الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2008,11:19 م
الأيديولوجيا عاريةً
خالد صاغية
عدد الثلاثاء ٣٠ أيلول ٢٠٠٨
سقطت خطّة الإنقاذ المالي في الكونغرس الأميركي. أكثريّة الديموقراطيّين صوّتت مع الخطّة. أكثريّة الجمهوريّين صوّتت ضدّ الخطّة. الديموقراطيّون المعترضون لم يروا في المشروع المقدّم ما يضمن جدّياً مصالح دافعي الضرائب الأميركيّين. الجمهوريّون المعترضون رأوا في الخطّة تهديداً لمبادئ الاقتصاد الحرّ. الأوائل رفضوها لأسباب تتعلّق بمصالح الناس. الأخيرون رفضوها لأسباب أيديولوجيّة. إنّها واحدة من اللحظات التي يتّضح فيها زيف الادّعاءات اليمينيّة (من دون أيّ خلط بين اليسار والحزب الديموقراطي). ففي الولايات المتّحدة، كما في أماكن أخرى من العالم، يُتّهم اليسار عادةً بالدفاع عن الأيديولوجيّات من دون أخذ الوقائع بعين الاعتبار. المطالبة برفض الخصخصة والدفاع عن امتلاك الدولة لبعض القطاعات الحيويّة، والدفاع عن التقديمات الاجتماعية للمواطنين، كانت تُصنَّف كلّها في خانة «الكلام الأيديولوجي» البائد. أمّا الانتصار لاقتصاد السوق، فلم يكن يُصنَّف في خانة العقائد والأفكار المتصلّبة، بل في خانة «الطبيعيّة»، إن صحّ التعبير. لم يكن الدفاع عن اقتصاد السوق المتفلّت من عقاله دفاعاً عن عقيدة، كان يقدَّم لنا باعتباره ترك الأمور على هواها كما شاء ربّ العالمين. إنّها الطبيعة البشريّة...
على أيّ حال، ليست المرّة الأولى التي يبدو فيها الديموقراطيون أكثر حماسةً من الجمهوريين للدفاع عن مصلحة النظام الرأسمالي، وحسن سير عمله. ففي مراجعة لمسار الاقتصاد الأميركي، يمكن بسهولة ملاحظة أنّ التراكم الرأسمالي إنّما كان يحصل دائماً في عهود الرؤساء الديموقراطيّين، ذلك أنّهم الأحرص على النظام. ولأنّهم كذلك، هم أكثر مطالبةً بشيء من العدالة فيه. أمّا الجمهوريّون، فلم يكن التراكم الرأسمالي هو ما ينتج من سياساتهم، بل ارتفاع حدّة التفاوت الطبقي. وكأنّ الديموقراطيّين يفرضون قيوداً لإبعاد الكأس المرّة التي تحدّث عنها كارل ماركس حين قال إنّ الرأسماليّة ستنتج استقطاباً حادّاً بين أغنياء وفقراء. أمّا الجمهوريّون، فهم الذين كانت سياساتهم تستعجل هذا الاستقطاب. لقد أدرك الديموقراطيّون، عموماً، أنّ بإمكانهم التمييز بين مصلحة النظام والمغالاة في الدفاع عن مصلحة بعض كبار الرأسماليّين. طبعاً، إنّه درس لا ينطبق على الولايات المتّحدة وحدها.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 29 سبتمبر، 2008,7:05 م
أهل الفقيد
خالد صاغية
الأخبار عدد الاثنين ٢٩ أيلول ٢٠٠٨
يمكن التسليم بالطائفيّة كأحد دوافع العمل السياسي في لبنان. لكن من الصعب القبول بحصر العمل السياسي بالتسابق على بثّ التحريض الطائفي، والدفاع عن مصالح الطوائف. الجلسة الأخيرة لمجلس النوّاب كشفت أنّ «شلش الحيا» قد طقّ فعلاً، ما يرجّح دخولنا منذ اليوم حتّى موعد الانتخابات النيابيّة في موجة من السعار الطائفي شبيهة بما شهدناه إبّان انتخابات المتن الفرعيّة، يوم جرى التسابق على استثارة المشاعر الطائفيّة والتباهي بالمجازر التي ارتكبت بحقّ الفلسطينيّين في لبنان. يومها، كانت الانتخابات تجري على مقعد واحد، والتنافس محصوراً بين زعيمين من الطائفة نفسها. يمكن التكهّن بما سيؤول إليه الوضع خلال انتخابات ستجري في كل الأقضية، وفي يوم واحد. عندها، ستمتلئ رئات المواطنين بالهواء الطائفي، وستتلبّد السماء بغيوم طائفيّة، وستمتلئ صناديق الاقتراع بأسماء طائفية لمرشّحين ركبوا بوسطات طائفيّة يقودها أمير طائفي.
لقد نجح الساسة اللبنانيّون في تجاوز أدقّ المراحل السياسيّة، والانطلاق في حملة تقبيل لحى، كأنّ شيئاً لم يكن، من دون تقديم أيّ نوع من التنازلات لإصلاح النظام السياسي الذي أوصل البلاد إلى شفير حرب أهليّة. وقد فُوِّتت فرصة إدخال إصلاحات حقيقيّة على قانون الانتخاب. حدث ذلك أمام شهود زور كثيرين. كانوا هناك، وصفّقوا طويلاً، غير آبهين بما تصنعه أيديهم، ما دامت مقاعدهم الوثيرة ما زالت تتّسع لهم.
من الصعب تحميل اجتماع المجلس النيابي وحده مسؤولية كلّ ذلك. صدق من قال إنّ المطلوب الحفاظ على «روحيّة» اتفاق الدوحة. فالواقع أنّ السياسة في لبنان قد ماتت مع اتفاق الدوحة، وربّما قبل ذلك، حين أساء فريقٌ ائتمان السلطة، وحين ردّ فريق آخر بالحسم العسكري. ما جرى في مجلس النوّاب يوم السبت لم يكن إلا مراسم الجنازة. لكنّ البهجة كانت واضحة على ملامح أهل الفقيد.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 26 سبتمبر، 2008,7:06 م
الأيدي الممدودة
خالد صاغية
الأخبار عدد الجمعة ٢٦ أيلول ٢٠٠٨
رغم أهميّة لقاء المصالحة في قريطم أوّل من أمس، يتعذّر على الباحث عن صورة جميلة لهذا اللقاء أن يجدها. لم تنشر الصحف صورة واحدة تستحقّ هذه التسمية، سواء كانت لمصافحة أو عناق أو حوار جرى بين النائب سعد الدين الحريري وأيّ شخصيّة من وفد حزب اللّه. لا يتحمّل المصوّرون الصحافيّون وحدهم مسؤوليّة غياب اللقطة الجذّابة. فغياب لقطة كهذه كان سياسيّاً بالدرجة الأولى، ويحمل رمزيّة ذات مغزى. فالوفدان «المتصالحان» التقيا كمن يعقد اجتماعاً حزبيّاً سريّاً. لم يكن الهاجس الأمني هو الطاغي، بل الهاجس الشعبي، كأنّ المجتمعين يخافون أن يضبطهم جمهورهم في هذا الوضع المتلبّس.
يعرف تيّار المستقبل وحزب اللّه أنّ الخطوة التي قاما بها ليست شعبيّة، وكيف تكون كذلك بعدما أمضيا شهوراً طويلة يمارسان الحقن والحقن المضاد. وسيواجه كلّ منهما جمهوره على حدة. لكنّ مهمّة «المستقبل» تبدو أكثر صعوبة، بعدما «نفّس» حزب الله بعض احتقان جمهوره في عمليّة السابع من أيّار، فيما لم تزد هذه العمليّة جمهور «المستقبل» إلا احتقاناً. فما هو الثمن الرمزي الذي سيقدّمه حزب الله كي يتمكّن الحريري من التقدّم خطوة أخرى إلى الأمام؟بانتظار الجواب وعقد لقاء الحريري ـــــ نصر الله، لا بأس من الانتقال السريع من أجواء التحريض المذهبي إلى خطاب الأخوّة وأبناء الوطن الواحد الذين لا غنى لواحدهم عن الآخر، ولبنان التنوّع الذي لا يمكنه العيش إلا بتعدّديّته وبطوائفه المتنوّعة، وذلك قبل أن نكتشف أن لا حاجة للمصالحة لأنّ الجميع متصالحون، أمّا أصل المشكلة، كما أخبرنا النائب محمد رعد، فهو عدم المصارحة. نعم، إنّه نقص في التواصل رغم تطوّر وسائل الاتّصال، ورغم أنّ شبكةً للاتّصالات هي التي فجّرت «القلوب المليانة».
دخل الزعماء اللبنانيّون فجأةً في سباق مدّ الأيدي. الجميع يده ممدودة. وبعد المصالحات، ستزداد هذه الأيدي امتداداً، وستكون رقبة المواطن وجيوبه جاهزة.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 25 سبتمبر، 2008,7:08 م
الفصل الثاني
خالد صاغية
الأخبار عدد الخميس ٢٥ أيلول ٢٠٠٨
ما كادت أحداث جورجيا تشتعل، حتّى بشّر البعض بنهاية عصر الهيمنة الأميركية، فضلاً عن الحنين إلى زمن الحرب الباردة الذي قاد إلى تناسي الفارق بين روسيا والاتحاد السوفياتي والمتغيّرات التي جرت بين انهيار الثاني وبدء صعود الأولى. وما كادت القضية الجورجية تغادر واجهة الأحداث، حتّى اندلعت أزمة الأسواق المالية، فذابت المسافات بين أزمة تصيب قطاعاً محدّداً في الاقتصاد الأميركي، وانهيار للمنظومة الاقتصادية الأميركية. لكثرة ما تراكمت خيبات المعادين للهيمنة الأميركية، منذ نصف قرن إلى اليوم، يبدو التفاؤل بأفول هذه الهيمنة ضرورة لاستمرار مقاومتها والنضال ضدّها. لكنّ هذا التفاؤل نفسه قد يتحوّل إلى عيش هانئ في عالم الأحلام المنقطع عن الواقع وتعقيداته. يحاول البعض لصق هذه النزعة التفاؤليّة بالعرب وحدهم، بعد أن يُتبنّى بعض الصفات التي أغدقها الخطاب الاستشراقي عليهم. لكنّ الحقيقة أنّ العرب بعيدون عن التفرّد بهذه المبالغة في تصديق قرب انهيار الإمبراطوريّة.
لندع جانباً ما تقوله الشعوب المقهورة الأخرى، ولننظر إلى مثالَين متباعدَين للنقاشات داخل الولايات المتّحدة نفسها.
المفكّر الماركسي إيمانويل والرشتاين كتب مقالته السياسيّة الدوريّة الأخيرة تحت عنوان «النظام الجيوسياسي العالمي الجديد: نهاية الفصل الأوّل». إنّها نهاية قد حُسمت مع الاتفاق الذي وقّعه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ممثّلاً أوروبا، مع الرئيس الروسي ديميتري مدفيديف في التاسع من أيلول الجاري. الولايات المتحدة لم تغب عن هذا الاتفاق وحسب، بل قدّمت مليار دولار لإعادة إعمار جورجيا، من دون أن يشمل ذلك أي مساعدات عسكرية. ومن لم يفهم مغزى هذه الخطوة، سارع وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس إلى إفهامه، حين قال: «إن قمنا بأي عمل متسرّع، فقد ينتهي الأمر إلى أن نكون نحن المعزولين».
يقرن والرشتاين فقدان الولايات المتحدة لأي أوراق رابحة في جورجيا، بالفشل الذي تواجهه في الشرق الأوسط، وتحديداً في العراق وباكستان وأفغانستان، حيث بدأ حلفاء أميركا الأمينون يعترضون على عملياتها العسكرية داخل بلدانهم. تغيّرت قواعد اللعبة إذاً، وبات على الولايات المتّحدة أن تلعب وفقاً لقواعد جديدة. فقد تغيّر عالم ما بعد الحرب الباردة.
إنّها نهاية الفصل الأوّل، يقول والرشتاين. نهاية بات معها واقع تعدّد الأقطاب حقيقة. لكنّ الفصل الثاني هو ما سيوضّح الصورة، قبل أن نشاهد الفصل الثالث والأخير.
على الطرف النقيض من والرشتاين، يطلّ روبرت كاغان، أحد منظّري المحافظين الجدد ومستشار الشؤون الخارجية للمرشّح الجمهوري جون ماكاين. لا يُغفل كاغان أخطاء إدارة جورج بوش، لكنّه ينفي الصورة السوداويّة التي يحاول البعض رسمها. فبعكس والرشتاين، لا يرى كاغان في الوضع الدولي الحالي تهديداً لهيمنة الولايات المتّحدة الأميركية. صحيح أنّنا لا نشهد تعاوناً مع الإدارة الأميركية من النوع الذي كان سائداً أيام الحرب الباردة، لكنّ النظام العالمي لن يتغيّر: ستبقى الولايات المتحدة هي القوّة العظمى الوحيدة، وإن نَمَتْ إلى جانبها قوى متعدّدة.فالقوى الأخرى الآخذة بالصعود لا يمكنها أن تتكتّل لتشكّل قطباً مواجهاً. الصين، مثلاً، تبقى أكثر توجّساً من روسيا ممّا هي عليه تجاه أميركا. أمّا البرازيل والهند، فلا يعنيهما توازن القوى مع الأميركيين. أوروبياً، نيكولا ساركوزي وأنجيلا ميركل أكثر قرباً من الولايات المتحدة بما لا يقاس ممّا كانت عليه الحال في زمن جاك شيراك وغيرهارد شرودر. أمّا دول أوروبا الشرقية، فيزداد خوفها من روسيا يوماً بعد يوم. حتّى في الشرق الأوسط، لم يحصل أي تغيير استراتيجي لغير مصلحة الولايات المتحدة. يكفي أن نقارن وضع دول الخليج ومصر والأردن وسوريا بما كان عليه في زمن عبد الناصر والسوفيات.
لا يدافع كاغان عن كلّ ما قامت به إدارة جورج بوش، لكنّه يدافع عن دوافعها التي لم تكن، بحسبه، تدخّليّة في شؤون العالم بقدر ما كانت واقعية تنطلق من الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة. ورغم العديد من الأخطاء، يرى كاغان الحرب على الإرهاب نجاحاً عظيماً لبوش. «فما من مراقب جدّي اعتقد بعد 11 أيلول أنّ سبع سنوات ستمرّ من دون اعتداء إرهابي إضافي واحد على الأراضي الأميركية».
رغم الاختلاف في تقويم التأثيرات التي ستتركها البوشيّة على مستقبل الدور الأميركي في العالم، فإنّ الواضح، حتّى في تحليل كاغان، أنّ الفصل الأوّل قد انتهى. وإذا كان والرشتاين قد أفرط في تفاؤله بشأن الفصل الثالث، فقد بقي لنا اليوم أن نختلف على طبيعة الفصل الثاني.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 24 سبتمبر، 2008,7:03 م
الحزب الشيوعي «المزعج»
خالد صاغية
الأخبار عدد الاربعاء ٢٤ أيلول ٢٠٠٨
حمل تشويه أضرحة شهداء المقاومة الوطنية اللبنانية في كفررمان عشيّة ذكرى انطلاقة هذه المقاومة دلالةً رمزيّةً هامّة. فكثيرون يودّون لو تُمحى عبارة «جمّول» من الذاكرة، ولو أنّ الحزب الشيوعي اللبناني لم يكن أباً لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي. لكن من سوء حظّ هؤلاء أنّ الشيوعيّين هم الذين اخترعوا المقاومة في لبنان، وهم الذين لم يضيّعوا البوصلة، فبقوا على عهدهم في دعم المقاومة حتّى حين انتقلت إلى أيدي سواهم. ليس سهلاً أن يكون حزب ما مصرّاً على أن يبقى حزباً شيوعياً، في بلد كلبنان حيث لا مكان لسياسة لا يقوم بها أمراء الطوائف، ولا مكان لنضال لا يتأقلم مع الحفاظ على المصالح الطبقيّة لكبار التجار والمستوردين وأصحاب المصارف والمضاربين العقاريّين. حتّى الصناعيّون، عليهم أن يبرزوا أنيابهم من حين إلى آخر كي يحصلوا على حصّتهم المتنازع عليها مع باقي الرأسماليّين.
لذلك، لم تكن صدفة أن تتّفق أطياف النظام اللبناني منذ نشوء هذا الكيان على محاربة وصول أيّ ممثّل للحزب الشيوعي إلى الندوة البرلمانيّة. كان ذلك قبل أن يصبح الرجوع إلى قوانين تعود خمسين عاماً إلى الوراء موضةً، وقبل أن يصبح التجديد اليساري يعني الوقوف سياسياً في خندق الإمبرياليّة، واقتصاديّاً في خندق النيوليبراليّة. كان ذلك أيضاً قبل أن يصبح مجرّد ذكر دور الحزب الشيوعي في المقاومة عملاً شاقّاً لا يقوى عليه المقاومون الجُدد.
ليس سهلاً أن يستمرّ أيّ حزب شيوعيّ في الوجود بعدما استُغِلّ انهيار النظام السوفياتي للانقضاض على المكاسب التي حقّقتها الطبقة العاملة بالعرق والدم في جميع أنحاء العالم. فالمقصود بتهميش الأحزاب الشيوعية، في لبنان وفي العالم، ليس محاربة تنظيم سياسي بعينه، بل محاولة إسقاط فكرة ألهمت المناضلين والفنانين والعمّال والمثقفين طوال أكثر من قرن، وهي فكرة مقاومة التسلّط الطبقي. فكرة اختراع بديل من تقسيم العمل ونمط الإنتاج الحالي الذي لا يستقيم من دون عمليات الاستغلال. لقد بات مجرّد الحديث عن العدالة الاجتماعية يصنَّف في عداد اللغة الخشبيّة، فكيف بالحلم بنظام اقتصادي جديد؟ ثمّة من يريد لهذا الحلم أن ينتهي.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 23 سبتمبر، 2008,6:58 م
اختراع الأزمة
خالد صاغية
الأخبار عدد الثلاثاء ٢٣ أيلول ٢٠٠٨
رافقت أخبار الأزمة المالية مبالغات كثيرة حول مستقبل النظام الرأسمالي، واستطراداً الدور الأميركي في العالم، وخصوصاً أنّ تلك الأزمة قد وقعت بعد أحداث جورجيا التي بدا فيها العملاق الأميركي عاجزاً عن الدفاع عن حلفائه. ذابت المسافات بين انهيار يصيب العالم ويقود إلى نهاية النظام الرأسمالي، وأزمة تفرض على الرأسمالية إجراءات تكيُّف تتمّ عادة على حساب السمك الصغير الذي يودّع اللعبة، تاركاً الملعب لأسماك القرش. فالأزمات جزء من طبيعة النظام الرأسمالي، وليست دلالة على تعثّره، عدا عن قرب نهايته.
فلنبدأ من المعادلات البسيطة للرأسمالية: رأس مال وعمّال يبيعون قوّة عملهم ومواد أوّلية... يجتمعون معاً في عمليّة إنتاج يحصل فيها العامل على راتب يقلّ عن قيمة عمله، ويحصل فيها ربّ العمل على أرباح لا علاقة لها بعرق جبينه. هذا الاجتماع السعيد، حتّى لو كان مرضياً للجميع، لا يتحقّق دائماً. كثيراً ما تواجهه ظروف غير ملائمة. وهذا ما يمثّل المشكلة الأبرز للرأسمالية. فقد يكون رأس المال متوافراً، وعمّال كثيرون مستعدّين للعمل، ومواد أوّلية متوافرة، لكن ما من فرص استثمار مربحة تدفع أصحاب الرساميل للدخول في استثمار من أي نوع كان. فلنسمِّ ذلك رأس مال عاطلاً من العمل.
كثيراً ما يلجأ النظام إلى اختراع الأزمات ليحلّ مشكلته هذه. وكلمة «اختراع» قد تعني هنا تعمّد افتعال الأزمات من قبل القوى المهيمنة على النظام، وقد تعني أيضاً ولادة طبيعيّة للأزمة، يفرزها النظام بين الحين والآخر، تماماً كما تفرز الورود عطراً وشوكاً.
لا يعني ذلك أنّ الأزمات ضرورية دائماً لحلّ المشكلة. قد توجد حلول أكثر سهولة. المهمّ، بحسب بعض مفكّري الاقتصاد السياسي، التفتيش عن الآخر، عمّا هو خارج النظام، أي الدول التي لم تدخل تماماً بعد في الدورة الرأسمالية. هناك تكثر فرص تحقيق الأرباح، شرط إقحام هذه «الدول العذراء» في النظام. هكذا تتدخّل عادة المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد مثلاً، لفرض سياسات على دول العالم الثالث يكون الهدف منها خلق فرص عمل لرأس المال المتراكم، والعاطل من العمل، في العالم الأوّل. يمكن إدراج عمليّات الخصخصة في هذا السياق. إنّها «نصائح» توجَّه إلى، أو تُفرض على، الدول النامية من أجل بيع ممتلكاتها بأسعار متدنّية على الأرجح، فينقضّ رأس المال الجائع عليها ويحوّلها إلى فرصة استثمار مربحة. إنّه واحد من الحلول التي يلجأ إليها رأس مال دول المراكز لحلّ مشكلته.
لكنّ الأمور لا تجري دائماً بهذه «السلاسة»، ما قد يفرض نشوب حروب ونزاعات تنتهي بإذعان الطرف الأضعف. وقد كُتب الكثير عن اغتيال رؤساء دول أو انقلابات في أميركا اللاتينية وغيرها، انتهت بفتح الأسواق أمام رأس المال الجائع.
مع ازدهار الأسواق المالية، بات بالإمكان اللجوء إلى أساليب لا تقلّ أذية عن الحروب، لكنّها أقلّ خدشاً للذوق العام ولحساسيّة المدافعين عن حقوق الإنسان. أحد هذه الأساليب افتعال الأزمات المالية، كما حصل مثلاً في دول شرق آسيا نهاية التسعينيات. مئات الآلاف من الضحايا وجدوا أنفسهم فجأة في العراء. وفي المقابل، ثمّة من سطا على الأصول التي فقدت قيمتها، من عقارات وأسهم، وحقّق أرباحاً خيالية. عمليّة «نظيفة» وفريدة من نوعها. ثمّة ضحايا كثيرون، لكن ما من مجرم واحد. حققت أزمة الأسواق المالية «حلّاً» لرأس المال الباحث عن فرص رابحة، وقامت بنوع آخر من توزيع الدخل المعكوس، تماماً كالذي تحقّقه السياسات المالية والضريبية للنيوليبرالية. بخلاف ما جرى في شرق آسيا، إنّ ما جرى في الأسواق المالية أخيراً لم يُفرض من الخارج. لم يُفرض أيضاً على «خارج» ما. لقد ابتدع النظام، هذه المرّة، «خارجه» الخاص. إنّها عملية «إعادة ترتيب للبيت الداخلي». عملية مؤلمة من دون شك، لكنّها تنتهي أيضاً بإعادة توزيع معكوس للدخل. ثمّة من خسروا بيوتهم أو عجزوا عن تسديد القروض للمصارف. وثمّة من سيحقّق أرباحاً من الصفقات التي تمّت على ظهر الإفلاسات. لقد تدخّلت الدولة طبعاً، تدخّلت حين شعرت بأنّ الأمور قد تفلت، وبأنّ الإفلاسات قد تتوالى على طريقة تهاوي حجارة لعبة الدومينو.
لقد ربحنا عقلنةً للنظام الرأسمالي. أمّا الرأسماليّة، فقد ربحت نفسها.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 22 سبتمبر، 2008,6:55 م
كأس مرّة
خالد صاغية
الأخبار عدد الاثنين ٢٢ أيلول ٢٠٠٨
تشارك الأطراف السياسية في مواسم المصالحات، كمن يتجرّع كأساً مرّة. فريق لا يريد أن يصالح إلا بعد أن يعرّي الفريق الآخر تماماً، وفريق يمدّ يد المصالحة مصحوبةً باستدراك مفاده: نصالح طبعاً... لكن على قاعدة أنّ الحقّ معنا. وفيما يقدّم التيار الوطني الحر وحزب الله نموذجاً عن مصالحة النوع الأوّل، حفلت الخطب خلال إفطارات النائب سعد الدين الحريري بمصالحات النوع الثاني، قبل أن يدلي أمس سمير جعجع بدلوه في الإطار نفسه. «إنّنا نجري المصالحات لأنّ فيها مصلحة لتجنيب الوطن الحوادث»، يقول زعيم الأكثريّة موضحاً أنّ هذه المصالحات «لن تغيّر ثوابتنا الأساسيّة»، قبل أن يتّهم الفريق الآخر بحمل مشروع حرب أهليّة.
إذاً، ينطلق زعيم تيار المستقبل من صحّة ثوابته التي لا تتغيّر، ليطمئن جمهوره إلى أنّ ما يجري من مصالحات ليس إلا فعلاً اضطراريّاً لإفشال مخطّط الفريق الآخر في زعزعة الأمن وإطلاق الحرب الأهليّة.
وبمنطق شبيه، يخاطب سمير جعجع أنصاره. فهو لا يريد مصالحةً وحسب، بل إنه يتوق إلى الوحدة السياسيّة بين المسيحيّين كخطوة نحو الوحدة الوطنيّة. لكنّه يتساءل: «ولكن قولوا لي بربّكم حول ماذا نتوحّد؟». وتماماً كالحريري، يؤكّد صوابيّة ثوابته التي هي «الثوابت التاريخيّة للمسيحيّين في لبنان، التي كانت دائماً، محرّك الوجدان الجماعي المسيحي... فأين هم مسيحيّو 8 آذار من هذه الثوابت اليوم؟».
تجري المصالحات إذاً على هذا الإيقاع. لكن من غير المنصف تحميل قوى 14 آذار وحدها مسؤوليّة ما يجري. فالفريق الآخر يطرح المصالحة بعدما استخدم السلاح في بيروت والجبل، مرسياً قاعدة «السلاح للدفاع عن السلاح». ومن نافل القول أنّ معادلة كهذه تجعل الحوار حول الاستراتيجيّة الدفاعيّة أشبه بمشهد هزلي في كوميديا سوداء. إنّ ما جرى في 7 أيّار يقفل، عن حق أو عن غير حق، ملفّ السلاح، أقلّه مؤقّتاً. لقد أدرك النائب وليد جنبلاط هذه الحقيقة البسيطة. بقي على الآخرين ألا يجعلوا من سلاح المقاومة شأناً انتخابياً، وأن يقبلوا بحوار يطال المسائل المصيريّة الأخرى، بدءاً من النظام السياسي وصولاً إلى المعالجات الاقتصاديّة. هكذا تبنى الدولة، إذا ما وُجِد حقاً من يريدها.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 19 سبتمبر، 2008,5:18 م
طاولة الحوار

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ١٩ أيلول ٢٠٠٨

«كيف بلغت الأمور هذا الحدّ؟ لا أعرف. كانت أحداثاً مؤسفة وغير ضرورية... تعادلنا في الخسارة... وأنا مستعدّ لإعادة الأمور إلى سابق عهدها». هكذا افتتح دون كورليوني اللقاء في قصر بعبدا، بعدما توجّه بالشكر إلى غريمه دون بارزيني، «أريد أن أشكرك لمساعدتي على تنظيم هذا اللقاء اليوم. وأشكر كذلك الرؤساء الآخرين للعائلات الخمس من نيويورك ونيوجرسي، وأيضاً الشركاء الآخرين الذين أتوا من كاليفورنيا ومن كنساس سيتي، وباقي المقاطعات في البلاد. شكراً لكم». بعد توتّرات ومعارك دمويّة بين أبناء العائلات الإيطالية الخمس الكبرى، ارتأى أمراء هذا العائلات أنّه لم يعد باستطاعتهم تحمّل كلفة الحروب الصغيرة في ما بينهم. فقد بدأت تلك الحروب تؤثّر على مصالحهم وأعمالهم. بادر دون كورليوني إلى طلب الحوار، واستجاب دون بارزيني الذي دعا الجميع إلى طاولة مصالحة في إحدى قاعات مكتبه.

تلاقى دونات الطوائف في فيلم «العرّاب»، ودار عتاب في ما بينهم. لكنّ ذلك لم يمنعهم من التحدّث بصراحة عن ضرورة التحلّي بالمنطق، وإيجاد طريقة سلميّة لتقاسم الغنائم.

دون بارزيني: «نشكر دون كورليوني للدعوة إلى هذا اللقاء. نعرف جميعاً أنّه رجل صادق ومتواضع، يصغي دائماً إلى المنطق... الأيّام تبدّلت. لم يعد الأمر كما كان في الماضي حين كنّا نقوم بما يحلو لنا»...

كورليوني: «آمل أن نجتمع هنا لنتحاور بالمنطق. وبما أنّي رجل منطقي، سأفعل كل ما هو ضروري لإيجاد حل سلمي لمشاكلنا».

بارزيني: «اتفقنا إذاً... وسيسود السلام في ما بيننا».

تتاليا: «يجب أن أحظى بضمانات من كورليوني. مع مرور الزمن وازدياد نفوذه، هل سيعمد إلى الأخذ بالثأر؟».

كورليوني: «تتكلّم عن الثأر. هل سيعيد لك الثأر ولدك أو يعيد لي ولدي؟ أتنازل عن الثأر... دعوني أقسم لكم بحياة أحفادي إنّني لن أكون الشخص الذي يخرق السلام المعقود هنا اليوم».

عناق بين كورليوني وتتاليا. تصفيق.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 18 سبتمبر، 2008,5:00 م
إعادة اعتبار
خالد صاغية
عدد الخميس ١٨ أيلول ٢٠٠٨
حين يعلن هوغو تشافيز رغبته في تأميم مصرف أو شركة، يُتَّهَم بالجنون أو بالإصابة بحنين مَرَضيّ إلى زمن الاشتراكيّة الذي ولّى. أمّا حين تتدخّل الدولة الأميركيّة وتشتري ثمانين في المئة من شركة عملاقة للتأمين، فيُعَدّ ذلك تحلّياً بروح المسؤولية وإنقاذاً للأسواق المالية من الانهيار. ليست المرّة الأولى التي تعمد فيها الولايات المتّحدة الأميركية إلى التأميم. فإنقاذها أمس لشركة AIG سبقته عمليّات مشابهة عديدة، ما دفع نوريل روبيني، أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك، إلى ملاحظة أنّ حجم التأميمات التي قامت بها الدولة الأميركية هو الأكبر في تاريخ البشريّة. «الرفاق بوش، بولسن وبرنانكي»، يقول روبيني متهكّماً، حوّلوا الولايات المتحدة إلى «جمهورية الولايات الاشتراكية المتحدة»، فـ«الاشتراكية حيّة ترزق في أميركا. لكنّها اشتراكيّة للأغنياء وأصحاب النفوذ وول ستريت. اشتراكية خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر»!
قيل هذا الكلام قبل أيّام من إفلاس «ليمان بروذرز»، لتعود تأميمات الأمس وتؤكّد صحّته. 85 مليار دولار من أموال المواطنين الأميركيّين استخدمت أمس لإنقاذ شركة التأمين الأكبر في العالم. «مبلغ أضخم من أن يتحمّله الشعب الأميركي»، قالت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، معترضةً.
لا تمثّل التأميمات الأميركيّة طبعاً عودةً للاشتراكية، بل تسقط صفة القوانين العلمية عن كثير من الوصفات التي روّج لها الخبراء الاقتصاديّون في العقود الماضية، وتثبت أنّ أفكاراً سائدة ستضمر، لتعود إلى السطح أفكار كانت قد وُصفت بالانتماء إلى اللغة الخشبية. فلم تسقط مقولة عدم التدخّل في حركة الأسواق المالية وحسب، بل بدا علم الاقتصاد السائد عاجزاً عن تقديم تفسير لما حصل، باستثناء تأكيد الجشع والطمع، وكأنّ الطبيعة البشريّة قد تمخّضت فجأةً عن هاتين الآفتين. كما لا بد من ملاحظة أنّ المصرف المركزي الأميركي لم يلجأ إلى خفض الفائدة للخروج من الركود، لعلمه المسبق بأنّ هذا الإجراء الكلاسيكي الذي تدرّسه كتب الاقتصاد ليس في الواقع علاجاً ناجعاً حين تدخل الرأسماليّة في إحدى أزماتها.
الرأسمالية نظام غير مستقرّ بنيوياً، يتأرجح بين صعود وهبوط، لذلك لا بدّ من تجاوزه. هذه إحدى الخلاصات الأساسيّة لكارل ماركس الذي يثبت التاريخ يوماً بعد يوم كم كان صائباً.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 17 سبتمبر، 2008,4:58 م
تدخّل الدولة والأنبياء الكذبة
خالد صاغية
الأخبار عدد الاربعاء ١٧ أيلول ٢٠٠٨
رغم الدلالات الخطيرة التي تحملها قضية «ليمان بروذرز» على الاقتصاد العالمي، ثمّة من رأى إيجابيّات في ترك هذه الشركة العملاقة تواجه مصيرها. فقد أدّت الدولة الأميركية أدواراً كبرى لإنقاذ شركات عديدة في الآونة الأخيرة. ضُخّت مئات مليارات الدولارات لشراء شركات مالية أوشكت على إعلان إفلاسها. فساهمت الدولة بذلك في إفساد هذا النوع من الشركات، وتشجيعها على القيام بمغامرات غير مضمونة النتائج. كان يمكن للمليارات هذه، التي تُحصَّل من ضرائب المواطنين، أن تستخدَم في مجالات أخرى كالتقديمات الاجتماعية مثلاً، بدلاً من دعم اللاهثين وراء الربح السهل.
لا يطرح ذلك سؤالاً عن الأسواق المالية وحسب، بل عن دور الدولة أيضاً. فقد استطاعت النيوليبرالية أن تروّج لأسطورة عدم تدخّل الدولة في السوق، متّخذة من «دعه يعمل، دعه يمرّ» شعاراً للإغواء، ما دام كلّ ذنب النيوليبراليين أنّهم يدعون إلى الحرية المطلقة التي يؤمّنها السوق، فيما يحاول جهاز يدعى الدولة أن يحشر أنفه في ما لا يعنيه. لقد مثّلت هذه «الشائعة» ركيزة أساسيّة من سحر الليبرالية الجديدة التي أدّت، في ما أدّت إليه، إلى تدمير دولة الرعاية.
غير أنّ الوقائع، ومنها ما تشهده الأسواق المالية أخيراً، تدحض هذه الشائعة التي تحمل الكثير من السحر والقليل من الصحّة. فالنيوليبرالية لم تكن في الواقع مع الحدّ من تدخّل الدولة في الاقتصاد، بل مع تغيير اتّجاه هذا التدخّل. فبعدما كان دور الدولة ما بعد الحرب العالمية الثانية التخفيف من حدّة التفاوت الطبقي الناجم عن عمليات السوق المنفلتة من عقالها، بات دور الدولة النيوليبرالية التدخّل لترسيخ هذا التفاوت لمصلحة رؤوس الأموال، وأحياناً لمصلحة نوع واحد منها.
ينطبق ذلك على تدخّل الدولة لمنع الإفلاسات، كما ينطبق حتّى على سياسات الخصخصة. صحيح أنّ الخصخصة تعني نقل الملكيّة العامّة إلى القطاع الخاص، لكنّها تعني أوّلاً دولة قويّة تتدخّل في الاقتصاد لفرض عملية نقل الملكية هذه.
آن الأوان لتسمية الأشياء بأسمائها: إنّ ما عاشه العالم في السنوات الثلاثين الأخيرة لا يتعلّق بصراع نظريّ على جدوى تدخّل الدولة، بل بصراع طبقيّ على وجهة هذا التدخّل.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2008,4:51 م
الرأسماليّة في أزمة
خالد صاغية
الأخبار عدد الثلاثاء ١٦ أيلول ٢٠٠٨

قد لا تتوالى الانهيارات في الأسواق العالمية. لكنّ ما يجري في عالم اليوم بدأ يدقّ جرس إنذار حقيقياً بأنّ الرأسمالية، كما عرفناها منذ بداية الثمانينيات، لم تعد قادرة على الاستمرار. ليست هذه المرّة الأولى التي تغيّر الرأسماليّة فيها جلدها. فما شهدناه قبل الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929 كان مختلفاً عن الدور الفاعل الذي اضطلعت به الدولة بعد الحرب العالمية الثانية واعتماد سياسة «النيو ديل» الأميركية. يومها فضّل الرأسماليّون إعطاء العمّال حصّة من رغيف الخبز بدلاً من خسارة الرغيف كلّه، وذلك قبل أن يعاود النيوليبراليّون اكتشاف نعمة السوق ويده الخفيّة، بعد الركود الذي شهدته فترة السبعينيّات.
لقد حملت النيوليبراليّة وعوداً ورديّة جمّة. قالت للعالم (الثالث خصوصاً): افتحوا الأسواق أمام البضائع ورؤوس الأموال، ارفعوا الدعم، كفّوا يد الدولة، وخذوا ما يُدهش العالم. خذوا مزيداً من فرص العمل، وارتفاع معدّلات النموّ، وانتقال المعرفة والتكنولوجيا إلى الدول النامية. وفيما كانت أطروحات «نهاية التاريخ» تقفل المشهد السياسي على انتشار الليبرالية والديموقراطية الغربية، كان الليبراليون الجُدد يعِدون بعالم يتضاءل فيه التفاوت الطبقي بين بلدان الكرة الأرضيّة. سيصبح العالم قرية واحدة ذات نظام سياسي واحد، ونظام اقتصادي واحد.
للأسف، لم يتحقّق الحلم كما رسمه الخبراء وصنّاع السياسات. تراجع النموّ عالمياً عمّا كان عليه قبل هذه الانعطافة، وتقلّصت القيمة الحقيقية للأجور، وارتفعت البطالة ومؤشّرات عدم المساواة، فيما اتّسعت الهوّة بين بلدان العالم الثالث والبلدان المسمّاة صناعيّة والتي بدأت تهجر الصناعة لحساب الأسواق المالية.
لا يمكن إعادة خطر الركود الذي يجتاح العالم اليوم إلى مجرّد أزمة عابرة. إنّه نتيجة أساسية من نتائج التناقضات التي تحملها السياسات النيوليبرالية. فمكافحة رفع الأجور مثلاً لا بدّ من أن تنعكس سلباً على الاستهلاك، وكذلك سياسات خفض الضرائب على الأثرياء التي تقلّص حجم الأموال في خزائن الدول، فتؤثّر سلباً على الإنفاق الحكومي والضمانات الاجتماعية، ما يضاعف من أزمة الركود. ليس إنفاق الأفراد والدول وحده ما يتأثر سلباً، بل إنفاق المستثمرين أيضاً الذين لن يجدوا فرصاً مربحة في الاستثمار المنتج (الصناعة مثلاً) ما دام الطلب منخفضاً، فيتّجهون إلى الأسواق المالية بحثاً عن الربح السريع والسهل.
لقد ترافقت النيوليبرالية مع نموّ ظاهرة انتقال رؤوس الأموال من عالم الإنتاج إلى عالم الأسواق المالية. لم نعُد هنا في دائرة الاقتصاد التقليدي حيث يسير الاقتصاد المنتج والاقتصاد المالي جنباً إلى جنب، فيقوم رأس المال المالي بشراء أوراق (أسهم) تدرّ عليه أرباحاً في آخر السنة، فيما يقوم رأس المال الصناعي باستخدام ما جناه من بيع هذه الأوراق في تطوير بنيته الصناعية. لقد ذهب رأس المال المالي بعيداً في لعبته، فباتت حركة البيع والشراء في الأسواق المالية تخدم المضاربات أكثر ممّا تخدم تطوير الإنتاج، فتضاعفت احتمالات انفجار الفقاعة المالية. فهذه الأوراق، في نهاية المطاف، ليست «فِيَش» بوكر، ولا يمكن للّعب بها أن يستمرّ من دون نموّ وبنية اقتصاد حقيقي.
على الرغم من نموّ ظاهرة تحوّل رؤوس الأموال إلى العالم المالي بدلاً من عالم الإنتاج، لا يرى العديد من المحلّلين الاقتصاديين في هذه الظاهرة طوراً جديداً من أطوار الرأسماليّة. فقد رافقت هذه الظاهرةُ الرأسماليةَ على الدوام، وما نشهده اليوم هو مجرّد انتفاخ في حجمها لا أكثر. وذهب محلّلون آخرون إلى اعتبار نموّ هذه الظاهرة دليلاً على قرب نهاية الأمبراطورية الأميركية باعتبارها القوّة المهيمنة على العالم الرأسمالي اليوم. فتاريخ الرأسمالية عبارة عن عصور متتالية تهيمن على كلّ منها قوّة محدّدة، ما إن تأفل حتّى تحلّ محلّها قوّة أخرى تبسط هيمنتها على طور جديد من الرأسمالية. ووفقاً لهذا التحليل، يتميّز كلّ عصر بسيطرة رأس المال المنتج تليه سيطرة رأس المال المالي. وما إن يأخذ الأخير مجده، حتّى يبدأ مجد القوة المهيمنة بالأفول، مفسحة المجال أمام قوّة أخرى يعود معها رأس المال المنتج إلى الواجهة.
قد يكون من المبكر الحديث عن نهاية الهيمنة الأميركية، وعن القوى التي ستعيد الاعتبار إلى الإنتاج. لقد كثُر الحديث في التسعينيات عن اليابان، ثمّ جاء اليوم دور الصين، وربّما الهند. إلا أنّ شمس الأمبراطوريّة قد لا تغيب قريباً. لكن يبقى أنّ أزمة الأسواق المالية تنذر بالانتقال إلى نوع آخر من الرأسمالية، نوع لا تؤدّي الدولة فيه دور الخادم الأمين للسوق واحتكاراته. أمّا صنّاع سياساتنا اللبنانيّون، فما زالوا يردّدون ببغائيّاً آخر إنتاجات الفنّ النيوليبرالي.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 8 سبتمبر، 2008,4:49 م
التوتّر والمصالحة
خالد صاغية
الأخبار عدد الاثنين ٨ أيلول ٢٠٠٨
أشار السيّد حسن نصر اللّه في خطابه أمس إلى أنّ علاقة حزب الله ببعض القوى السياسية في لبنان بدأت تتوتّر على خلفية تصريح للنائب وليد جنبلاط أعلن فيه أنّ المشكلة الأساسية مع حزب الله هي موقفه من النظام السوري، وأنّ الحزب لم يعلن تضامنه مع الشعب السوري وحسب، بل أصرّ أيضاً على التضامن مع النظام والقيادة. قد يكون الانقسام بشأن الموقف من النظام السوري، في ظلّ الهجمة الأميركية على المنطقة، إحدى المشكلات الأساسية في الصراع بين القوى السياسية اللبنانية. صعّد وليد جنبلاط. وصعّد حزب اللّه. وبدأت القطيعة بين الفريقين. منذ أحداث أيّار، وجنبلاط يبعث بأكثر من رسالة إيجابية إلى حزب الله، فيما لا يزال خطابه معادياً للنظام السوري(بصرف النظر عمّا إذا كانت هناك رسائل يحملها الوسطاء إلى دمشق). لم يغيّر جنبلاط موقفه من النظام (حتّى الآن)، لكنّه سمع من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أنّ المطلوب هو تغيير سلوك النظام السوري، وفَهم أنّ تغيير النظام غير مطروح على الأجندة الأميركيّة، وفهم أيضاً أنّ الطرق لن تكون ورديّة أمام فريق 14 آذار.
إذا كان حزب الله صادقاً في رغبته في المصالحة الوطنية حقاً، فعليه عدم انتظار انفراج العلاقة بين سوريا وجنبلاط كي ينجز مصالحته هو مع الزعيم الدرزي. وخطاب الوزير محمد فنيش خلال احتفال عبيه، بعد تحرير سمير القنطار، يجب أن يستكمل بمبادرات شجاعة وجدّية تجاه جنبلاط، وخصوصاً أنّ عدم المبادرة في هذا الاتجاه اقترنت بأكثر من دعوة واستعداد للمصالحة مع تيار المستقبل، كأنّ حزب اللّه مهتمّ بمصالحة المستقبل درءاً للفتنة السنّية الشيعية، وغير مهتمّ بالدرجة نفسها بمحاورة جنبلاط تحقيقاً للمصالحة الوطنية.
لقد تغيّرت الرياح الدولية لغير مصلحة قوى 14 آذار. واستخدم حزب الله وحلفاؤه القوّة في شوارع بيروت والجبل، معزّزين اختلال التوازن في القوى. من موقعهم القويّ هذا، عليهم ألا ينتظروا دعوة الآخرين للتلاقي، وهم الذين يعون تماماً أنّ وليد جنبلاط يستحق المصالحة قبل غيره من السياسيين، وذلك لألف سبب وسبب.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
السبت، 6 سبتمبر، 2008,4:47 م
أبو العبد
خالد صاغية
الأخبار عدد السبت ٦ أيلول ٢٠٠٨
مساء يوم الخميس، دعا زعيم الأكثريّة النيابيّة جيران قصره في قريطم إلى حفل إفطار. وأخبرهم أنّه معاذ الله أن يكون زعيماً سنّياً، فهو ينتمي إلى مدرسة الوالد الذي رفض إلا أن يكون زعيماً وطنيّاً لكلّ اللبنانيّين. جاء هذا الكلام الطيّب للشاب الطيّب بعد سيل من الكلام المذهبي والتعبئة المذهبية التي مارسها تيّار المستقبل وعدد لا بأس به من نوّابه، راكبِي البوسطات الماهرين، ومنهم متذوّق الشاي الأوّل في الجمهوريّة. غير أنّ قاعدة «خذوا أسرارهم من صغارهم» تحتّم علينا أحياناً الاستماع إلى نائب لا يحتلّ موقعاً قياديّاً في حركة 14 آذار المجيدة، كي نعرف المنطق الوطني الذي تتبنّاه هذه الحركة الاستقلاليّة. نقدّم لكم أيّها الإخوة النائب محمد عبد اللطيف كبارة، المعروف طرابلسيّاً بأبو العبد، والذي أصرّ أمس على أن يشرح لنا ما يجري في مدينة طرابلس، فقال: «طرابلس مستهدفة. هذا الأمر كنّا نعرفه، ولكن الآن هناك من يعلنه. ولكن لماذا طرابلس مستهدفة؟ ماذا فعلت طرابلس كي تكون مستهدفة؟ وما هو عنوان الاستهداف؟ طرابلس مستهدفة، وببساطة أيها الإخوة، لأنها عاصمة السنّة في لبنان».
برافو أبو العبد. وهل من وسيلة أنجع من التحريض المذهبي لكسب الانتخابات النيابية؟ فـ«الهجمة على طرابلس هي هجمة على الطائفة اللبنانيّة السنّية لإطاحة دورها، وإخضاعها للقوى الإقليمية التي تسعى إلى إخضاع كل العرب».
Go أبو العبد Go. لذلك، يحذّر كبّارة «كل المتآمرين»، قائلاً: «طرابلس ليست بيروت الغربية الجريحة. طرابلس ليست محاطة بمربعات أمنية تعاديها. طرابلس محاطة بأهلها، ببيئتها التي تتفاعل معها».
حسناً فعل الطرابلسيّون حين رفعوا صورة محمد عبد اللطيف كبارة خلال الانتخابات الماضية، وكتبوا تحتها: «نثق بهذا الرجل». فمن هو أكثر أهلاً بالثقة من الذي يسجّل المدن اللبنانية بأسماء طوائف محدّدة. ومن هو أكثر أهلاً بالثقة من الذي يشكر اللّه على نعمة عدم الاختلاط بالطوائف الأخرى. ومن هو أكثر أهلاً بالثقة من الذي يكشف خطوط المؤامرة والمتآمرين. بقي أن نعرف رأي زملاء أبو العبد في «التكتّل الطرابلسي»، وخصوصاً أنّ بينهم نصرانيّاً... أعوذ باللّه.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 5 سبتمبر، 2008,4:44 م
من هو المعتدل؟

