذه المرّة باسم الإنسانيّة والتقدّم.


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 3 يونيو، 2009,12:13 م
المعركة مصيريّة: يا للهول!

خالد صاغية

الأخبار عدد الاربعاء ٣ حزيران ٢٠٠٩


نهاية هذا الأسبوع، يوم الأحد تحديداً، سيكون اللبنانيّون أمام انتخابات مصيريّة، أو هكذا يدّعون. ولأنّها مصيريّة، أعدّ لها الشعب وقادته كلّ ما أوتوا من قوّة، وذكاء، وحجج سياسيّة. فتفتّقت العقول والنفوس عن شعارات وبرامج ومواقف استثنائيّة تلائم المرحلة الحسّاسة والعصيبة. وقد اتّفق جميع المحلّلين على أنّ المعارك الأكثر حماوة ستكون في المناطق المسيحيّة حيث يواجه مستقلّون وقادةٌ من ثورة الأرز الذائعة الصيت النائب ميشال عون وتيّاره الوطني الحرّ، وذلك لـ«محاسبته» ـــــ وفقاً لتعبير النائب السابق فارس سعيد ـــــ على مواقفه السياسيّة منذ عام 2005. فالمحاسبة، كما هو معروف، ركن من أركان الديموقراطيّة التي يحرص ثوّار الأرز على الانكباب على تطبيقها جيّداً. ولمّا كانت المعركة للمحاسبة السياسية، اختيرت لها عناوين المواجهة السياسية.
في المتن مثلاً، قرّرت قوى 14 آذار خوض المعركة الضارية في وجه التيار تحت شعار «سركيس في خدمة سركيس». شعار معبّر عن الترهّل الذي وصلت إليه هذه القوى التي لم تتمكّن من حجز مقعد على لائحتها لمرشّحها السابق لرئاسة الجمهوريّة، الذي كانت مستعدّة لانتخابه بالنصف زائداً واحداً، ودفع البلاد، من أجله، إلى حافّة الهاوية.
في كسروان، تُخاض معركة كبرى أيضاً في وجه عون، وخصوصاً أنّ الأخير يختار نوّابه فيها كما يختار طفل «صيصانه»، على ما أخبرنا مرشّح للانتخابات ناضل طويلاً كي يحظى بشرف دخول قفص الصيصان هذا. ولهذه الغاية، تولّى السيّدان منصور غانم البون وفريد هيكل الخازن قيادة المعركة. لكنّ خلافهما السياسي المستعر مع عون دفعهما للنضال من أجل لائحة عائلات لا علاقة للسياسة بها! وكاد ذلك أن يتمّ لولا تدخّل السفيرة الأميركيّة ميشال سيسون شخصياً. فالغرب حريص على المضمون السياسي للّعبة الديموقراطيّة. فامتطى كارلوس إدّه حصانه، وتخطّى الحواجز الجبليّة، لينقل ترشيحه من جبيل إلى كسروان، بعدما تبيّن له أنّ الثورة تناديه من حراجل. ولاقاه في منتصف الطريق سجعان قزّي رافع لواء الفدراليّة، بكلّ فخر. وحين أصبحت اللائحة سياسية بامتياز، رفع البون شعار: «منصور بكسروان»! ربّما ليعلمنا أنّه لم يركب خيل إدّه ويعُدْ به إلى جبيل. أمّا الخازن، فأغدق علينا شعارات من الكتب المدرسيّة الابتدائيّة عن الأمّ والأمّة...
وفي جبيل، تألّفت لائحة مواجهة للتيار الوطني الحر، إلا أنّها لم تتّسع لمنسّق الأمانة العامّة لـ14 آذار. هي لائحة لرئيس الجمهوريّة، لكنّها في الوقت نفسه ليست لرئيس الجمهوريّة. حزّورة يتسلّى بها أهالي جبيل من الآن وحتّى موعد الانتخابات.
في الكورة، يخوض فريد مكاري المواجهة. وهو أشهر من أن يعرَّف. فلا تزال المنابر التشريعيّة تشهد له، وكذلك «جيران» لبنان.
لكنّ الأعين تتّجه الآن إلى زحلة، المدينة التي يبدو أنّها ستحسم المعركة على صعيد الوطن كلّه. ولمّا كانت طوائف المدينة قد حسمت خياراتها، تدور الآن حرب خفيّة على بعض العشائر التي يبدو أنّ أصواتها سترجّح فريقاً على آخر، وتحسم بالتالي نتيجة ذاك اليوم المصيريّ. بكلام آخر، إنّ عشيرتين أو ثلاثاً هي التي ستقرّر مصير مواجهة السياسة الأميركيّة في المنطقة، على ما يقول خطاب أحد الفرقاء، أو مصير بناء الدولة في لبنان، على ما يقول خطاب آخر.
في مواجهة ذلك كلّه يقف العماد ميشال عون على رأس التيّار الوطني الحرّ. ولمواجهة الخواء التام لدى منافسيه، طرح التيار شعار الجمهورية الثالثة، واعداً بأن يكون وصول المعارضة إلى السلطة لحظة إنهاء الأسس التي قامت عليها الجمهورية السابقة. لكن، ما إن بدأ الهجوم على «الجمهورية الثالثة»، حتّى اكتشفنا أنّ المقصود، حسب ما أوضح عون في ما بعد، ليس إقامة جمهورية جديدة، بل نحن نعيش أصلاً في الجمهورية الثالثة التي يدعوها الجهلة زوراً جمهورية ثانية!
وبما أنّنا في الجمهورية نفسها، سمح التيار لنفسه بأن يلعب لعبة منافسيه الطائفية. فها هي ماكينة أحد المرشّحين العونيّين تردّ على الكلام الطائفي لبعض مرشّحي 14 آذار عن الطائفة الشيعية وولاية الفقيه، بكلام أكثر طائفية يحذّر ناخبي الأشرفية من الأخطار التي تمثّلها الطائفة السنّية على المرشّحين، والتي تبزّ الأخطار الآتية من الشيعة!
وفي السياق نفسه، لم يجد التيار ما يرمي به المرشّحة نائلة تويني إلا إبراز صورة عن بطاقة شخصية لها مكتوب عليها أنّ ديانتها «مسلمة»، ويا للهول!


 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments