الجمعة، 30 مايو، 2008,9:27 م
مؤشّرات
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الجمعة ٣٠ أيار ٢٠٠٨
لم يتمكّن العلم حتّى هذه اللحظة، ولن يتمكّن في المستقبل، من اختراع «بارومتر» لقياس حال المجتمعات. لكن ثمّة مؤشّرات تساعد على ذلك. وإذا أردنا أن ننظر إلى الواقع اللبناني، فبإمكاننا الاستعانة بعدد من هذه المؤشّرات:
1ـــــ مؤشّر المرّ: خلال الحقبة السوريّة في لبنان، كان أحد العناوين الأساسيّة للمعركة السياديّة هو انتخابات المتن. وكانت الإشارة الأبرز إلى الإمعان في منع قيام دولة المؤسّسات هي وزارة الداخليّة التي قيل آنذاك إنّها نُقلت عملياً من مقرّها الرسمي إلى دارة آل المرّ في بتغرين. اليوم، بعد ثلاث سنوات على خروج الجيش السوري من لبنان، وبعد انتخاب رئيس جمهورية توافقي، عاد اسم المرّ ليُطرَح من جديد لوزارة الداخليّة.
2ـــــ مؤشّر سليمان: خلال الحقبة السوريّة في لبنان، علت بعض الأصوات اعتراضاً على انتخاب العماد إميل لحّود رئيساً للجمهورية. كانت الحجّة آنذاك أنّه قادم من المؤسّسة العسكريّة، وأنّ عقليّة العسكر لا تتلاءم مع السياسة. بعد الانسحاب السوري، وُجد من يقول إنّ العماد ميشال عون لا يصلح لرئاسة الجمهوريّة، لكونه ذا «جذور عسكريّة». منذ أيّام، صعد قائد الجيش إلى قصر بعبدا رئيساً توافقياً، بعدما ساد اقتناع في طول البلاد وعرضها بأنّ ميشال سليمان هو الشخص التوافقي الوحيد في هذه الجمهوريّة .
3 ـــــ مؤشّر السنيورة: سادت لفترة من الزمن نكتة واقعيّة: أدخل كلمة unelectable (غير قابل للانتخاب) على محرّك البحث «غوغل»، تحصل فوراً على سيرة حياة جورج دبليو بوش. في حقبة التسعينيات، لم يكن اللبنانيّون بحاجة إلى «غوغل» ليعرفوا أنّ كلمة unelectable تعني بالنسبة إليهم رجلاً يدعى فؤاد السنيورة. فقد كان وزير المال الأسبق، من دون أي شك، الشخصية السياسية الأقلّ شعبيّةً، لأسباب معروفة ومفهومة. اليوم، يعود السنيورة نفسه إلى رئاسة الحكومة للمرّة الثانية.
4 ـــــ مؤشّر الحدّ الأدنى: في التسعينيات، كان التضخّم مضبوطاً لدرجة كبيرة، لا اهتماماً بمصالح المواطنين بل خدمةً لأرباح المصارف. رغم ذلك، كانت الأصوات تعلو لتصحيح سلسلة الرتب والرواتب لتحسين المستوى المعيشي للعمّال والموظّفين. لم تلقَ تلك الأصوات أصداءً إيجابيّة. أمّا اليوم، فإنّ تصحيح الأجور الذي أُقرّ (ولم يُنفَّذ) باتت قيمته أدنى بكثير من ارتفاع الأسعار الجنوني والمصطنع.
5 ـــــ مؤشّر الدين العام: حين بدأ لبنان بالإسراف في الاستدانة، كان رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري يقول إنّه لا داعي للقلق ما دامت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي لم تبلغ بعد 100%. اليوم، تفوق هذه النسبة 170%، ولا أحد يشعر بالقلق.
6 ـــــ مؤشّر المجتمع المدني: غالباً ما كان اللبنانيون يشتمون «الطبقة السياسية» التي يحمّلونها مسؤوليّة عِلل البلاد كلها. في التسعينيات، راجت موضة المجتمع المدني الذي ادّعى القدرة على حمل قيم مختلفة. شمّر مثقّفون عن سواعدهم، وانتشرت الجمعيات المدنيّة كالفطر. اليوم، من يرد فعلاً أن ينظر إلى الجانب التافه من الحياة السياسية، وإلى مساعي إلغاء أصحاب الرأي المختلف، فعليه أن ينظر باتّجاه المجتمع المدني.
7 ـــــ مؤشّر الطائف: ينصّ اتّفاق الطائف الذي أقرّ عام 1989 على أنّ «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، وعلى مجلس النواب المنتخب تأليف هيئة وطنية... مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية». الخطّة المرحليّة أُنجزت بنجاح كبير بعد مرور نحو 19 عاماً.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 29 مايو، 2008,9:29 م
مقايضة مرفوضة
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الخميس ٢٩ أيار ٢٠٠٨
قدّم السيّد حسن نصر اللّه في خطابه الأخير اقتراحاً لتيّار المستقبل: إعادة الاعتبار لتقسيم العمل الذي كان سائداً خلال الحقبة السوريّة في لبنان: يتولّى حزب اللّه المقاومة، ويتولّى الحريري (الابن هذه المرّة) الإعمار. يلتزم مشروع الإعمار حدوده، فلا يتعدّى على سلاح المقاومة، ويلتزم المقاومون حدودهم، فلا يدخلون في تفاصيل المشروع الإعماري.
رفض تيّار المستقبل العرض، أو أُجبر على رفضه، وأُعلن ترشيح الرئيس فؤاد السنيورة لولاية ثانية. فهذا الترشيح يعني أساساً أنّ ملفّ سلاح المقاومة لن يُطوى، وأنّ الانتخابات النيابيّة ستُخاض في أجواء معركة سياسيّة. أمّا الثلث الضامن، فلن يكون كافياً لعرقلة التفاصيل الإعماريّة، وإن أمكنه إيجاد الكثير من المتاعب. وليس من مصلحة رئيس الجمهوريّة الجديد الوقوف على الحياد إذا كان ينوي كسب مقاعد نيابيّة، وخصوصاً أنّ المعارك الانتخابية القاسية ستجري في الأقضية ذات الأغلبية المسيحية.
لكن، في جميع الأحوال، حسناً فعل تيار المستقبل برفضه عرض حزب اللّه.
فالتناغم، أوّلاً، بين الإعمار والمقاومة لم يكن قائماً يوماً. وكانت الإدارة السوريّة تؤدّي دوراً أساسيّاً في حلّ الخلافات بين الزعماء، وتخفيف حدّة التناقضات بين المشروعين. وغياب هذا التحكيم السوري كان سبباً أساسياً في انفجار التناقضات اللبنانية في السنوات الثلاث الأخيرة. يمكن التناقض بين الإعمار والمقاومة ألّا يكون حادّاً، لكنّ ذلك يتطلّب مشروعاً إعماريّاً مختلفاً جذرياً عن المشروع الحريري الذي أعاد هيكلة الاقتصاد اللبناني. لا يمكن إعماراً قائماً على رفع اصطناعي لأسعار العقارات، والمبالغة في الاتّكال على السياحة، وجذب الاستثمارات الأجنبيّة، ونبذ القطاعات المنتجة، أن يتعايش بسلام مع المقاومة، أيّ مقاومة.
ثانياً، إنّ أيّ مقايضة من هذا النوع تجري بين حزب اللّه وتيّار المستقبل، لن تكون إلا على حساب الطبقات المهمّشة في لبنان. فقد أشار نصر اللّه إلى أنّ حزب اللّه لا يريد تحمّل مسؤوليّة السلطة. وكان هذا موقف الحزب منذ إنجاز التحرير في عام 2000: «نحن لا نريد السلطة في لبنان لنا، ولا نريد السيطرة على لبنان، ولا نريد أن نحكم لبنان...». لكنّ نصر اللّه ذكّر بأنّه في عام 2000 طلب من الدولة «اهتماماً إنمائياً» في المناطق المحرومة، وخصوصاً بعلبك والهرمل وعكار. إلا أنّ الدولة لم تقم بواجباتها في هذه المناطق. اكتفى نصر اللّه إذاً بذكر إهمال مشروع الإعمار للمناطق المحرومة، وتحاشى الدخول في تفاصيل النهب الأخرى الذي مارسه تحالف المضاربين العقاريّين وأصحاب المصارف تحت مظلّة الإعمار، بعدما وُزِّعت العمولات على زعماء في الموالاة والمعارضة، وعلى ضبّاط المخابرات السوريّة أيضاً. ويُراد اليوم أن يقبل الشعب اللبناني بالعودة إلى السياسات الاقتصاديّة الجائرة، واستراتيجيّات النهب المنظّم، مقابل ترك المقاومة وشأنها.
قبل أيّام، قال فؤاد السنيورة إنّه تعبان ويريد أن يرتاح. يبدو أنّ فؤاد لم يتعب. فالتفاوت الطبقي لم يبلغ حدّه الأقصى بعد. ثمّة كروش لم تمتلئ. ثمّة فقراء لم تقتلهم أرباح المضاربين. ما زال ممكناً فرض المزيد من السياسات الضريبية والمالية غير العادلة. ما زال ممكناً العمل على مزيد من التفتيت داخل الحركة النقابيّة. ما زال ممكناً إقفال مزيد من المصانع، ودمج مزيد من المصارف.
فؤاد السنيورة لم يتعب. عيون اللبنانيّين وقلوبهم متّجهة صوب الشباب والرياضة. أعيدوا أحمد فتفت إلى الحكومة.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 28 مايو، 2008,7:08 م
«نحن نصنع النموذج»
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الاربعاء ٢٨ أيار ٢٠٠٨

لم تمضِ سوى أيّام على العودة من الدوحة. يُخشى أن يكون الإنجاز الوحيد هو انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهوريّة، والعودة بعد ذلك إلى أجواء الشحن المعهودة. خطاب القسم وخطاب الأمين العام لحزب اللّه لا يمكن تصنيفهما في خانة الدخول إلى مرحلة جديدة هادئة. لقد تحدّث الرئيس المنتخب بلهجة رصينة، ونبرة مطمئنة. لكنّ مضمون الخطاب لا يشبه ما يتفوّه به عادةً القادمون إلى الحكم من خارج الفئة السياسيّة. وإذا كان من المريح أن يبتعد سليمان عن عنتريّات محاربة الفساد وقطع الأيدي، فإنّ تركيز خطابه على سلّة باتت تُعرَف باسم «المطالب المسيحيّة» يوحي باستعداده لا لدخول قصر بعبدا، بل لدخول مُعترك الزعامة المسيحيّة. أي، بكلام آخر، يبدو كأنّ سليمان قد انتدب نفسه لا لملء الفراغ في مقعد رئاسة الجمهوريّة بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحّود، بل لملء الفراغ الذي لم يتمكّن سمير جعجع و«مسيحيّو 14 آذار» من تعبئته، أي فراغ مقعد المنافس الجدّي لميشال عون في الشارع المسيحي. وقد بدأ منذ الآن الهمس السياسي عن لوائح الرئيس الانتخابيّة في المتن وجبيل وكسروان. بقدر ما يقترب سليمان من هذا التوجّه، فإنه يبتعد عن الدور المرتجى منه في مرحلة شديدة الحساسيّة تتطلّب رئيساً حكماً بين كتل سياسيّة متناقضة، يعبّر تناقضها عن الواقع الشعبي.
لكنّ خطاب القسم لم يسقط هنا وحسب. ففي تناوله للمقاومة، انتقل الرئيس المنتخب فجأةً إلى صيغة الماضي. فنشوء المقاومة «كان حاجةً»، واستمرارها «كان في التفاف الشعب حولها»، و«كان» لها الفضل في إخراج العدوّ. أمّا اليوم، يتابع سليمان، فإنّ «بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال، ومواصلة العدو لتهديداته وخروقاته، يحتّم علينا استراتيجيّة دفاعيّة تحمي الوطن». وماذا عن دور حزب اللّه في هذه الاستراتيجيّة الدفاعيّة؟ يقتصر هذا الدور على تقديم طاقات الحزب وطاقات المقاومة لخدمة الاستراتيجيّة الدفاعيّة. ولم تفُت سليمان الدعوة إلى عدم استهلاك إنجازات المقاومة «في صراعات داخليّة».
يظنّ كاتب خطاب القسم أنّه بهذه التوليفة، قد تمكّن من تحاشي ذكر عبارة سلاح حزب الله أو نزع هذا السلاح. لكنّ الرسالة كانت واضحة إلى الحزب: يعطيكم العافية. انتهى دوركم. الرجاء إفادة الدولة من خبرتكم في مجال المقاومة، لأنّنا عاكفون حالياً على بناء استراتيجيّة دفاعيّة يقتصر دوركم فيها على تقديم الاستشارات!
ثمّة وجهة نظر لدى الرئيس الجديد. لكنّها وجهة ليس أوانها بعد أيّام على استخدام حزب اللّه سلاحه في شوارع بيروت «دفاعاً عن السلاح». أو على الأقلّ، ليس هذا أوانها إذا كان المطلوب الدخول في أجواء تهدئة. على أيّ حال، لم ينتظر ردّ حزب اللّه طويلاً. والتوتّر الذي ساد خطاب الأمين العام للحزب لم يأت من فراغ. وقد طرح السيّد حسن نصر اللّه معادلة جديدة وخطيرة، حين قال: «لا يجوز استخدام سلاح المقاومة لأي مكسب سياسي داخلي، لكن أيضاً لا يجوز استخدام سلاح الدولة لتصفية الحساب مع فريق سياسي معارض، ولا يجوز استخدام سلاح الدولة لحساب مشاريع خارجيّة تضعف مناعة لبنان ولاستهداف المقاومة وسلاح المقاومة». لقد كان السيّد حسن نصر اللّه صائباًَ حين أعلن: «نحن اللبنانيّين نصنع النموذج»، مشيراً إلى خصوصيّة الوضع اللبناني وعدم جدوى استنساخ نماذج جاهزة عن علاقة الدولة بالمقاومة. لكنّ المعادلة التي طرحها، وإن كانت صحيحة من حيث المبدأ، فإنّها تعني في السياق السياسي أنّ حزب اللّه قد ربط، للمرّة الأولى، موافقته على وضع قيود على وجهة استخدام سلاحه بوضع قيود على وجهة استخدام سلاح الدولة. وهنا مكمن الخطورة.



التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 27 مايو، 2008,7:05 م
كاموفلاج
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الثلاثاء ٢٧ أيار ٢٠٠٨


الحشد العربي والدولي الذي حضر جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ينبغي ألا يغشّ أحداً، كأن يعود اللبنانيّون إلى ممارسة عاداتهم في دفع الأمور إلى حافّة الهاوية، والتفرّج عن بُعد بحجّة أنّ اتّفاقاً عربياً ودولياً يحمي السلم الأهلي. ينبغي ألّا تدفعنا المبايعة العربية والدولية للرئيس المنتخب إلى التغافل عن طبيعة اتّفاق الدوحة الهشّة والمؤقّتة، والتي ستبقى كذلك ما لم تلحق به مصالحة لبنانية ــــ لبنانية أكثر عمقاً من «الإصلاحات» السطحيّة التي أقرّت في الدوحة.
ربّما كان لهذا الحشد في البرلمان أن يعني ضدّ ظاهره، نوعاً من «الكاموفلاج» الذي يُخفي حقيقة أنّ الدعم الدولي الحالي غير كافٍ وحده لضمان تنفيذ الاتّفاق. لقد سبق لنا أن خبرنا اتّفاق الطائف الذي وُقِّع بختم سوري ــــ سعودي ــــ أميركي. لكنّ الطائف، لمن لا يذكر، لم ينهِ الحرب الأهليّة. ولم تُطوَ الحرب نهائيّاً إلا بعدما تفاهمت الأطراف الثلاثة على أولويّات المرحلة المقبلة في منطقة الشرق الأوسط. أمّنت سوريا والسعودية ودول أخرى غطاءً عربياً لغزو العراق آنذاك، وقبضت كلّ منهما أثماناً مقابل ذلك. النظام العراقي أُخرج من المعادلة اللبنانية نهائياً، بعدما كان يمدّ أطرافاً عدّة بالمال والسلاح. لقد فُتحت المنطقة أمام مرحلة جديدة، حُدّدت فيها صلاحيّات اللاعبين.
أمّا اليوم، ورغم تفاهمات ضمنيّة تُعقد بين إيران والولايات المتّحدة الأميركية، فإنّ الصراع في المنطقة ما زال مفتوحاً، وما زال المدّ والجزر حاضرين في لعبة توزيع الأدوار. لقد تلقّت المملكة العربية السعودية ضربة قاسية في لبنان لن تواجهها بالسكوت طويلاً، وقد تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على ما تعدّه تحقيقاً لمطالب معارضة قريبة من سوريا وإيران. عبارة اللاغالب واللامغلوب لا تنطبّق على لبنان بقدر ما تنطبق على المنطقة، لأنّ الجولات لا تزال مفتوحة فيها.
لقد تجسّدت التفاهمات الدولية في لبنان ما بعد الطائف بشخص رفيق الحريري. فنسج ابن النظام السعودي المدلّل علاقات ممتازة مع الثلاثي السوري الذي تسلّم الملف اللبناني (الشهابي ــــ خدّام ــــ كنعان)، ونالت توجّهاته السياسية والاقتصادية رضى الأميركيّين. أمسك الحريري برئاسة مجلس الوزراء لفترة طويلة، وقتَ أصبح هذا الموقع هو الأقوى في الجمهورية بعدما عدّل الطائف صلاحيّات الرئاسات. أمّا اليوم، فيتجسّد اتفاق الدوحة بشخص العماد ميشال سليمان الذي يأتي ضعيفاً إلى موقع ضعيف. فهو، رئيساً للجمهورية، لا يمتلك الكثير من الصلاحيات. وشريكاً في الحكومة، لا يملك إلا ثلاثة وزراء. وإذا كان موقع رفيق الحريري عرضة للإضعاف كلّما جرى تجاذب سوري ــــ أميركي، فبإمكاننا أن نتخيّل ما سيؤول إليه موقع سليمان إذا عادت التجاذبات بين الأطراف الراعية لاتفاق الدوحة.
لقد توقّفت الحروب الصغيرة في بيروت والجبل بفضل انعدام التوازن في القوّة بين طرف مدرّب ومجهّز قرّر في لحظة استخدام جبروته في الداخل، وطرف آخر يبدو تسليحه أشبه بتدريب الهواة. وهذا لا يؤسّس بالضرورة لسلم مستديم كما حدث في الطائف بعدما أُنهكت الأطراف اللبنانية المتحاربة، سواء من خلال حروب الإلغاء والتحرير في المناطق الشرقية، أو من خلال معارك أمل ــــ حزب الله.
لا بدّ من صياغة علاقات لبنانية ــــ لبنانية مختلفة، تتعدّى تقسيم الزواريب خلال الانتخابات. فمهما جرى التواطؤ على النفي، جاء اتفاق الدوحة بعد تحقيق طرف انتصاراً عسكرياً على طرف آخر. ومن فاته وجوم النائب سعد الدين الحريري في الدوحة، كان عليه أن ينظر إلى وجه سعود الفيصل كلّما ذُكر اسم دولة قطر في المجلس النيابي اللبناني.


التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
السبت، 24 مايو، 2008,1:25 ص
مزيد من الماكياج
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الجمعة ٢٣ أيار ٢٠٠٨
يصعب بعد ما جرى في بيروت والجبل، ثمّ في الدوحة، أن نتخيّل حياةً سياسيّة في لبنان. أثبتت هذه البلاد الصغيرة وغير المنظّمة كم أنّها على حق... أثبتت كم هي عصيّة على التغيير. مع قليل من الماكياج، ها نحن نعود إلى نقطة الصفر، إلى ما بعد اتّفاق الطائف، بقليل. بعد الحريريّة ـــــ1، والحريريّة ـــــ2، سندخل حكومة الحريريّة ـــــ3. لن تواجه الطروحات الاقتصاديّة ـــــ الاجتماعيّة أيّ عوائق (حتّى لو فارقَنا معالي سامي حدّاد، لا بدّ أن يحمل أطروحاته التنويريّة سامي حدّاد آخر في الحكومة المقبلة). أمّا العوائق السياسيّة، فسيتولّاها الثلث المعطّل أو ما سيشبهه بعد الانتخابات النيابيّة المقبلة، إذا ما جرت محاولات المسّ بالقضايا السياديّة. فالثلث المعطّل لا يعطّل أصلاً، وفقاً للدستور، إلا هذا النوع من القضايا. ويخطئ من يعتقد أنّ أحداً ما سيفتح معارك جانبيّة لتفاصيل «ثانويّة» من نوع الحدّ الأدنى للأجور، أو قضم شركة «سوليدير» لقطعة أرض من هنا ومبنى من هناك، وستتّسع عمليّات الخصخصة لتنفيعات تطال الأطراف كافّة، تعبيراً عن رسوخ الوحدة الوطنيّة وتصميم التيارات السياسية على تنفيذ اتفاق الدوحة، بنداً بنداً.
لمزيد من الماكياج أيضاً، سنشهد ما شهدناه مع بداية التسعينيات. مجموعات يساريّة ومدنيّة صغيرة سيبدأ صوتها بالارتفاع في الجامعات وبين الجمعيّات غير الحكوميّة. ستتحدّث تارةً عن العدالة الاجتماعيّة، وطوراً عن الزواج المدني الاختياري. ستكون ابتسامات صفراء بالمرصاد، وكذلك قوى مكافحة الشغب. فلن يتهاون الرئيس الجديد مع المسّ بالأمن وهيبة الدولة، وخصوصاً أنّه بطل معركة نهر البارد المظفّرة. وسيُسهم قمع تظاهرة من هنا، واعتصام من هناك، بتعزيز صورته رئيساً قويّاً ـــــ ولو بثلاثة وزراء ـــــ وهي صورة بدأت تنتشر على جدران المدينة وزجاج سيّاراتها.
لا يملك المرء، عند هذه المشاهدات، إلا استذكار كرنفالات الصور وتبييض الأوجه والسجلات لدى انتخاب العماد إميل لحّود رئيساً. أطفال وشباب ونساء وشيوخ رفعوا كلّهم صور العماد الذي جاء آنذاك حاملاً خطاباً إصلاحيّاً: الحدّ من آثام النيوليبرالية التي جسّدها رفيق الحريري في لبنان، واستعادة قدر من السيادة من القبضة السوريّة.
نهاية عهد إميل لحّود معروفة. ما زلنا على أبواب عهد ميشال سليمان، وجلّ ما نعرفه أنّنا نرى اليوم المشاهد عينها، من دون حتّى ادّعاء خطاب إصلاحيّ. وما الحاجة إلى خطاب كهذا، ما دامت المعارضة التي تمكّنت من فعل ما فعلته، لم تدّعِ يوماً أنّها تحمل مشروعاً تغييريّاً، رغم أنّ ثمّة من حمّلها آماله وأحلامه الخاصّة. كانت أولويّاتها واضحةً، وتحقّق لها ما أرادت في اتّفاق الدوحة. ادّعاءات الموالاة كانت مختلفة. لكنّها ادّعاءات كانت أقرب إلى المزاح، والوقائع بدَتْ واضحة لمن كانت له أذنان سامعتان.
الشعور بالخيبة لا يطال الذين بنوا قصوراً من رمال الموالاة والمعارضة وحدهم. فالخيبة لا بدّ أن تطال الجميع حين يتأمّل المرء في صعوبة صعود قوى سياسيّة أخرى، وخصوصاً حين تكون القوى الحاليّة هي من تصوغ قانون الانتخاب، وهي من تتحكّم بتقسيمات الزواريب وبتحديد حيّز التوافقات وحيّز المعارك الوهميّة.
كان الأجدى بمن يحتفل اليوم أن يتذكّر أنّ عاماً كاملاً مرّ على تدمير مخيّم نهر البارد، وأنّ سكان المخيّم لم يعودوا إلى منازلهم بعد. هل هي الصدفة وحدها التي أوصلت العماد ميشال سليمان إلى كرسيّ رئاسة الجمهوريّة في الذكرى السنويّة الأولى لنكبة البارد؟

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 23 مايو، 2008,12:39 ص
جمهوريّة 14 آذار
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الخميس ٢٢ أيار ٢٠٠٨
تكشّفت أمس إحدى أحجيات المرحلة السابقة. فمن استمع إلى تصريح مستشار الرئيس فؤاد السنيورة، السيّد رضوان السيّد، عرف مصدر الحكمة التي طبعت بعض قرارات المرحلة السابقة. بقي علينا أن نستمع يوماً ما إلى صوت محمّد شطح.
لكنّ للسيّد، على الأقلّ، فضيلة الإفصاح عمّا كتمته صدور المتحاورين. تحدّث عن أشلاء العماد ميشال عون المرميّة في الشارع (ألم يُثر حديث الأشلاء هذا اشمئزاز الرئيس أمين الجميّل؟)، ونصح الأرمن بالمطالبة بحقوقهم في أرمينيا، بدلاً من بيروت.
يتجاوز كلام السيّد التصريح السياسي. إنّه يمثّل ثقافة جمهوريّة 14 آذار التي دُفنت، غير مأسوف عليها، في الدوحة. وهي ثقافة قائمة على الإقصاء، والخطاب العنصري تجاه طوائف بأكملها. بدأ الأمر مع الشيعة، وانتقل إلى الأرمن. تبرّع عدد من الكتّاب والمثقّفين والإعلاميّين بوصف المواطنين المعارضين بالحثالة تارةً، وبالحشرات طوراً، فضلاً عن استخدام نعوت الغوغاء والرعاع في وصف المتظاهرين والمعتصمين... ومن لم تساعده أخلاقه على استخدام أوصاف كهذه، تحدّث عن جماهير مضلّلة ومخطوفة، في استعادة مبتذلة لمفهوم الوعي الزائف الذي سبق للماركسيّين أن أمعنوا في استخدامه، كلّما واجهوا فشلاً. فالشيعة خطفهم حزب اللّه، والمسيحيّون ضلّلهم ميشال عون. وهما طائفتان تسيران، طبعاً، ضدّ مصلحتـ«هما» التي تحدّدها «ثقافة الحياة».
ذات يوم، عاد رفيق الحريري للعيش في لبنان، بعد إنجاز اتّفاق الطائف. عُيِّن رئيس حكومة بتوافق سوري ــــ سعودي ــــ أميركي. مثّل وجهاً مختلفاً لزعماء الميليشيات الذين حالفهم، وحمل وعود الربيع ومشاريع الإنماء والإعمار. مثّلت عودته مرادفاً لعودة الحياة في لبنان:
استقرار نقدي، مشاريع إعماريّة وثقة بالمستقبل. كانت الكلفة باهظة، لا بالحسابات الاقتصادية وحسب، بل بالحسابات الثقافية أيضاً. جرى الخلط بين إدارة الدول وإدارة الشركات. راج مفهوم خاص عن الربح والأعمال يتّخذ من المضاربات مثالاً له. أُقفلت صحف ووُزّعت القنوات الإعلاميّة محاصصةً بين القوى المسيطرة. انتشرت الرشى بين إعلاميّين كانوا يقفون في الصف نهاية كلّ شهر للحصول على «مساهمتهم» في دعم المشروع الإعماري.
جعل ذلك كلّه بعض المثقّفين يقفون إلى جانب الحريريّة بنسختها الأولى، لكنّهم فعلوا ذلك بخجل. كان واضحاً أنّ المال هو عامل الاستقطاب الأوّل للحريريّة التي لم تتمكّن من ابتداع أيديولوجيّة مهيمنة. وبقدر ما كان الاقتصاد يترنّح بين مأزق وآخر، كانت الحريريّة تفقد بريقها.اغتيل رفيق الحريري. زُلزلت الأرض تحت أقدام اللبنانيّين الذين انتابت معظمهم عقدة ذنب. لم ينتبهوا إلى أنّ الحريري الشهيد ليس هو نفسه الحريري الحاكم. وبقدر ما كانت صورة الضحية تُسقَط على صورة الحاكم، كانت الحريريّة تتحوّل إلى عقيدة مهيمنة.
بعد قرابة عقدين لرحلة أبيه، عاد سعد الدين إلى لبنان. شعر المثقّفون، بمعظمهم، بأنّ شيئاً ما فاتهم. فاتتهم بيانات التأييد للحريري الأب. فاتتهم قصائد المديح. كان من الصعب تحويل الحريري الابن إلى أيقونة، فتولّى شعار «حبّ الحياة» حياكة منظومة بدأت تبسط هيمنتها على البلاد، وهي هيمنة عجز الحريري الأب، وعجز النظام السوري، عن فرضها على اللبنانيين.إنّ هذه الهيمنة هي ما جرى دفنه في الدوحة. وإذا كان من انتصار، فهو هنا بالضبط. وهو انتصار مزدوج، لأنّ المعارضة أدركت هي الأخرى أنّها تستطيع السيطرة عسكرياً على المناطق التي تريد، لكنّ ذلك لن يسعفها في فرض الهيمنة على المجتمع اللبناني.
هذا الاستعصاء على مشاريع الهيمنة هو ما يجب أن يحتفل به اللبنانيون. الضحايا الوحيدون لسقوط الهيمنة قد وقّعوا مسبقاً على هزيمتهم. وقّعوها حين وقّعوا على نداء لإطلاق مقاومة لمواجهة حزب اللّه، من دون أن ينتبهوا إلى أنّ مفردات النداء ليست إلا مفردات الحزب نفسه.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 22 مايو، 2008,12:45 ص
الخجل والحسرة
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الاربعاء ٢١ أيار ٢٠٠٨
بعد كلّ ما جرى، ها نحن أمام حوار في الدوحة، لا يستدعي جدول أعماله وطريقة تناول بنوده إلا الخجل والحسرة. الخجل من أنفسنا، والحسرة على أنفسنا أيضاً. فلنبدأ من بند رئاسة الجمهوريّة: حتّى كتابة هذه السطور، لم يرتفع صوت واحد في الدوحة يعترض علناً وصراحةً على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهوريّة. ممثّلو الشعب اللبناني متوافقون على انتخاب رئيس لا نعرف شيئاً عن برنامجه. لا فكرة لنا عمّا سيطرحه للمساهمة في معالجة الأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة. لا فكرة لنا عن تصوّره لبناء الدولة. لا فكرة لنا عن قدراته التفاوضيّة التي ستؤهّله لأداء دور الحَكم بين اللبنانيّين. لا فكرة لنا عن قدراته في قراءة التطوّرات الإقليميّة والدوليّة، لمحاولة تجنيب لبنان نيران المنطقة المشتعلة. كلّ ما نعرف عنه هو وقوفه على الحياد، اضطراريّاً، منذ ارتفاع حدّة الاستقطاب السياسي والشعبي في البلاد. نعرف أيضاً أنّ قيادة الجيوش ليست مدرسةً في الدبلوماسيّة والتحكيم السياسي. ونعرف أخيراً هول ما جرى في نهر البارد.
رغم ذلك كلّه، المتحاورون في الدوحة لا يكفّون عن إقناعنا بأهميّة انتخاب العماد سليمان رئيساً توافقيّاً.
أمّا في بند الحكومة، فما نعرفه هو أنّ قتال المعارضة المستشرس للحصول على الثلث الضامن أو المعطّل إنّما يحمل عنوانين لا ثالث لهما: المشاركة والمقاومة. وهما عنوانان يُراد لهما إنهاء تهميش التمثيل المسيحي في الحكم منذ اتّفاق الطائف، منع التهميش الشيعي، وامتلاك حق الفيتو ضدّ أيّ قرار يستهدف سلاح المقاومة وحريّة عملها. هذه النقاط، على أهميّتها، لا توحي بوجود اختلافات في طريقة الحكم بين الفريقين، أقلّه في ما يخصّ مسألتين باتتا تهدّدان الحياة اليوميّة للمواطن.
أوّلاً، المسألة الاقتصاديّة: للتذكير فقط. عرف لبنان في الفترة الأخيرة ارتفاعاً هائلاً في أسعار السلع، وخصوصاً المواد الغذائية. لا مؤتمر الدوحة ولا استعراض المعارضة العسكري أدّى إلى خفض الأسعار. نعرف تماماً قصور السلطة وتقصيرها في هذا المجال، ونعرف انحيازها الطبقي. لكنّنا نعرف أيضاً مساهمة المعارضة في مزيد من التهميش للعمل النقابي، ونعرف أنّ رؤيتها الاقتصاديّة ليست بالضرورة مناقضة لرؤية السلطة، ونعرف أنّ المسألة المعيشيّة هي في آخر سلّم أولويّاتها. يكفي النظر إلى ما آل إليه الإضراب العمّالي الأخير، حين «ذهب بين الأرجل». رصدت السلطة له قنّاصين وزّعتهم ميليشياتها على أسطح المباني، واتّخذت منه المعارضة ذريعةً لشنّ حملتها العسكريّة.
ثانياً، المسألة الطائفيّة: ليست المسألة المطروحة الآن تجاوز النظام الطائفي. لكنّ ما يجب أن يُطرَح بشدّة هو التخفيف من حدّة التوتّرات الطائفيّة في الشارع. ليس هذا على جدول الأعمال. على عكس ذلك، تجري الاستعدادات لمزيد من الحقن، إذ باتت قوّة كلّ فريق تقاس بمدى الحقد الذي يتمكّن من تعبئة جماعته به. يكفي إلقاء نظرة على وسائل الإعلام المملوكة من جانب الأطراف المتنازعة. أهذا هو الخطاب الذي يحكم ما يسمّى زوراً بـ«الحوار»؟
لكنّ عشّاق السعار الطائفي عليهم التركيز على البند الثالث من جدول الأعمال، أي قانون الانتخاب. هنا المهزلة الحقيقيّة. ليست الاقتراحات المقدّمة هي المهمّة، بقدر منطلقات هذه الاقتراحات. لقد بات تقسيم الدوائر من دون مبادئ أو ضوابط إلا مصلحة التيّارات السائدة، أمراً طبيعيّاً. واحتلّت مسألة النسبيّة هامش الهامش. فالحلم بالمحدلات وبتسكير المناطق وإلغاء الآخر وإخماد صوته بأي وسيلة، هو السائد. مصلحة الفئات السياسية الصغرى، إبقاء ولو هامشاً للصراعات غير الطائفية، الأخذ بعين الاعتبار مصلحة الوطن الجامع لدى النظر بمصلحة الطوائف... هذه كلّها مسائل لا مكان لها في الدوحة، لا على جدول الرعاة العرب ولا على جدول الفرقاء اللبنانيين.
إنّه حوار لا يستدعي إلا الخجل والحسرة. الخجل من أنفسنا، والحسرة على أنفسنا أيضاً.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 21 مايو، 2008,12:50 ص
أضرار «جانبيّة»

خالد صاغيّة

الأخبار عدد الثلاثاء ٢٠ أيار ٢٠٠٨

مهما تكن النتيجة التي سيتمخّض عنها مؤتمر الدوحة، فإنّ قوى الأكثريّة التي ستعود إلى لبنان، لن تكون هي نفسها الأكثريّة التي عرفناها في السابق. لقد أدّت أحداث بيروت والجبل الأخيرة إلى فقدان المعارضة الكثير من رصيدها، لكنّها أدّت إلى فقدان الأكثريّة لنفسها.

نحن أمام مشهد يتراوح بين نقيضين: يمثّل وليد جنبلاط التسليم المطلق بنتائج الحملة العسكريّة. وهو مارس ضغطاً لإلغاء قرارَي الحكومة المشؤومين بالقوّة نفسها التي مارس بها الضغط لإقرارهما. انتقل جنبلاط سريعاً من موقع القيادة الفعليّة لقوى 14 آذار، إلى موقع قيادة طائفته الصغرى التي تعرّضت لضربة موجعة. في موقعه الأوّل، كان يقابل كلّ ضربة بمزيد من التطرّف. أمّا في موقعه الثاني، فلا خيار إلا اعتماد سياسة الحدّ من الأضرار.

على الضفّة المقابلة، يبدو سمير جعجع في حال إنكار كامل للواقع المستجدّ، ولا يكفّ عن الترداد أنّ ما جرى على الأرض لن تكون له انعكاسات سياسيّة، وهو العسكريّ الذي بنى كلّ أمجاده السابقة على قلب المعادلات السياسيّة بواسطة انقلابات عسكريّة. لكنّ جعجع المحاط بحلفاء مسيحيّين ضعفاء، والمحاصَر بميشال عون المتفاهم مع حزب الله، لا يملك غير إنكار الواقع وسيلةً لمواجهته. يزيد من صلابة هذا الإنكار أنّ أيّ نافذة على الواقع لن تطلّ إلا على استيعاب دروس «حليفه الاشتراكيّ».يقف فؤاد السنيورة وسعد الدين الحريري في الوسط، وهما أقرب إلى الزوجين المخدوعين. الأوّل خدعته نفسه، وخدعه حلفاؤه السياسيّون الذين شكّل غطاءً لهم. بقي يردّد لازماته بشأن بناء الدولة، حتّى كاد يصدّق أنّ المعركة في لبنان تدور حول هذه النقطة بالذات، وأنّ قادة 14 آذار، وكوندوليزا رايس من وراء البحار، لن يتمكّنوا من النوم قبل تأمين احتكار الدولة للعنف، وقطع دابر الفساد.لم يكن السنيورة قائداً شعبياً. لم يخضع نفسه لأي امتحان انتخابي، ولا يحمل من الصفات الكاريزميّة أكثر من نظيره سلام فيّاض. لكنّه لم يكن مجرّد واجهة لأمراء الطوائف والحروب والنهب المنظّم الذين يشكّلون قادة 14 آذار. لقد أراد أن يكثّف في شخصه ما يمكن أن نسمّيه أيديولوجيّة الدولة. لكنّه سقط في فخّ انعدام القدرة على التمييز بين المتخيّل والحقيقي. فذهب بعيداً في خطاب الدولة، وبدلاً من التعامل مع الأيديولوجيا وسيلةً لـ«صناعة» الأفراد أو وعيهم، تعامل مع الجماعات وسيلةً لخدمة الأيديولوجيا. فكان أن أدّى الدور المطلوب منه بأمانة: مزيد من تحلّل الدولة أمام زحف الطوائف.خديعة الحريري الابن كانت مختلفة. إنّها خديعة ملعقة الذهب، إذا جاز التعبير. جاء إلى دنيا السياسة محاطاً بدعم شعبي ودولي جارف، فضلاً عن القدرات الماديّة الضخمة. لقد خدعه المحيطون به، أو ربّما لم يجدوا طريقة أفضل لتفسير تعقيدات العالم له. قسّموا له الدنيا، كما في الأفلام الهوليوودية، إلى الرجل السيّئ والرجل الجيّد (Good guys and bad guys). كان يجول في عواصم القرار في العالم، فلا يجد من يدحض له هذه الاختزالات. فالدور المراد له أن يؤدّيه لم يكن يتطلّب إدراكاً أكثر عمقاً. وجد الحريري نفسه فجأة في منتصف الطريق، وسط تعقيدات لا قدرة لمفرداته الضيّقة على التعبير عنها، فضلاً عن إيجاد تفسير لها أو التعامل معها.لقد كانت لضربة حزب اللّه العسكريّة تأثيرات متفاوتة الأحجام على مركّبات السلطة. لا يمكن فريقاً أصيب بهذا القدر من التهشيم، أن يخوض حواراً منتجاً، وخصوصاً في ظلّ خصم ضاق ذرعاً بالسياسة، فلم يتورّع عن استخدام القوّة الصلفة.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 20 مايو، 2008,1:08 ص
الوجه الآخر
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الاثنين ١٩ أيار ٢٠٠٨
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن السلفيّة والسلفيّين في لبنان، وكأنّ ثمّة مارداً نائماً أيقظته فجأةً الأعمال العسكريّة التي قام بها حزب اللّه وحلفاؤه في بيروت والجبل. وبدأ ارتفاع منسوب التحذير من أنّ انهيار الحريريّة لن يخلّف وراءه إلا نموّ التيّار السلفي. هذا الكلام الذي يقال في بيروت، يرتفع مثيل له في أماكن أخرى من العالم العربي، حيث ينبري مثقّفون تنويريّون في الدفاع عن نظام وهّابي أو العمل في خدمته، بحجّة أنّ بديله لن يكون إلا تنظيم «القاعدة».يفترض مثل هذا المنطق أنّ ازدهار النظام الوهابي كان منفصلاً تماماً عن نشوء القاعدة، وأنّ صعود الحريريّة في لبنان تزامن مع ضمور التيّار السلفي. أمّا خلفية هذا المنطق، فتستند إلى ازدراء كامل لأبناء المناطق والحارات المحرومة (في البقاع والشمال أساساً) التي نمت السلفيّة في ربوعها. فليذهبوا إلى الجحيم، ما دامت السلطة في بيروت والزعامة السنّية معقوداً لواؤها لسلالة الحريري «المودِرْن».
والواقع أنّ صعود الحريريّة في لبنان قد ترافق مع نموّ التيّار السلفي. وبقدر ما كانت السياسات الإنمائية والإعمارية تهمل المناطق المحرومة، كانت السلفية تنمو في هذه المناطق تحديداً. وليست الصدفة وحدها ما جعل السلفيّة تزدهر في أكثر مناطق لبنان فقراً، وليست الصدفة وحدها أن يصبح مفتي عكار من دون سائر المناطق هو نجم المرحلة الصاعد.
لقد تعامل الحريري الأب مع أبناء هذه المناطق كفائض سكاني لا مكان له في النظام الاقتصادي الناشئ، ليس بإمكانه إلا متابعة نشاط ريفي لا يدخل حتّى في حسابات الدخل القومي. إنّه فائض قد يجري ضمّه في أي لحظة إلى صفوف الجيش الاحتياطي للعاطلين عن العمل. لكن، حتّى الدخول إلى جيش الاحتياط هذا، تأخّر بفعل العمالة الوافدة من الخارج، وبفعل استهداف القطاعات المنتجة.
كان الحريري الابن أكثر تسامحاً مع هؤلاء المنسيّين. فأذِن لهم بالدخول إلى جيش الاحتياط، لكن ليس احتياط العاطلين عن العمل، بل احتياط الطائفة. فتعامل معهم على أنّهم الوجه الآخر لتيار المستقبل، الوجه الذي لم تصل إليه منح مؤسسة الحريري التعليميّة، ولم تطأ قراه بعثات الإنماء والإعمار. الوجه الذي تتفاداه كاميرات ثورة الأرز المنهمكة في البحث عن فتاة جميلة تصدح بصيحات الحرية والسيادة والاستقلال في وجه ديكتاتوريّات الشرق الأوسط وأنظمته الأمنيّة.
وإذا كان رفيق الحريري قد اختار نوعاً من الرأسماليّة حوّلت هؤلاء إلى فائض سكاني كامن، فإنّ سعد الحريري اختار نوعاً من العلاقات السنيّة ـــــ الشيعيّة حوّلت أولئك أنفسهم إلى فائض سنّي كامن. صحيح أنّ الحريري الابن لم يشأ للفتنة السنّية ـــــ الشيعيّة أن تتحقّق نزاعاً مسلّحاً على الأرض، لكنّ التعبئة الطائفيّة التي تبنّاها «المستقبل» وأذْرعُه المتعدّدة كانت تتوسّل دائماً فتنة سنّية ـــــ شيعيّة أريد لها أن تبقى كامنةً هي الأخرى. لقد كان غريباً حقّاً كيف يتبسّم نوّاب ووزراء من المستقبل، وهم يحذّرون حزب اللّه من الفتنة السنيّة ـــــ الشيعيّة.لقد حدث أن استخدم سعد جيش الاحتياط. استخدمه تحديداً في اللحظات التي أراد فيها للمواجهة السياسيّة أن تتّخذ طابعاً سنّياً ـــــ شيعياً. فتماماً كما أدّى مفتي الجمهورية الصلاة في السرايا الحكومية المحاصرة، جيء بالمناصرين السلفيّين من طرابلس وعكار، وألقوا خطباً ناريّةً على مرأى ومسمع من «رجال الدولة» والساعين ليلَ نهار إلى بنائها.
لم تكن تلك المرّة الأولى التي وفد فيها هؤلاء إلى شوارع العاصمة التي جاؤوها بالباصات في الرابع عشر من آذار. فقد سبق لبعضهم أن شارك في حرق السفارة الدنماركيّة في الأشرفيّة. كلّفَتْ نزهتهم تلك عزلَ وزير الداخليّة، وجاء من لقّنهم الدرس: أنتم لستم جيش المستقبل. إنّكم فرقة الاحتياط!

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
السبت، 17 مايو، 2008,1:05 ص
وداعاً أيّها الطائف
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الجمعة ١٦ أيار ٢٠٠٨
لم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحده ما خلّف فراغاً في البلاد، لم يملأه أحد. شاحنات الجيش السوري التي عبرت طريق المصنع باتّجاه دمشق تركت هي الأخرى فراغاً، لكن من نوع مختلف. وليس المقصود هنا الفراغ الأمني، بل أساساً الفراغ في إدارة خلافات اللبنانيّين وتقسيم العمل بين طوائفهم. فالنظام السوري الذي فرض سيطرته على البلاد طيلة 15 عاماً، أدّى دوراً تحكيميّاً (وإن غير نزيه) بين الطوائف المتنازعة دون جدوى على وراثة الهيمنة المارونيّة التي انتهت مع الحرب الأهليّة. ولم يكن لاتّفاق الطائف، كما نعرفه، أن ينظّم علاقات اللبنانيين من دون الدور السوري.
انتهت الحقبة السوريّة على المشهد الآتي: طائفة سنّية تحاول بعد اغتيال زعيمها أداء الدور الذي أخطأ الحريري الأب حين لم ينتدب نفسه لأدائه، أي حمْل مشروع سياسي بحجم الوطن كلّه (فضّل آنذاك حمْل مشروع اقتصادي لم يسلم الوطن كلّه من آليّات نهبه المنظّم). وقد سُلّم النائب سعد الدين الحريري زعامة الأكثريّة النيابيّة كدلالة رمزية على الدور القياديّ الجديد للطائفة. أمّا الطائفة الشيعيّة، فاتّخذت وضعاً دفاعياً محاولةً الحفاظ على مكتسبات الحقبة الماضية، وهي التي عرفت سابقاً حرماناً مديداً. وقد زاد حصار سائر الطوائف لها من تقوقعها على نفسها، قبل أن تفتح لها وثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر أفقاً ما لبثت أن استخدمته بعد حرب تمّوز للانتقال إلى وضع هجوميّ. في هذه الأثناء، كانت الطائفة المسيحيّة تبحث عن مُلك ضائع بعدما نزع «الطائف» صلاحيات رئاسة الجمهورية، واستكملت القبضة السورية الحرب على زعمائها. لكنّ ما يشكّل حلماً بالنسبة إلى المسيحيّين، كان الكابوس بعينه للزعامة السنّية الناشئة. استمرّ حصار ميشال عون، إلى أن فتح ثغرات ما لبثت أن تحوّلت أبواباً في مار مخايل. أمّا الطائفة الدرزية الصغيرة، فلم تجد إلا في لعب زعيمها على الحبال، طريقةً في حفظ موقع لها وسط هذه الأمواج الهادرة.
حدث ذلك كلّه على رقعة جغرافيّة صغيرة، لكن في منطقة كثُر فيها اشتعال البراكين. الحُكم بالواسطة لم يعد هوايةً مفضّلة لدى الإدارة الأميركيّة التي حرّكت جيشها باتّجاه الشرق الأوسط الذي أرادت أن تصنع منه شرقاً جديداً، بقوّة الحديد والنار. ثمّة من ركب قطار الأمبراطوريّة، وثمّة من ادّعى الركوب، وثمّة من قرّر المواجهة.
من الصعب اختزال الأزمة اللبنانيّة بالانقسام حول المشروع الأميركي وتعقيداته السوريّة والإيرانيّة. ومن الصعب اختزالها بعلاقات الطوائف. غير أنّ المؤكّد هو أنّ الذهاب إلى الحوار في الدوحة لن يعني الكثير، ما لم يكن واضحاً للجميع أنّ المشهد الإقليمي والدولي الراعي لاتفاق الطائف قد تبدّل كليّاً، وأنّ التعقيدات الطائفيّة الداخليّة تبدّلت هي الأخرى عمّا كانت عليه عشيّة انتهاء الحرب الأهليّة.
لذلك، يمكن لمن يريد أن يتلهّى بالثلاث عشرات والرئيس التوافقي أن يفعل ذلك. لكنّ الأجدى العودة من الدوحة باتّفاق طائف جديد.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 16 مايو، 2008,1:03 ص
حملة تأديبيّة
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الخميس ١٥ أيار ٢٠٠٨
ثمّة نكتة رائجة في البلاد. بما أنّ حزب اللّه قد استخدم سلاحه في الداخل، فينبغي أن يصبح موضوع نزع سلاح حزب اللّه أولويّة على طاولة الحوار. إنّها نكتة لأنّ حزب اللّه قد استخدم سلاحه، بالضبط كي يعلن أنّ نزع السلاح سيبقى خارج التداول. ثمّة من يطرح عبارات ملطّفة كـ«تطمين» أو «إزالة القلق» من السلاح. لكنّ إزالة القلق لن يكون مصدرها إلا حزب الله نفسه، أي مصدر القلق.
تشكّل هذه المفارقة نموذجاً لانتقالنا بعد الضربة الأخيرة إلى واقع مختلف تماماً عمّا سبقه. انتهت جولة من التجاذبات الداخليّة والخارجيّة على الساحة اللبنانيّة. أشعلت الحكومة، ومن ورائها قوى الأكثريّة، فتيل الحرب في لحظة إقليميّة ودوليّة خاطئة. استغلّ الحزب المناسبة، وشنّ «حملة تأديبيّة» على السلطة.
لم يكن الفريق الحاكم يراهن على «حسن نيّة» حزب اللّه في استخدامه للسلاح. كان يراهن أوّلاً على التوازنات الإقليميّة والدوليّة التي ستمنع استخداماً كهذا. اليوم، يشعر فؤاد بالخيبة من دبليو. ظنّ أنّ العناق وتربيت الكتف يُصرفان بطريقة أخرى. لكنّ دبليو يشعر، هو الآخر، بالخيبة من فؤاد. فمنذ أحداث الجامعة العربيّة، نجح فريق السلطة في إيهام الولايات المتّحدة الأميركيّة بأنّه قادر على الوقوف في وجه حزب اللّه، لا شعبياً وسياسياً وحسب، بل في الاقتتال الداخلي أيضاً. بدأ الدعم يتدفّق سخيّاً، مصحوباً برهانات عالية بحجم الخيبة.
انتهت «الحملة التأديبيّة». الخسائر طالت الجميع. من المفيد ألا يجرّب أحد تحويلها إلى حروب إلغائيّة.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 15 مايو، 2008,1:01 ص
لعنة جنبلاط وقدره
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الاربعاء ١٤ أيار ٢٠٠٨
من المفهوم ألا يعمد حزب اللّه إلى الإكثار من التصويب على النائب سعد الدين الحريري وتيّار المستقبل، تفادياً لصبّ الزيت على نار الفتنة السنّية ـــــ الشيعيّة. ومن المفهوم أن تكون مواقف النائب وليد جنبلاط وطريقة «قيادته» لفريق الأكثريّة، قد أثارت الحزب وجمهوره. رغم ذلك، من غير المقبول أن يجري التعاطي مع وليد جنبلاط بهذه الطريقة.
يخطئ من يعتقد أنّ بإمكانه التعامل مع الزعامة الجنبلاطية كما لو كانت طارئة في الجبل. ويخطئ من يعتقد أنّ العصبيّة الطائفيّة لن تتضاعف وتنتج تكتّلاً وراء زعيم الطائفة. لكن، بغضّ النظر عن الحسابات الخاطئة، إنّ ما يجري يشكّل صورة بشعة عمّا تؤول إليه مصائر الأقليّات حين تتصارع الأكثريّات.
لا يمكن تجاهل هذه الصورة حين يصل السعار الطائفي إلى هذا المدى، وحين تشعر طائفة بأنّها مهدّدة في قراها وأحيائها في بلد تعدّدي كلبنان. فأيّ رسالة تُوجَّه اليوم لهذه الطائفة الصغيرة، وهي تشاهد زعيمها محاصراً داخل منزله، مجبراً على دعوة أنصاره لرفض القتال. هل تُدفَع هكذا للخروج من تحت عباءة الزعيم الأوحد إلى الوطن، أم الهروب من الوطن إلى العباءة؟كثيراً ما يُعيَّر وليد جنبلاط بتقلّباته البهلوانيّة. حين ذهب إلى دمشق، قوبل باللعنات. وحين ذهب إلى واشنطن، قوبل باللعنات. وهو في كلّ ذلك، لم يكن يحاول إلا الهروب من لعنة والده. ما يجري اليوم يثبت، على الأرجح، أنّ التقلّب الجنبلاطي ليس موقفاً. إنّه قدر.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الأربعاء، 14 مايو، 2008,12:58 ص
الدولة والدويلة
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الثلاثاء ١٣ أيار ٢٠٠٨
لنضع سوء النيّات جانباً. برّرت الحكومة إصدارها القرارين اللذين رأى حزب اللّه أنّهما تهديد لسلاحه، بأنّها كانت تبغي من خلالهما «بناء الدولة». وبعد ردّ الفعل المسلّح الذي قام به حزب اللّه وحلفاؤه، رأى أحد أركان السلطة أنّه ربّما جرى بعض التسرّع في إصدار القرارين، وأنّ عمليّة بناء الدولة تدريجيّة، ولم يحن الأوان بعد لخطوات من النوع الذي اتّخذته الحكومة. أمّا رئيس الحكومة، فلم يجد غير شعار «لا تراجع عن بناء الدولة»، للدفاع عن موقفه.
ليس الأمر متعلّقاً بالتوقيت وحسب. لقد دأبت السلطة في لبنان على تصوير الصراع الجاري منذ ثلاث سنوات على أنّه صراع بين «الدولة» و«دويلة حزب الله داخل الدولة»، وأنّ تحالف فريق 14 آذار يخوض معركة بناء الدولة على حساب الدويلة، فيما تقوم المعارضة بالمشروع المعاكس. وراحت السلطة تردّد عبارات من نوع احتكار العنف، والدولة المدنيّة، والقوانين والمؤسّسات... وهي تظنّ أنّ استخدامها لهذه المصطلحات يحسم المعركة «الأخلاقيّة» سلفاً لمصلحتها. فمن تراه ذاك الذي يدعم دويلة في وجه الدولة الحامية والحاضنة للجميع؟
غالباً ما كانت المعارضة تردّ على هذا الادّعاء بالتشكيك في نيّات الفريق الحاكم، وبنبش تاريخ قياداته للتدليل على أنّ هذا الطاقم المكوّن من مجموعة من أمراء الحرب السابقين والمضاربين العقاريّين (قتلة ولصوص وفق تعبير للسيّد حسن نصر اللّه) ليس من النوع الذي يمكنه حمل مشروع بناء دولة. ويحمل مطلب المشاركة في طيّاته ادّعاء أنّ أسس دولة قادرة وعادلة (ومقاوِمة) يضعها شخص كميشال عون، لا كفؤاد السنيورة مثلاً.
قد تكون ممارسة الحكم مختلفة بين من هم في الموالاة ومن هم في المعارضة. لكنّ الدولة التي يطرحها السنيورة لا تختلف في الجوهر عن دولة ميشال عون. كلاهما يتحدّث عن بناء الدولة كما لو أنّ ثمةّ نموذجاً جاهزاً لهذا البنيان، وكلاهما يتخيّل أمراً شبيهاً بما عرفته الدول الأوروبية الحديثة. لكنّ الواقع يدحض إمكان هذا النوع من «الدولة» في لبنان، لا بل إنّ هذا النموذج المستخدم في السجال السياسي ليس الأكثر انتشاراً في العالم أصلاً.
لا يمكن الخروج من المأزق الحالي إلا عبر التخلّي عن تخيّل هذا النموذج الجاهز، والانطلاق من خصوصيّات الوضع اللبناني لدى الحديث عن أيّ دولة نريد، وإلا فسيتحوّل مشروع «بناء الدولة»، سواء أكان رافعو رايته صادقين أو لا، إلى مشروع تدمير المجتمع والسلم الأهلي. ونجد في الحماسة البالغة لدى رئيس الحكومة في أداء الجيش دوراً مختلفاً في المعارك الدائرة، مثالاً على ذلك.
ليس هذا الواقع فريداً. فعلى عكس ما قد يتصوّره البعض، كثيراً ما انطلقت دورات العنف في العالم من خطاب «تحديثي» تبسيطي يحاول فرض نماذج متخيّلة على واقع شديد التعقيد، أو تفكيك بنى اجتماعيّة راسخة بمرسوم وزاري تنفّذه حملة عسكريّة رسميّة. فكيف إذا تعلّق الأمر ببلد كلبنان كاد مطلب الزواج المدني الاختياري يشعل فيه حرباً أهليّة؟