خالد صاغية

الأخبار عدد الجمعة ٥ أيلول ٢٠٠٨

«المعتدلون العرب» معتدلون تعريفاً. لكنّهم غير معتدلين في نظرتهم إلى إيران، لأنّ الأخيرة، برأيهم، تريد إلغاء الاعتدال في العالم العربي عبر إقامة «هلال شيعي» يقسّم المنطقة تبعاً للمذاهب. وهم غير معتدلين في نظرتهم إلى قسم من مواطنيهم الذين ينتمون إلى الطائفة الشيعيّة، لأنّ هؤلاء الأخيرين، برأيهم، مجرّد «جاليات» في الوطن العربي يسعون لنصرة دولة إيران غير المعتدلة. وهم غير معتدلين في نظرتهم إلى الإسلاميّين، لأنّ هؤلاء، برأيهم، ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض على الاعتدال في المجتمع. وهم غير معتدلين في نظرتهم إلى الحركات المقاومة لأنّ المقاومين غير معتدلين في نظرتهم إلى الصراع العربي الإسرائيلي. وهم غير معتدلين في نظرتهم إلى سوريا، لأنّ الأخيرة تدعم المقاومة ولا تشجّع على الاعتدال. وهم غير معتدلين في نظرتهم إلى الاعتدال الأوروبي الذي بدأ بالانفتاح على سوريا. لكن، رغم ذلك، «المعتدلون العرب»، تعريفاً، معتدلون.

على المقلب الآخر، ثمّة دولة تُدعى سوريا. لا تدّعي الدولة الاعتدال، ولا عُرف عن نظامها ذلك أصلاً، لا اليوم ولا قبل أربعين عاماً. فُرضت عليها العزلة نتيجة ابتعادها عن محور الاعتدال، وتبدو علاقتها بجيرانها اليوم كالآتي: إيران دولة صديقة، يسعى الفرنسيّون لإقناع سوريا بالتوسّط لديها لحثّها على معالجة ملفّها النووي. تركيا، هي الأخرى دولة صديقة، تؤدّي دور الوسيط في مفاوضات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل. لم تمانع سوريا في مفاوضة إسرائيل، من دون أن تتخلّى عن نقاط قوّتها في هذه المفاوضات. أمّا العراق، الذي كان في حال قطيعة تامّة مع سوريا استمرّت سنوات طويلة، فأصبح يرسل موفدين يطلبون تدخّلاً سوريّاً للمساعدة في إحلال الأمن في بلاد ما بين النهرين. وفي لبنان، انسحب الجيش السوري، ورغم كل تجاوزات ذاك الجيش في المرحلة السابقة، لبنان كلّه ينادي بعلاقات مميّزة، شرط أن تكون ندّيّة. والمغالون في عدائهم لسوريا ليسوا في وضع سياسي وشعبي يُحسَدون عليه.

قد يختلط الأمر على المشاهد. قد تبدو سوريا اليوم في موقع الاعتدال. قد يكون ذلك وليد سياسات سوريا نفسها، وقد لا يكون، لكنّه بالتأكيد نتيجة السياسات الطائشة لمحور «الاعتدال».