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 13 مايو، 2008,12:36 ص
أبو رياض
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الاثنين ١٢ أيار ٢٠٠٨
أين ستقوم بمغامراتك بعد اليوم يا أبو رياض*؟ في أيّ زقاق من أزقّة بيروت ستروي عن بطولاتك التي حدثت «بالزمانات»؟ وإلى أيّ مخفر شرطة ستقود مقالبُك عبّاس ابن أبو راغب؟ هل أتى الحريق المُخزي على ثيابك الحمراء المقطّعة مربّعاتٍ مربّعاتٍ، كحال هذه المدينة؟ حين دخلوا إلى بيتك وأحرقوه، لم يراعوا أنّك تعاني أوجاعاً في المفاصل، وأنّك مدلّل لا يليق بك التشرّد في الطرقات، وأنّك تداري ضعفك وشعورك بالوحدة بإظهار تعاليك على عباس الذي يحبّك ويغفر لك.
عباس كان يداعبك قائلاً إنّك تجاوزتَ التسعين من العمر. وأنت ترفع عصاك رافضاً ما يقول. فأنت شيخ الشباب. عاصرت العهود السابقة كلّها، والحربين العالميّتين، تروي حكاياتها كما لو أنّها حدثت البارحة، وكما لو أنّك أنت بطلها. لكنّك تصرّ، رغم ذلك، على أنّك شاب في مقتبل العمر، تشارك في سباقات الركض في الأحياء، وتُبَصْبص على الصبايا، وتتلذّذ بمُتع الحياة. أنت شيخ الشباب حقاً يا أبو رياض. لم تضنِك السنون والحروب، تماماً كالمدينة التي تنتمي إليها.
لم ترفع عصاك من نوافذ مبنى التلفزيون على الروشة. فأيّ عصا ستقف في وجه المولوتوف. لكنّك لم تستطع الهرب أيضاً. فأنت، كالعادة، ترتدي ثياب النوم. نَمْ قليلاً يا أبو رياض، إنّها ساعات الليل المظلم.
* «مغامرات أبو رياض» مستمرّ على شاشة «المستقبل»، رغم كلّ شيء... وبنجاح كبير.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الجمعة، 9 مايو، 2008,1:13 ص
إعلان حرب
خالد صاغية
الأخبار عدد الخميس ٨ أيار ٢٠٠٨
عند الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الثلاثاء الواقع فيه السادس من أيّار عام 2008، خرج المواطن غازي العريضي وتلا أمام اللبنانيين بياناً. كان وجهه شاحباً، ولم يكن النعاس وحده سبب هذا الشحوب. كان يعلم، على الأرجح، أنّ ما كُلِّف بتلاوته ليس إلا إعلان حرب أهليّة.
قد يجد المرء، إن أراد، تسويغات عديدة لما صدر عن مجلس الوزراء من قرارات في تلك الليلة. وقد تأخذه سذاجته إلى حدّ ربطها ببناء دولة المؤسّسات، في اللحظة نفسها التي تعيش فيها الطوائف كافة حالة تقوقع وخوف من أخواتها. لكنّ هذه التسويغات لن تخفي حقيقة واحدة: إنّ من اتّخذ هذه القرارات، اتّخذ في الوقت عينه قراراً بإشعال البلاد.
والواقع أنّ مجلس الوزراء مكوّن جزئياً من مجموعة كومبارس لا خبرة لهم في الحقل السياسي، شاءت الصدفة التاريخية أن تضعهم في مناصب حسّاسة في لحظات عصيبة. أمّا الجزء الآخر، فمؤلّف من مندوبين لأمراء حرب أهليّة سابقين. نفهم تماماً أن ينفّذ المندوبون أوامر زعمائهم الذين ينتابهم الحنين للزمن الماضي، فيصرّون على اتّخاذ قرارات حربيّة. أمّا الآخرون، فليس واضحاً كيف يكملون انحدارهم بخفّة من «الأوادميّة» إلى الغباء، ومن الغباء البريء إلى الغباء المؤذي.
السلطة في يد هؤلاء «بتجرح». أمّا الدماء التي بدأت تسيل، فستجعل من الصعب عليهم النظر في المرآة ورؤية أنفسهم.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الثلاثاء، 6 مايو، 2008,10:28 م
شروط دعم المقاومة
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الثلاثاء ٦ أيار ٢٠٠٨
تتبنّى الحكومة الحالية، بحسب بيانها الوزاري، دعم المقاومة. لكنّ البيان، كأيّ نص آخر، يمكن أن يخضع لتفسيرات وتأويلات مختلفة. وهي تفسيرات يتولّاها حالياً رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ووزير الشباب والرياضة في مرجعيون وضواحيها أحمد فتفت. ووفق أحدث هذه التأويلات، تدعم الحكومة المقاومة لكن بشروط، منها :
1 ــــ ألّا يُجري عناصر المقاومة أيّ اتصال في ما بينهم من دون أن يخضع للتنصّت من جانب السيّد ميشال معوّض الذي يودّ متابعة تفاصيل نقاشات المقاومين، تمهيداً لمشاركته في قرار السلم والحرب.
2ــــ أن يتخلّى حزب اللّه عن ترسانة الصواريخ التي يملكها، ويستبدلها بالمنجنيق.
3ــــ أن يُخطر السيّد حسن نصر اللّه قوى الأمن الداخلي بمكان وجوده أوّلاً بأوّل، وأن يوعز مدير هذه القوى بفصل عنصرين من شرطة السير لحماية الأمين العام لحزب اللّه.
4ــــ أن تُحصر المربّعات الأمنية داخل بيروت وضواحيها بمربّعَيْ قريطم وكليمنصو.
5ــــ ألا تقدم المقاومة على أي عمل عسكري قبل استئذان عمّار حوري.
6ــــ أن يشرف قائد القوات اللبنانية سابقاً، ورئيس هيئتها التنفيذية حالياً، السيّد سمير جعجع على تدريبات المقاومين، يعاونه غسّان توما.
7ــــ أن تمرّ كلّ المساعدات للمقاومة عبر رئاسة مجلس الوزراء، لينال كل من الوزراء حصّته.
8ــــ أن يُطرد السفير الإيراني من جمهوريّة المختارة.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الاثنين، 5 مايو، 2008,4:46 م
حرب استباقيّة
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الاثنين ٥ أيار ٢٠٠٨
قد يقرّ مجلس الوزراء اليوم زيادة على الأجور. قد يقرّها بقيمة لا تتناسب مع الظلم اللاحق بالعمّال منذ التسعينات، حين كانت المطالبة بزيادة رواتب العمّال والموظّفين تُعدّ إعاقة لمشروع الإنماء والإعمار الذي لم يُنَمِّ ولم يعمّر إلّا قصور الأثرياء والسلاطين الجُدد. لكنّ تراكم ارتفاع الأسعار في السنوات السابقة، في ظلّ أجور جامدة، لم يراكم الثروات بشكل كافٍ، على ما يبدو. وأصحاب المشاريع المنتجة الذين لم يلتفت إليهم الإنماء والإعمار، لم يجدوا لرفع الظلم اللاحق بهم إلا الانتقام من عمّالهم. فكانت مطالبهم لا تلقى استجابةً إلا حين يتعلّق الأمر بتضييق سبل العيش على الأجراء، كخفض المساهمات في الضمان الاجتماعي أو تجميد الأجور.
كلّ ذلك لم يكن كافياً. كان لا بدّ من رفع الأسعار بطريقة مصطنعة قبل إقرار «الزودة» التي ما كانت لتُقَرّ لو لم تكن الحكومة «محشورة» سياسيّاً. هكذا خسر العمّال «زودتهم» قبل أن يحصلوا عليها، إذ امتصّها مسبّقاً ارتفاع الأسعار. وربّما كانت الحكومة تحضّر لخطوات مؤلمة اجتماعيّاً لتعود وتدفّع العمّال الزيادة على أجورهم مرّة أخرى.
في الماضي، كان فؤاد السنيورة يمدّ يده إلى جيوب المواطنين ليسحب ما فيها ويمنحه إلى أصحاب المصارف. الاسم الحركيّ لعملية النهب هذه: الدين العام.
اليوم، بات السنيورة يمدّ يده إلى جيوب المواطنين، يسحب ما فيها، ثمّ يطالبهم بالبنطال الذي يرتدونه... إنّه ارتفاع سعر اليورو!

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments
الخميس، 1 مايو، 2008,12:35 م
سيأتي يوم
خالد صاغيّة
الأخبار عدد الخميس ١ أيار ٢٠٠٨
ذات يوم، أعطى رجل حكيم ذو لحية كثّة ملاحظة بسيطة: ثمّة في هذا العالم مَن ينتج ولا يحصل على ما تنتجه يداه. كلّ ما يجنيه هو أجرٌ أقلّ قيمةً من الإنتاج.
أعطى الرجل الحكيم هذه العمليّة اسماً: إنّها الاستغلال. وأعطى المستغَلّ اسماً: إنّه العامل. وأعطى النظام الذي يتيح عمليّة الاستغلال هذه اسماً: إنّها الرأسماليّة.
لم يكن الناس دائماً هكذا، ولن تكون نهاية التاريخ على هذا المنوال.
سيأتي يوم لا يضطرّ فيه العامل لأن يبيع قوّة عمله ليحصل على «حدّ أدنى» يمكّنه من شراء القوت كي يعود في اليوم التالي إلى العمل، وكي يُطعم أولاده ليصبحوا بدورهم عمّالاً صالحين يذهبون حين يكبرون إلى سوق العمل حيث يبيعون بدورهم قوّة عملهم.
سيأتي يوم لا يضطرّ فيه العامل لأن يقبل بـ«حدّ أدنى» خوفاً من الانضمام إلى جيش العاطلين من العمل الآخذ في النموّ.
سيأتي يوم لا يضطرّ فيه العامل لأن يعمل ساعات طويلة، بظروف صحيّة سيّئة.
سيأتي يوم تتوقّف فيه الجاليات السريلانكيّة والإثيوبيّة عن العمل خدماً في المنازل. سيأتي يوم ترفع فيه امرأة إثيوبيّة سكين المطبخ في وجه من يسيء إلى كرامتها.
سيأتي يوم يتوقّف فيه العامل السوري والمصري عن تقبّل إهانات المارّة.
سيأتي يوم نحتفل فيه بعيد العمّال... من دون أرباب عمل.

التسميات:

 
posted by Thinking | Permalink | 0 comments