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 4 سبتمبر، 2008,4:35 م
الفقراء لا الفقر
خالد صاغية
عدد الخميس ٤ أيلول ٢٠٠٨
تحمل الصحوة المفاجئة لمكافحة الفقر في الشمال نزعة أقرب إلى العنصريّة والتمييز ضدّ الفقراء. فالمتباكون اليوم على حرمان مدينة طرابلس هم صانعو هذا الحرمان، والساهرون على بقائه لسنوات طويلة. وبعد دموع التماسيح التي ذرفها بعض السياسيّين على «أهله» في طرابلس (الحبيبة طبعاً)، وبعد كرنفال السرايا الإنمائي ومسارات السنيورة الستّة، جاء دور المطارنة الموارنة (هل يذكرهم أحد؟) وبيانهم الدوري.
يقول السادة المطارنة: «في المدن الكبرى من لبنان خصوصاً، تعيش فئات من المواطنين في حالة فقر مدقعة، والفقر تربة خصبة باندلاع الاضطرابات». ما من جملة أشدّ بلاغةً للتعبير عن الأحاسيس الجيّاشة تجاه فقراء طرابلس. فالفقر ليس مكروهاً بسبب تأثيره السيّئ على حياة الناس الفقراء، بل بسبب تسهيله اندلاع الاضطرابات، وبالتالي تعكير صفو حياة الأثرياء. فلو لم يكن الفقر مولّداً لهذه الاضطرابات، لما كانت هناك أيّ مشكلة في بقاء باب التبانة على بؤسها نصف قرن آخر من عمر هذه الجمهورية.
لا يكتفي السادة المطارنة بازدراء الفقراء، بل ينتهزون المناسبة لنفث الحقد ضدّ الشيوعيّة التي عرفت، برأيهم، كيف تستغلّ الفقر لتسيطر على الناس. ليس الموضوع هنا ثأراً قديماً، بل تأكيد للكابوس الذي لا يزال يمثّله الحلم الشيوعي بالنسبة إلى كثيرين. ليست الشيوعية، بالطبع، ما يمثّل خطراً اليوم، إنّما مجرّد الحلم بمواجهة الاستغلال الطبقي هو الذي لا يزال يقضّ المضاجع.
لا ذكر للفقراء في بيان المطارنة. إنّه الفقر الذي يولّد الاضطراب، والذي استغلّته الشيوعيّة للسيطرة على الناس. وحين يُذكر هؤلاء «الناس» في البيان، يُذكرون بصفتهم «فئات متطرّفة وغير منضبطة تنتظر من يستأجرها لإثارة البلبلة وإشاعة الاضطرابات، وهي تكتفي بالنزر القليل من المال...»!
كان يمكن المطارنة الموارنة أن يكونوا أكثر دقّةً. لكنّهم، هم أيضاً، سقطوا في فخّ الجوّ السياسي المشحون الذي يجعل من الناس بضاعة رخيصة لا قيمة إنسانيّة لهم إلا حين يراد التباكي على الشباب المهاجرين، إذا كانوا من حملة الشهادات طبعاً.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 2 سبتمبر، 2008,4:30 م
خصخصة يا دولة الرئيس؟
خالد صاغية
الأخبار عدد الثلاثاء ٢ أيلول ٢٠٠٨
من بين النوم على حرير والنوم بأعين مفتوحة، وبعد الدعوة لتحديد مفهوم الوطن والمواطن والمواطنية، وبالتزامن مع رفض احتكار أيّ طائفة لأي بقعة جغرافية، أعطى الرئيس نبيه بري ضوء «المعارضة» الأخضر للمباشرة بمشروع خصخصة قطاع الكهرباء، متسائلاً عن أسباب التأخير في هذا الإنجاز الوطنيّ الكبير. هكذا، ببساطة، وبعد ثلاث سنوات من انتقاد السياسات الاقتصادية السابقة، تتبنّى «المعارضة» ركناً أساسياً في تلك السياسات.
فبعد النظام الضريبي المتحيّز لمصلحة الأثرياء، وبعد السياسات المالية التي أعادت توزيع الدخل بالمقلوب، وبعد المضاربات العقارية، وبعد اللعب بالتعرفات الجمركية، وبعد، وبعد... كان لا بد من الخصخصة كي يكتمل مشروع النهب المنظّم، وكي تعلن المدرسة النيوليبرالية إنهاء مهمّتها في لبنان، بعد إعادة ترميم التسلّط الطبقي الذي كان عنف الحرب الأهليّة قد هزّ بعض دعائمه.
لكنّ الغريب أنّ رئيس المجلس النيابي لم يُبدِ حماسة للخصخصة بحدّ ذاتها. لقد خصّ الكهرباء بحماسته لتسليم هذا المرفق العام إلى القطاع الخاص اللاهث وراء مراكمة الأرباح على حساب الحاجات الأساسية للمواطنين. ربّما كانت الحماسة لخصخصة الخلوي «أهون شرّاً»، أمّا الحماسة لوضع الماء أو النور تحت رحمة السوق وتقلّباته واحتكاراته، فهذا ما يصعب فهمه. وقد حاول المرجع «المعارض» تبرير موقفه قائلاً إنّ الدولة قد أثبتت أنّها منتج فاشل للكهرباء. لكنّ هذه الحجّة من النوع الذي «لا يقلي عجّة». فإذا كان الحكم على الدولة بالفشل في مجال ما، يبيح نقل مسؤولياتها إلى القطاع الخاص، لوجب علينا خصخصة لائحة طويلة من الأمور، بدءاً بالأمن مثلاً. ألم تثبت الدولة فشلها في حفظ الأمن ومنع الاغتيالات والتفجيرات؟ هل علينا أن نحاكم المطالبين بتعزيز الجيش والقوى الأمنية، وأن ندلّهم على طريق آخر يقضي بتسليم قطاع الأمن إلى الشركات الخاصّة؟ وإذا كان الأمن مسألة سياديّة لا يجوز للدولة التخلّي عنها، فإنّ لقمة عيش المواطن وحاجاته الأساسية هي بالتأكيد مسائل لا تقلّ سياديّةً.
الواقع أنّ «الدولة» لم تفشل في إنتاج الكهرباء. إنّ السياسات التي اتّبعها الطاقم المنادي بالخصخصة هي التي أدّت إلى وصول الوضع إلى ما هو عليه. الأحرى تغيير هذا الطاقم، لا تغيير المولّدات.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 1 سبتمبر، 2008,4:26 م
1، 2، 3... تنمية!
خالد صاغية
الأخبار عدد الاثنين ١ أيلول ٢٠٠٨
تذكّر السياسيّون فجأةً مدينة اسمها طرابلس. مدينة دخلت في النسيان منذ أوائل الثمانينيّات، ولم تعُد إلى الساحة إلا لأيّام يتيمة قضاها النائب سعد الدين الحريري في فندق «كواليتي إن» قبيل الانتخابات النيابية الماضية، لتعود المدينة من بعدها إلى زوايا النسيان نفسها.
تذكّر السياسيّون فجأةً مدينة اسمها طرابلس. وها هم يَعِدونها بحثّ الدولة على إقامة مشاريع إنمائيّة في المدينة، بعد جرس الإنذار الذي دقّته الإشكالات الأخيرة، وبعد تنامي ظاهرة السلفيّة.
لكن، مهلاً، من هم هؤلاء السياسيّون الذين أسعفتهم الذاكرة أخيراً؟ يمكن القول إنّهم ينقسمون إلى أربع فئات: الفئة الأولى هي التي بنت مجدها السياسي على الخدمات، وهي لم تحلّ محلّ الدولة الغائبة وحسب، بل بذلت جهدها كي تبقى الدولة غائبة، فلم تطالب من موقعها السياسي بأي مشروع للمدينة، لكنها سعت إلى ربط المواطنين (الناخبين) بشبكة محسوبيّات تابعة لها.
الفئة الثانية مسؤولة عن الحرمان التاريخي لطرابلس، لأنّ «بيتها» السياسي تصرّف أحياناً بذهنية إقطاعية أرادت أن تبقي العلم والثروة حكراً عليها، خوفاً من صعود اجتماعي يهدّد زعامتها التقليديّة.
الفئة الثالثة تقبع في موقع المسؤولية داخل أجهزة الدولة منذ زمن. وهي حين تقوم بمشاريع إنمائية، تستخدم مال الدولة، لكنّها تحرص على إشعار المواطنين بأنّها هي، كتيّار سياسي، من يقدّم هذه الخدمات، وما الدولة إلا قناة مرّت الخدمة عبرها.
الفئة الرابعة لا علاقة مباشرة لها بالمدينة، لكنّ سلوكها في المناطق المعنية بها لم يشذّ عن علاقة زعماء الشمال بمدينتهم.
يصبح الوضع أكثر سوءاً حين نعرف أنّ جميع هذه الفئات من السياسيّين متورّطة، بطريقة أو بأخرى، بتمويل أو تنظيم أو «المونة على» مجموعات تحمل السلاح في باب التبانة حيث «قبضايات» الأحياء مرتبطون كلٌّ بزعيمه.
رفع راية التنمية في الشمال لن يكون اليوم أكثر من شعار انتخابي في أحسن الأحوال، وطلسم آخر من طلاسم السياسة لإبقاء القبضة محكمةً على أعناق المواطنين. أمّا الربط بين الأصوليّة والفقر، فهو سذاجة كذّبتها الأحداث التي جرت في العالم أخيراً. فما بالك ببلاد لا يكفّ متنوِّروها عن بخّ السمّ المذهبيّ؟

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments